اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حماس وسرايا القدس تباركان عملية "حلميش": رد طبيعي على اقتحامات الأقصى

مقالات

من الحصار البحري إلى الممرات البرية.. كيف تعيد إيران هندسة خياراتها الاستراتيجية؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

من الحصار البحري إلى الممرات البرية.. كيف تعيد إيران هندسة خياراتها الاستراتيجية؟

127

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق

في منتصف نيسان/أبريل 2026، لم تكن واشنطن تفرض حصارًا بحريًا على إيران، لقد كانت تحاول أن تُعدم الجغرافيا الإيرانية من البحر. لم تُغلق الموانئ الجنوبية وحدها؛ إنما أغلقت الشريان الذي كانت تمر عبره أربعة وتسعون بالمئة من تجارة البلاد الخارجية، فإذا بطهران تقف أمام مشهد قاتل: بحرٌ مسدود وموانئ مُصفّدة واقتصاد يُدفع إلى حافة الاختناق.

لكن الحصار، في منطق القوة، لا يُختزل بما يقطعه من طرق، إنما بما يُجبر الدولة على اكتشافه من قدرات. بينما كانت واشنطن تحسب أن البحر سيكون سجنًا لإيران، كانت الأخيرة قد أعدّت منذ سنوات بديلها البري: خطوط حديدية تمتد عبر آسيا الوسطى، وممرات لا تمر بمضيق هرمز ولا بالسويس ولا بأي نقطة اختناق تخضع لابتزاز الغرب. ما جرى لم يكن ردّ فعلٍ هامشيًا، هو تتويج لصبر استراتيجي طويل وهندسة تحتية أُعدّت في السرّ والعلن. طهران، والتي حوصرت من البحر، تمضي لتفتح أبواب الأرض: من الصين إلى آسيا الوسطى، ومن القوقاز إلى المحيط الهندي. إنها ليست أزمة عبور، هي إعلان أن أوراسيا صارت تُكتب من البر، وأن الجغرافيا، حين تُحاصر، قد تنتقم من البحر.

كيف تحوّل المضيق إلى ساحة اختبار لصدمة إمدادات غير مسبوقة؟

بعد منتصف تموز/يوليو 2026، لم يعد مضيق هرمز فقط ممر لناقلات النفط، لقد صار مرآة لحجم التحول الذي أحدثته الحرب في جغرافيا الطاقة الاقتصادية. اختفت ناقلات إيران تقريبًا من شاشات التتبع، فيما واصلت بعض السفن حركتها بعيدًا عن الرصد. قبل الحرب، كانت طهران تصدّر نحو 1.7 مليون برميل يوميًا، يذهب أكثر من 80% منها إلى الصين؛ لكن الواردات الصينية هبطت في آب/أغسطس إلى نحو 534 ألف برميل، مقابل 1.4 مليون في العام 2025. لم يتوقف الانكماش عند الكميات، حيث انتقلت الخامات الإيرانية من خصم يقارب 3 دولارات للبرميل إلى علاوة تصل إلى دولارين فوق برنت، في سوق باتت فيه المخاطرة أعلى من الرغبة في الشراء.

الأشد دلالة هو أن المخزونات العائمة من النفط الإيراني، في المياه الآسيوية، تراجعت وفقًا لـــ Kpler، إلى نحو 30 مليون برميل، أي نصف مستواها المعتاد. أما حركة المضيق العالمية، فقد انهارت من نحو 130 سفينة يوميًا إلى ناقلتين فقط في ذروة الحرب. خلال عشرة أسابيع، تجاوزت خسائر إمدادات الخليج مليار برميل، مع توقف أكثر من 14 مليون برميل يوميًا، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. هكذا تحوّل حصار إيران إلى صدمة عالمية، وأصبح السؤال: ماذا يحدث حين يتحول أضيق ممر للطاقة إلى أوسع نقطة اختناق اليوم في قلب منظومة الطاقة العالمية بأكملها؟ 

البحر يُغلق... والبر يُفتح

حين أُغلق البحر، لم يكن أمام إيران سوى أن تُنصت لنداء الأرض. كان الرد سريعًا وحاسمًا، وكأنه مُعدّ سلفًا في الأدراج: التحوّل نحو البر. ممر السكك الحديدية بين شيآن وطهران، هذا الشريان الذي يمتد 10,400 كيلومتر عبر كازاخستان وتركمانستان، لم يكن وليد اللحظة، بل دُشّن في أيار/مايو 2025، أي قبل أسابيع فقط من اندلاع الحرب. كان يعمل بجدول أسبوعي منتظم، يمكن التنبؤ به، رتيبًا كنبضٍ هادئ. لكن مع بدء الحصار، انقلب هذا الهدوء إلى ضجيج: ارتفع عدد الرحلات من قطار واحد في الأسبوع إلى قطار كل ثلاثة أو أربعة أيام. القطارات لم تعد تنتظر، والحاويات لم تعد تجد مقعدًا.

وفقًا لمصادر مطلعة، فإن مساحة الشحن محجوزة بالكامل حتى نهاية أيار/مايو، مع خططٍ لزيادة الطاقة الاستيعابية. لكن الثمن كان باهظًا: قفزت تكلفة نقل الحاوية القياسية بطول 40 قدمًا إلى نحو 7,000 دولار، أي بزيادة تقارب 40% عن المعدلات الطبيعية. هذا الارتفاع ليس فقط انعكاسًا باردًا لقانون العرض والطلب، هو الفاتورة الحقيقية للالتفاف على جغرافيا بحرية صُمّمت لها سلاسل التوريد العالمية طوال عقود. إنها ضريبة الجغرافيا على من يحاول خداعها.. فالسكك الحديدية لا تنقل كل شيء، لكنها تنقل ما لا يمكن الاستغناء عنه: قناة احتياطية للمكونات الصناعية الحيوية التي لا تستطيع إيران تأمينها محليًا. إنها ليست بديلًا عن البحر، بل شبكة أمان فوق الأرض.

شبكة لا ممر واحد

ما تملكه إيران، اليوم، ليس ممرًا واحدًا، هو شبكة ثلاثية الأبعاد من الطرق البرية والبحرية، كل واحد منها يعيد رسم خريطة التجارة الإقليمية بطريقة مختلفة. إنها ليست خطوط عبور، هي هندسة نفوذ.

أولًا- ممر الشرق — الصين وآسيا الوسطى

هذا الممر لا ينقل بضائع فحسب، يحمل أيضًا صادرات صينية عالية القيمة: قطع غيار السيارات، الآلات الثقيلة، مولدات الطاقة والألواح الشمسية. تمثل هذه الإمدادات شريانًا للتصنيع الإيراني، والذي أصبح يعتمد بشكل متزايد على السكك الحديدية للحفاظ على عمل المصانع والمرافق. أما بالنسبة إلى الصين، فهذا المسار ليس فقط طريق تجاري، هو اختبار ناجح لقدرة مبادرة الحزام والطريق على الصمود تحت الضغط. إنه يثبت أن بكين قادرة على إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها البرية إلى دولة شريكة، متجاوزة الحصارات البحرية ونقاط الاختناق التي تسيطر عليها القوى الغربية. إنها رسالة من بكين إلى واشنطن: الطريق إلى إيران لا يمر بالضرورة عبر البحر.

ثانيًا- ممر الشمال–الجنوب (INSTC) –العمق الاستراتيجي الحقيقي

هذا الممر بطول 7,200 كيلومتر؛ يربط سانت بطرسبورغ بالمحيط الهندي عبر الأراضي الإيرانية. شهد هذا الممر نموًا هائلًا في حركة المرور. في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2026، ارتفعت حركة الشحن على الممر بنسبة 87%، مع زيادة في الصادرات الروسية إلى إيران بنسبة تجاوزت 56%. الأكثر إثارة هو أن النمو على فرع ما وراء بحر قزوين، عبر كازاخستان وتركمانستان، قد بلغ 98%. أرقام لا تكذب: الممر لم يعد مشروعًا نظريًا، لقد أضحى شريانًا ينبض بالحياة.

لكن العقدة الحاسمة لا تزال قائمة: الجزء المفقود بطول 162 كيلومترًا بين رشت وأستارا. هنا، تتكشف جدية اللاعبين. لقد التزمت روسيا بتقديم 1.6 مليار يورو للمشروع، وبدأت أعمال المسح والتحضير في العام 2025، فيما وقعت طهران وموسكو اتفاقية التنفيذ في تشرين الثاني/نوفمبر. هذا يؤكد أن موسكو ترى في هذا الممر استثمارًا استراتيجيًا يتجاوز بكثير حساباته الاقتصادية المباشرة. إنها ليست صفقة سكك حديدية، هي شراكة جغرافية.

ثالثًا- المحور الباكستاني - العراقي

لقد حدّدت طهران وإسلام آباد هدفًا طموحًا للتجارة السنوية بـ10 مليارات دولار، مع استعادة خط سكة حديد كويته–زاهدان. كما يجري العمل على خط السكك الحديدية القصير شلمجة–البصرة مع العراق. في الوقت نفسه، يزدهر اقتصاد موازٍ على طول الحدود البرية مع باكستان وتركيا والعراق، حيث يُنقل الوقود الإيراني منخفض السعر والسلع عبر طرق برية متنوعة. لقد أدت الحرب الإقليمية والاضطرابات في الخليج الفارسي إلى زيادة قيمة هذه المسارات، وفتحت باكستان ست قنوات برية أمام البضائع المتجهة إلى إيران بعد فرض الحصار. إنها ليست طرقًا بديلة، هي اقتصاد ظلّي كامل يعمل تحت أنف الحصار.

بحر قزوين يدخل المعركة

المفاجأة الكبرى في استراتيجية إيران البديلة لم تأتِ من الشرق ولا من الجنوب، بل من الشمال. من بحر قزوين، ذلك البحر المغلق الذي كان يُنظر إليه طويلًا على أنه هامش جغرافي، فإذا به يتحوّل إلى جبهةٍ جديدة في حرب النقل. في غضون 164 يومًا بعد اندلاع الحرب، ارتفعت شحنات النقل السائل من روسيا إلى إيران عبر بحر قزوين من 8 شحنات إلى 23 شحنة، بزيادة قدرها 2.9 مرات، فيما ارتفع الحجم من 174,100 برميل إلى نحو 437,000 برميل. أرقام تقول ما لا تقوله البيانات الرسمية: البحر المغلق صار متنفسًا.

أما في شمال إيران، فقد سجّل ميناء "أمير آباد" وغيره من الموانئ الشمالية، نشاطًا غير مسبوق. في ميناء "نوشهر" شمالي البلاد، رُصدت 7 سفن إضافية في يومين فقط، ليرتفع إجمالي السفن الراسية من 28 إلى 35 سفينة. اللافت أن نحو 74% من هذه السفن لم تكن ترفع أعلامًا، فيما حدّدت 10 سفن أخرى خاضعة للعقوبات. إنها سفن بلا هوية، تعبر بحرًا بلا رقابة، وتكشف شبكة شحن ظلّ متطورة تعمل خارج إطار الأنظمة البحرية التقليدية. شبكة لا تحتاج إلى أعلام، لأنها تعرف وجهتها.

لكن الأهم من السفن هو الجغرافيا السياسية التي تتشكل خلفها. لقد أمنت كازاخستان موطئ قدم لوجستيًا طويل الأمد، في ميناء الشهيد رجائي في بندر عباس، وأبدت اهتمامًا بميناء تشابهار. هذا يعكس تحولًا في التحالفات اللوجستية الإقليمية، حيث تبحث دول آسيا الوسطى عن منافذ بحرية بديلة بعيدًا عن الهيمنة الغربية. إنها ليست صفقات عبور، هي إعادة تموضع استراتيجي لدول كانت تُعدّ دائمًا في الظل.

"تشابهار" الميناء الذي لا يُحاصر

ميناء تشابهار ليس مجرد ميناء. إنه الجواب الإيراني على سؤال الجغرافيا. يقع على خليج عُمان، خارج مضيق هرمز، خارج نقطة الاختناق التي يمكن لواشنطن أن تُغلقها في أي لحظة. هذا الموقع بالذات يمنحه قيمة استراتيجية لا تعوض، إذ يسمح لإيران بالالتفاف على الحبل الذي يُشدّ حول عنقها الاقتصادي منذ عقود. لكن الميناء دفع الثمن. لقد تعرّض لأضرار جراء الضربات الأميركية في تموز/يوليو، لا سيما برج مراقبة حركة الملاحة البحرية فيه. مع ذلك، لم تتوقف الآلة؛ فخط سكة حديد تشابهار–زاهدان تجاوزت نسبة إنجازه 90%، ومن المتوقع تدشينه في أيلول/سبتمبر أو تشرين الأول/أكتوبر 2026. حين يكتمل، سيربط الميناء بشبكة السكك الحديدية الوطنية الإيرانية وممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب. عندها لن يكون تشابهار مجرد منفذ، سيصبح عقدة في شبكة تمتد من المحيط الهندي إلى سانت بطرسبورغ.

الأهم من ذلك كله؛ أن تشابهار يبقى محوريًا في خطط الهند، على الرغم من تجدد الضغوط المرتبطة بالعقوبات الأميركية. إن استمرار العمل على دمج الميناء بشبكة السكك الحديدية الإيرانية يقول شيئًا واحدًا واضحًا: نيودلهي ترى في هذا الممر استثمارًا استراتيجيًا يتجاوز الحسابات التجارية المباشرة. الهند لا تريد أن تبقى رهينة لمضيق تتحكم به واشنطن وحلفاؤها. تشابهار هو تذكرة خروجها من ذلك الفخ.

واشنطن تهدد... وتهمس لبكين

في 24 آب/أغسطس 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية "اقتصار اقتصادي" جديد على إيران، ووسعت العقوبات لتشمل خمسة قطاعات جديدة: الأصول الرقمية، التكنولوجيا، الذهب، الطيران والشحن. كما هدد وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ"عزلة إيران الكاملة"، محذرًا الدول من مواصلة التعامل مع طهران. الرسالة كانت واضحة: إما أن تكون معنا، أو تتحمل العواقب.

لكن الأهم في هذه الخطوة ليس ما تقوله واشنطن علنًا، إنما ما تكشفه تحركاتها في الكواليس. إذ إن الإدارة الأميركية، فيما تلوح بعصا العقوبات، لجأت إلى ما وصفه بيسنت نفسه بـ"الدبلوماسية الهادئة"، لا سيما مع الصين شريك إيران التجاري الأكبر. هذا ليس سوى اعتراف ضمني بأن واشنطن تعرف أن العقوبات الأحادية لن تجدي نفعًا، من دون تعاون دولي. وأن الصين، بوزنها الاقتصادي والسياسي، هي المفتاح الحقيقي لأي استراتيجية عزل اقتصادي. إن العقوبات بلا بكين هي مجرد حبر على ورق.

بكين، من جهتها، لم تتعامل مع المسألة بصفتها خلافًا تجاريًا هامشيًا. جاء ردها واضحًا في التأكيد أن "التعاون الصيني - الإيراني يجري في إطار القانون الدولي، فلا ينبغي التدخل فيه أو تعطيله، مع التشديد على استعدادها لاتخاذ التدابير اللازمة جميعها لحماية حقوقها ومصالحها". لا تبدو أهمية هذا الموقف، في عباراته الدبلوماسية وحسب، أيضًا في دلالته الأوسع: واشنطن تحاول استخدام أدواتها المالية لإعادة رسم حدود حركة إيران الاقتصادية، فيما ترفض بكين أن تتحول هذه الأدوات إلى قواعد ملزمة للنظام الاقتصادي العالمي بأسره. هنا؛ تظهر حدود القدرة الأميركية على تحويل العقوبات إلى إجماع دولي؛ فحين تصطدم إرادة واشنطن بإرادة قوة بحجم الصين، لا يعود السؤال متعلقًا بإيران وحدها، إنما بمن يملك حق تحديد مسارات التجارة والعقوبات والنفوذ في النظام الدولي المقبل؟

التمويل البديل.. التفاف على هيمنة الدولار

لم تتحول المسارات اللوجستية وحدها. إذ بالتوازي مع الطرق البرية والبحرية، تحولت القنوات المالية؛ فأصبحت عمليات التسوية تتم بصورة متزايدة خارج النظام القائم على الدولار باليوان والترتيبات الثنائية والمقايضة مقابل السلع والبنية التحتية الصينية. إنها ليست فقط بدائل تقنية، هي إعادة هندسة للنظام المالي الذي هيمنت عليه واشنطن منذ عقود.

إذ تفيد تقارير بوجود آلية توجّه عائدات النفط الإيراني إلى مشاريع بنية تحتية صينية بدلًا من تحويل الأموال نقدًا، بصورة مباشرة إلى طهران. يصعب قياس حجم هذه الآلية، حيث تُبقي طهران آليات عمل هذه القنوات بعيدة عن الأنظار العامة لحمايتها من العقوبات الثانوية. إنها قنوات لا تُرى، لكنها تعمل. وهذا هو جوهر اللعبة: أن تتحرك خارج الرادار. ما يمكن إثباته من بيانات التجارة وتتبع السفن والتقارير الميدانية هو أن هذه المسارات البديلة موجودة، وتُستخدم بصورة نشطة. لكنها لا تزال تجعل تشغيل الاقتصاد الإيراني أكثر تكلفة؛ فتصبح إيران أقل اعتمادًا على القنوات المالية الخاضعة للسيطرة الغربية وعلى الوصول البحري وحده. الثمن باهظ، لكنه أقل من ثمن الاستسلام.

هل يلاحق الحصار اليابسة؟

في النهاية، ما يجري يتجاوز بكثير أزمة عبور أو محاولة للالتفاف على حصار بحري؛ فنحن أمام إعادة تشكيل تدريجية لجغرافية أوراسيا الاقتصادية والجيوسياسية، وفي قلبها إيران التي تحاول، على الرغم من كلفة الحرب والعقوبات، أن تنتقل من موقع الدولة المحاصَرة إلى موقع الدولة التي تتحكم بجزء من مسارات العبور. إذ حين تُغلق واشنطن البحر أمامها، تحاول طهران أن تفتح البر، وحين يضيق هامش الحركة في موانئها الجنوبية، توسّع خياراتها باتجاه الشمال والشرق. بذلك لا يعود الموقع الجغرافي الإيراني مجرد معطى ثابت، إنما يتحول إلى أداة في إدارة الصراع وإعادة توزيع النفوذ.

لكن هذا التحول لا يخلو من مفارقة أساسية. إذ إن الممرات التي تُفتح، اليوم، تحت ضغط الحصار قد تتحول غدًا إلى بنية استراتيجية دائمة، إذا تمكنت طهران من تثبيت خطوطها البرية واستكمال بنيتها التحتية وربطها بشبكات التجارة الإقليمية قبل أن تتغير شروط الصراع. هنا؛ يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع إيران أن تحول الضرورة التي فرضها الحصار إلى نفوذ جيوسياسي مستدام؟ هل تنجح في بناء ممرات لا تكون مجرد بديل مؤقت عن البحر، بل جزءًا من هندسة اقتصادية جديدة لأوراسيا؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة