اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي النائب رعد: حزب الله وحركة أمل في أحسن حال والإستراتيجية الدفاعية مع سلطة ذات سيادة

نقاط على الحروف

دهرٌ دمويّ في يوم.. ولم نزل نقاوم! 
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

دهرٌ دمويّ في يوم.. ولم نزل نقاوم! 

214

كاتبة من لبنان

السادسة والنصف صباحًا، موجة الغارات غير المسبوقة في الجنوب سبقت باصات المدارس التي للتوّ فتحت أبوابها للعام الدراسي ٢٠٢٤-٢٠٢٥، إلى أبواب البيوت. وقبل حلول الظهر، كان تراب الجنوب قد غصّ بدم أولاده: استهدف العدوّ البيوت والأحياء السكنية في معظم القرى الجنوبية، مجازر في عين قانا وحاروف وبرعشيت وتولين، وقوافل النزوح بدأت بالتوجّه نحو صور وصيدا وبيروت، فيما الطيران الحربي المعادي يتعمّد ترهيب أكثر من تسعين ألف جنوبيّ عالق في زحمة السير نحو وجهة آمنة نسبيًا.

السيارات تغصّ بالركّاب. منصّات التواصل تغصّ بمناشدات عديدة تهدف إلى تأمين مياه الشرب وبعض الطعام للعالقين في سياراتهم، فيما نزل سكّان البلدات المحاذية للطرق المكتظة للمساعدة في ما تيسّر لهم. في صيدا، وقف رجل يحمل لافتة كُتب عليها: ستعودون مرفوعي الرؤوس.

تواصلت الغارات طيلة النهار، طالت الضاحية والبقاع: مجزرة في حيّ الشراونة. لينطلق خطّ نزوح آخر من البقاع امتدّ نحو المناطق الأقلّ تعرّضًا للهمجية الإسرائيلية. وفي الضاحية، عند مفترقات الطرق الرئيسية، تجسّدت الشهامة كلّها في رجال ونساء عزّ عليهم أن يصل النازحون من الجنوب إلى الضاحية ولا يجدون فيها أهلهم بانتظارهم. صحيح أنّ الضاحية لم تكن آمنة من جنون الغارات ولكن، كانت الحضن الأول الذي التفّ حول أهل الجنوب، قبل أن يغادروها مع سكانها بعد أيام قليلة.

قبل أن يحلّ منتصف ليل ذلك اليوم، سجّلت وزارة الصحّة ارتقاء نحو ٥٥٨ شهيدًا بينهم خمسون طفلًا و٩٤ سيّدة، بالإضافة إلى إصابة أكثر من ١٨٣٥ جريحًا. ولم يكن رفع الأنقاض قد حصل بعد، ما رفع عدد شهداء ٢٣ أيلول ٢٠٢٤ إلى ٧٠٠. إلى ذلك أعلن الصليب الأحمر اللبناني أن المستشفيات في لبنان في المساء تجاوزت قدرتها الاستيعابية، ولا سيّما أنّ جرحى مجزرتي البايجر والأجهزة اللاسلكية في ١٧ و١٨ أيلول كانوا بمعظمهم ما زالوا في غرف العناية المركّزة. 

تجاوز عدد الغارات الموثّقة في هذا اليوم ١٦٠٠ غارة، وأعلن جيش العدوّ عن قصف نحو ٨٠٠ هدف ادّعى أنّها مبانٍ عسكرية وجزء من "البنية التحتية" للمقاومة، فيما رصدت المنظمات الحقوقية حول العالم أكاذيبه، لدرجة أن منظمة اليونيسيف صنّفت يوم ٢٣ أيلول يوم رعب للأطفال في لبنان. 

استعادة هذه التفاصيل اليوم بعد مرور عامين بالتمام ضرورية لا لتوثيق الأحداث فحسب، بل للإضاءة على "العمى" الذي يتعمّد الإصابة به جميع دعاة "الدبلوماسية" وجميع من لم يخجلوا بعد من تكرار كذبة "إسرائيل تدافع عن نفسها"، وجميع من لم يدفعهم مشهد الدم الغزير إلى مراجعة موقفهم الأخلاقي والإنساني والكفّ عن إدانة المقاومة وأهلها وتبرئة الصهاينة.

 حول العالم، ضجّ الإعلام بدموية يوم ٢٣ أيلول. في لبنان، آثر بعض الإعلام البحث عن ذرائع ومبرّرات للعدو بحيث تُظهّر همجيّته كلّها كحقّ طبيعيّ، فيما كان لا يزال الأطفال تحت ركام منازلهم، ينتظرون مسعفًا أو يستعجلون تسليم الرّوح.

حول العالم، بكت عائلات أمام مشهد النزوح تحت النّار وصوت الطائرات، فيما وجدت بعض الشخصيات الإعلامية والسياسية في المشهد مساحة للتشفّي وللقول لأهل الجنوب أنّهم يدفعون ثمن خياراهم المقاوم، بلغة فيها من الشماتة ما يرقى إلى الاشتراك بالقتل. وأكثر من ذلك، شهدت منصات التواصل بعض النشاط الصادر عن حسابات بظاهرها لبناني، والذي يدعو "إسرائيل" إلى عدم وقف غاراتها ومجازرها حتى القضاء على المقاومة. أما على الأرض، فكان اللبنانيون من مختلف التوجهات والطوائف يكملون ما بدأوه يوم مجزرة البايجر من ترابط وتعاضد: من أقصى الشمال إلى كلّ المناطق، فُتحت البيوت ومراكز الإيواء، وهبّ الجميع لغوث النازحين، كلّ بما أمكنه، ما دفع بإعلام عوكر كما بمختلف أدواتها إلى محاولات يائسة للتحريض على النازحين ولدعوة أهل المناطق الآمنة إلى "الحذر" من استقبالهم. 

اليوم، بعد عامين على اليوم الأكثر دموية، لم تنته الحرب بعد. يواصل العدوّ غاراته ويرتكب المجازر. ما جرى في ٢٣ أيلول واستمرّ حتى ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤ لم يحقّق أهدافه التي كان العدوّ قد أعلن عنها طيلة فترة معركة أولي البأس، ولم ينجح خلالها بتثبيت نقطة واحدة له في الجنوب. المفارقة أنّه تمكّن من تحقيق بعض ما أراد فقط، حين وافقت المقاومة على وقف إطلاق النار ومنحت السلطة "فرصة" تستميت في طلبها كي تحمي لبنان بالدبلوماسية. مرّ بعدها ١٥ شهرًا من القتل اليومي، ولم تنبس الدبلوماسية ببنت شفة، ليتبيّن بعدها أنّ تلك الفرصة لم تكن سوى "فرصة" للعدوّ لتحقيق أهدافه.

أما بعد، لقد ثبت لجميع من في الأرض، وبالتجربة الحيّة، أنه لا يحمي الأرض وأهلها إلّا المقاومة التي آمنت بالحقّ وبذلت في سبيلها أغلى الدماء، وكلّ ما جرى وبشكل يوميّ منذ ٢٣ أيلول حتى يومنا هذا، ليس سوى الدليل القاطع، لمن لم يزل في طور البحث عن أدلّة، على أنّ الحقّ لا يصان إلّا بالقوة، وأن "إسرائيل" تجسّد كل شرور الأرض ولا أمان في المنطقة إلّا بزوالها، وأنّ السلاح وحده يحمينا، وأنّ من لم تكسر عزيمته المجازر والغارات والتهجير والاحتلال، لا يكسره شيء أبدًا.

الكلمات المفتاحية
مشاركة