اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي شي يرسم خطوط الصين الحمر أمام ترامب

مقالات

نتنياهو والبيجر.. حين يتفاخر الجزار بأداته أمام العالم
🎧 إستمع للمقال
مقالات

نتنياهو والبيجر.. حين يتفاخر الجزار بأداته أمام العالم

329

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

لم يكن بنيامين نتنياهو  بحاجة إلى خصمٍ يفضحه في الجمعية العامة للأمم المتحدة. كان يحمل فضيحته بيده. كان يمكنه أن يتحدث عن الأمن، وعن "إسرائيل"، وعن الحروب، وعن (الدفاع عن النفس)، وأن يملأ خطابه بكل المفردات التي اعتاد استخدامها لتجميل صورة كيان يخوض حروبًا متواصلة. لكنه اختار أن يفعل شيئًا أكثر فجاجة: حمل جهاز البيجر إلى منبر الأمم المتحدة، وراح يتفاخر بالعملية التي ارتبطت بتفجير آلاف أجهزة الاتصال في لبنان.

هنا لم يعد الكلام عن عملية استخبارية فحسب. هنا أصبح السؤال عن الإنسان الذي يستطيع أن ينظر إلى وسيلة ارتبطت بالموت والإصابات، ثم يحملها أمام العالم كأنها كأس بطولة.

يا لها من صورة تختصر الكثير. نتنياهو، بكل ما يمثله موقعه السياسي والعسكري، يقف على منبر يفترض أنه أُنشئ لمنع الحروب وحماية البشر، ثم يرفع أمام ممثلي دول العالم جهازًا ارتبط بعملية أوقعت قتلى وآلاف الجرحى.
ثم يبتسم. هذه الابتسامة ربما كانت أبلغ من كل خطابه. البيجر لم يكن نكتة.

قال نتنياهو، مستعرضًا الجهاز أمام الحاضرين، ما معناه: (تتذكرون أجهزة البيجر؟ أستطيع أن أقول لكم إن حزب الله بالتأكيد يتذكرها). بالنسبة إليه كانت جملة ساخرة. أما بالنسبة إلى الذين فقدوا حياتهم أو عيونهم أو أصابعهم أو أجزاء من أجسادهم، فلم يكن البيجر نكتة، كان انفجارًا، كان ألمًا، كان مستشفى، كان أمًا مذعورة، كان طفلًا يرى والده ينزف، كان طبيبًا يستقبل عشرات المصابين دفعة واحدة، وكان عائلةً دخلت إلى المستشفى لتخرج منه ناقصة فردًا أو مصابة بجرح لن يلتئم بسهولة. ومع ذلك، قرر نتنياهو أن يأخذ كل هذه المأساة ويختصرها في جهاز صغير يرفعه أمام الكاميرات.

هنا تحديدًا يظهر الفرق بين من يرى الحرب مسؤولية، ومن يحوِّل الحرب إلى استعراض.

الجزار الذي أراد أن يجعل من أداة الجريمة وسامًا

ليس من الضروري أن نستخدم عشرات الشتائم لوصف نتنياهو. يكفي أن نضع الصورة أمام القارئ.

رئيس حكومة يقف على منصة دولية، يحمل أداة مرتبطة بعملية تفجير جماعي، ويتحدث عنها بفخر وسخرية. ماذا يمكن أن يكون أكثر فجاجة من ذلك؟

إنه ليس مجرد تفاخر بإنجاز أمني، إنه تفاخر بقدرة على إيصال الموت إلى جيب الإنسان، إلى منزله، إلى مكان عمله، إلى المكان الذي يظن فيه أنه آمن.

وهنا تتحول التكنولوجيا من وسيلة اتصال إلى وسيلة قتل، ويتحول القتل من مأساة إلى دعاية، ويتحول الضحايا إلى خلفية في خطاب سياسي.

وهذا تحديدًا ما يجعل مشهد نتنياهو مع البيجر من أكثر مشاهد خطابه استفزازًا وإدانةً له سياسيًا وأخلاقيًا. والأخطر أنه قالها من فوق منبر الأمم المتحدة. لو قال نتنياهو هذه الكلمات في اجتماع مغلق مع مسؤولين عسكريين، لكان الأمر مختلفًا، أما أن يحمل الجهاز أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فهذا شيء آخر.

فالأمم المتحدة ليست غرفة عمليات الموساد، وليست منصة لعرض (الإنجازات) الاستخبارية، وليست مسرحًا لاستعراض أدوات الموت. هي المؤسسة التي يفترض أن يكون القانون الدولي وحقوق الإنسان والسلم الدولي في صلب وظيفتها.

ومع ذلك، وجد رئيس الحكومة "الإسرائيلية" في هذا المكان تحديدًا فرصة لعرض جهاز ارتبط بعملية دموية، وكأنه يعرض أمام العالم كأسًا فاز بها فريقه. أيّ انحدار سياسي وأخلاقي يمكن أن يكون أكثر وضوحًا من هذا؟

ثم جاءت القاعة لترد عليه، لكن المفارقة الكبرى أن نتنياهو لم يكن يخاطب قاعة ممتلئة ومصفقة. كانت الوفود تغادر واحدًا تلو الآخر. كان الرجل يتحدث، بينما المقاعد من حوله تفرغ. كان يريد أن يقدم نفسه للعالم باعتباره قائد كيان يقف في مواجهة العالم كله دفاعًا عن نفسها، لكن الكاميرات سجلت مشهدًا آخر: العالم ينسحب من حوله. ولم يتوقف عند حدود تجاهل المشهد، بل هاجم الذين غادروا، ووصفهم بالجبناء أخلاقيًا.

يا لها من مفارقة أخرى: من يقف أمام العالم متفاخرًا بعملية قتل يطالب الآخرين بأن يتحلوا بالأخلاق! ومن يرى الوفود تغادر قاعة خطابه لا يسأل لماذا غادروا، بل يقرر أن المشكلة فيهم! ومن يحمل أداة مرتبطة بعملية تفجير ويقدمها باعتبارها إنجازًا، يتحدث عن الأخلاق كما لو أنه جاء ليعطي العالم درسًا فيها.

لو كان البيجر يتكلم

لو كان ذلك الجهاز يستطيع الكلام، لربما كان أكثر صدقًا من خطاب نتنياهو كله. كان سيقول: أنا لست بطولة، أنا لست نكتة، أنا لست ميدالية، أنا جهاز كان في يد إنسان، وكان وراءه إنسان، وكان لهذا الإنسان عائلة. ثم انفجر. وهذا هو الشيء الذي حاول نتنياهو أن يمحوه بابتسامة ساخرة. لكنه لم يستطع، لأن الدم لا يختفي عندما يحمله صاحبه على منصة الأمم المتحدة، ولأن الضحية لا تتحول إلى تفصيل هامشي لمجرد أن القاتل سمّى العملية (إنجازًا). المسألة ليست في البيجر وحده، المشكلة الحقيقية ليست أن نتنياهو حمل جهازًا. المشكلة هي العقلية التي جعلت حمله ممكنًا، عقلية تعتبر أن التفوق التقني يمنح صاحبه حق تحويل أي أداة مدنية إلى وسيلة تفجير.

عقلية ترى في الاختراق الاستخباري انتصارًا، حتى عندما تكون نتائجه البشرية ثقيلة. 

عقلية تعتقد أن القدرة على قتل الخصم عن بُعد تكفي وحدها لإنتاج الشرعية.

لكن التاريخ العسكري والسياسي لا يقاس فقط بقدرة الجيوش على الوصول إلى أهدافها.

هناك سؤال آخر: ماذا فعلت هذه الجيوش بالبشر؟

وهنا لا يستطيع نتنياهو أن يهرب إلى الأرقام أو المصطلحات العسكرية، فالضحايا ليسوا (أضرارًا جانبية) في خطاب سياسي. إنهم بشر.

كان يمكن أن يتفاخر بانتصار سياسي... لكنه اختار الدم.

كان يستطيع نتنياهو أن يتحدث عن نجاح استخباري من دون أن يحمل أداة مرتبطة بالجريمة.

كان يستطيع أن يقول إن "إسرائيل" استطاعت اختراق منظومة خصمها.

كان يستطيع أن يقدم روايته كما يفعل أي مسؤول عسكري.

لكنه اختار الاستعراض. اختار أن يحمل الجهاز بيده. اختار السخرية. اختار أن يقول للعالم: تذكرون البيجر؟ وهذه العبارة ستبقى في سجل خطابه لأنها تكشف شيئًا لا تحتاج معه إلى تفسير طويل. إنها تكشف مدى تحوُّل الحرب في خطابه من مأساة إنسانية إلى مادة للاستعراض السياسي.

من المطلوب أن يحاكم؟

هنا يجب أن يكون السؤال أكثر جدية من الشتيمة. إذا كانت هناك شبهات جدية حول انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني، فالمطلوب ليس التصفيق للعملية ولا الاحتفال بها، بل التحقيق المستقل وتحديد المسؤوليات وفق القانون. فالسلطة السياسية لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية. والنجاح الاستخباري لا يمنح صاحبه شهادة براءة. والقدرة على تنفيذ عملية معقدة لا تعني أن العملية كانت مشروعة. بل إن تفاخر المسؤول السياسي بالعملية يجعل السؤال عن المسؤولية أكثر إلحاحًا، لا أقل. وهنا يصبح نتنياهو، بدل أن يتباهى بالبيجر، أمام سؤال ينبغي أن يلاحقه: هل كل عملية تستطيع أجهزة دولة تنفيذها تصبح مشروعة لمجرد أنها نجحت؟

إذا كانت الإجابة نعم، فقد سقط القانون الدولي وتحولت العلاقات بين الدول إلى قانون الغاب. أما إذا كانت الإجابة لا، فهناك شيء اسمه تحقيق ومساءلة ومحاسبة. لقد حمل نتنياهو البيجر... لكنه لم يحمل الضحايا.. هذه هي الحقيقة التي حاول المشهد أن يخفيها. حمل نتنياهو الجهاز. لكنه لم يحمل معه صور المصابين. لم يحمل المستشفيات. لم يحمل أسماء الشهداء. لم يحمل عائلاتهم. لم يحمل وجع من فقد عينه. لم يحمل يد من فقد أصابعه. لم يحمل خوف طفل رأى والده ينزف. حمل فقط الأداة. لأن الأداة تسمح له بأن يتفاخر. أما الإنسان الذي دفع الثمن، فلا يصلح مادةً لعرض الانتصارات. وهنا تحديدًا يصبح البيجر مرآة. ليس مرآةً لحزب الله فقط كما أراد نتنياهو أن يقول. بل مرآة للرجل الذي حمله. لقد كشف البيجر شيئًا عن صاحبه أكثر مما كشف عن خصمه. كشف كيف يمكن لرئيس حكومة أن ينظر إلى وسيلة ارتبطت بمأساة بشرية ويرى فيها رمزًا للقوة.

نتنياهو لم ينتصر على البيجر

لقد ظن نتنياهو أنه حمل البيجر ليقول: انظروا ماذا فعلنا. لكن العالم يستطيع أن يقرأ الصورة بطريقة مختلفة: انظروا إلى ما أصبح عليه خطاب رجل يتفاخر بوسيلة قتل. وفي النهاية، لن تكون قيمة ذلك الجهاز في حجم التقنية الموجودة داخله، ولا في العبقرية الاستخبارية التي يتفاخر بها نتنياهو. قيمته التاريخية ستكون في أنه تحول، بيد صاحبه، إلى دليل على سقوط القناع.

سقطت لغة الأخلاق، وسقطت صورة (الجيش الأكثر أخلاقية)، وسقط ادعاء أن كل شيء يمكن تبريره تحت عنوان (الأمن)، وبقي رجل يقف وحيدًا تقريبًا أمام منصة دولية، فيما الوفود تغادر، ويرفع بيده جهازًا ارتبط بالموت، ثم يطلب من العالم أن يصفق.

يا نتنياهو، تستطيع أن ترفع البيجر بيدك، لكنك لن تستطيع رفع الدم عن الأرض. تستطيع أن تضحك أمام الكاميرات، لكنك لن تستطيع أن تجعل الألم نكتة. تستطيع أن تسمي العملية إنجازًا، لكن الاسم الذي يطلقه السياسي على فعلٍ ما لا يحدد وحده حكم التاريخ والقانون عليه. وتستطيع أن تتفاخر أمام الجمعية العامة بما فعلت، لكنك لن تستطيع أن تمنع السؤال الذي سيبقى مطاردًا لكل من شارك في القرار والتنفيذ: أين تنتهي الحرب، وأين تبدأ الجريمة؟

أما البيجر الذي حمله نتنياهو إلى الأمم المتحدة، فقد يظن أنه كان رمزًا لانتصاره، لكن التاريخ قد يتذكره بطريقة مختلفة تمامًا: قطعة صغيرة في يد رجل أراد أن يعرض قوته، فإذا بها تكشف قسوة الخطاب الذي يتفاخر بالدم.

الكلمات المفتاحية
مشاركة