نقاط على الحروف
قالها لنا مرّةً من قلبه: "إنّي أحبّكم".
لم تكن جملةً يبحث بها قائدٌ عن طريقٍ إلى قلوب الناس. كان يعرف أنّه مقيمٌ فيها منذ زمن. قالها كما يقول الأب لأبنائه ما يظنّ أنّهم يعرفونه، ثمّ يخشى أن تمضي الأيام من دون أن يسمعوه بصوته.
ونحن أيضًا نحبّه.
مرّ عامان، لكنّ القلب لا يحسن عدّ الوقت منذ غاب. ما زال ذلك النهار حاضرًا كأنّه لم ينتهِ. ما زالت البيوت تنتظر أن يظهر على الشاشة، وأن يسعل قليلًا قبل أن يبدأ، وأن يرفع إصبعه حين يبلغ الكلام موضع اليقين، ثمّ يقول لنا، بهدوئه الذي كان يكفي ليهدأ وطنٌ كامل: لا تخافوا.
عامان، والخبر ما زال يصل إلينا.
ما زلنا نسأل كيف يتحوّل صوتٌ عاش معنا أكثر من ثلاثة عقود إلى ذكرى. كيف تمضي أمٌّ إلى التلفاز فلا تجده، ويعود أبٌ من عمله فلا يسأل عن موعد الخطاب، وينظر طفلٌ إلى صورة معلّقة في البيت فيفهم أنّ الرجل الذي يسمّيه أبوه "السيد" لن يعود ليكلّمهم.
لكنّنا نعرفه. كان سيمهل دمعتنا قليلًا، ثمّ يسألنا عمّا فعلناه بعدها.
لم يأتِ السيد حسن نصر الله من قصرٍ بعيد عن الناس. جاء من تعبهم. من الكرنتينا التي عرف فيها ضيق العيش، ومن البازورية التي حمل ترابها في قلبه أينما ذهب. عرف وجوه الفقراء، ويد الفلّاح، وانتظار الأمّ، والنازح الذي يحتفظ بمفتاح بيته ولو صار البيت ركامًا. لذلك لم يحتج يومًا إلى من يشرح له الناس.
حين تولّى الأمانة عام 1992 بعد استشهاد السيد عباس الموسوي، كان شابًّا يحمل أثقالًا أكبر من عمره. لم يكن أمامه وقتٌ ليتعلّم الحزن على مهل. ودّع معلّمه، ثمّ وقف حيث كان يقف، وجمع القلوب التي أراد العدوّ لاغتيال قائدها أن تتفرّق.
وقف. ولم تتفرّق.
ثمّ جاءه الامتحان إلى بيته. في أيلول 1997، ارتقى ابنه هادي. صار الأب الذي يعزّي الناس واحدًا من الآباء الذين يتلقّون العزاء. ولم يطلب لابنه منزلةً خارج صفوف رفاقه، ولم يجعل دمه أغلى من دمائهم.
حفظت رباب الحسن تفصيلًا يشبهه. قالت إنّها حين شاركت في إعداد وثائقي "حماة السيادة"، وكان الحديث يتناول العملية التي استُشهد فيها هادي، لاحظت أنّ السيد صرف معظم كلامه إلى شهداء الجيش اللبناني وعائلاتهم. كان يستطيع أن يتحدّث عن ابنه، لكنّ قلبه اتّسع في ساعة الفقد للآخرين قبل أن يتحدّث عن نفسه.
هكذا كان يحبّ الناس. يزحزح جرحه الخاصّ قليلًا كي يفسح مكانًا لجراحهم.
وفي أيار عام 2000، حين انكسر الاحتلال وخرج من معظم أرض الجنوب، وقف بين الناس لا فوقهم. أعاد النصر إلى أصحابه، كان يعرف مَن حمل ذلك الانتصار. الأمّ التي دفنت ابنها وفتحت بيتها لرفاقه. الأسير الذي انتظر خلف القضبان. المقاوم الذي مضى ولم يسأل عمّن سيذكر اسمه. والعائلة التي بقيت في القرية تحت القصف، ثمّ عادت تفتح باب بيتها بين الركام.
لم تكن كلمة "الناس" عابرةً في خطابه. كانوا ميزانه. إليهم ينسب النصر، وبصبرهم يحتمل الحصار، ومن ثباتهم يستمدّ القوّة. كان يقول "أيّها الأحبّة"، فتشعر المرأة خلف الشاشة أنّ النداء بلغ بيتها. ويقول "في خدمتكم"، فلا تبدو العبارة مجاملةً، بل وصفًا لعلاقة قائدٍ رأى نفسه واحدًا من أهله.
وفي تموز 2006، حين كانت النار تأكل البيوت والجسور، بقي صوته واحدًا من الأشياء القليلة التي لم يستطع القصف أن يهدمها. انتظره الناس بين غارةٍ وغارة، لأنّه لم يعدهم بطريقٍ سهل ولم يخفِ عنهم الألم. كان يرى الخراب كاملًا، ثمّ يرفض أن يمنحه الكلمة الأخيرة.
وحين انتهت الحرب، عاجلهم بالنداء: "يا أشرف الناس وأطهر الناس". عرف أنّ النصر الذي لا ينحني أمام جراح الناس يتحوّل إلى خطبةٍ باردة. لذلك سبق احتفاله اعترافه بتعبهم، وسبق حديثه عن الإنجاز انحناؤه أمام الذين هُدمت بيوتهم وفقدوا أحبّتهم.
وفي أيلول 2024، حين فجّر العدوّ أجهزة الاتصال وأصاب آلاف الناس، خرج إلينا مثقلًا بحرقةٍ لم يستطع أن يخفيها. كان يدّخر كلامه لذكرى طوفان الأقصى، لكنّ وجع الناس استدعاه قبل الموعد.
كانت تلك من آخر المرّات التي رأيناه فيها.
لم نكن نعرف أنّنا نحفظ تفاصيل الوداع. لم نعرف أنّ الشاشة ستنطفئ، وأنّ السماء فوق الضاحية ستثقل بالدخان، وأنّ الخبر الذي قضى عمره يهيّئنا لمواجهته سيبقى أكبر من قدرتنا على التصديق.
استُشهد السيد.
نكتبها، فترفضها اليد. نقولها، فيبحث السمع عن تصحيحٍ يأتي من مكانٍ ما. ننتظر أن يطلّ ويبدّد الخبر بنفسه، لكنّه لا يطلّ. تبقى الصورة ساكنة، ويبقى صوته في الذاكرة، وتدخل الوحشة إلى البيوت دفعةً واحدة.
لم نفقد رجلًا كنّا نراه كلّ يوم. فقدنا رجلًا كنّا نشعر أنّه يرانا كلّ يوم.
لهذا كان الحزن عليه بهذا الاتّساع. لأنّه لم يسكن المنابر وحدها. سكن تفاصيلنا، وأسماء أطفالنا، وأحاديث أمهاتنا، وذاكرة قرانا. صار جزءًا من الطريقة التي نفهم بها الخوف والقوّة والكرامة. وحين مضى، شعر كلّ واحدٍ منّا أنّ شيئًا شخصيًّا قد انتُزع منه.
يا سيّدنا، مرّ عامان ولم يصبح الغياب عاديًّا.
ما زالت أمّهات الشهداء ينظرن إلى صورتك كما لو أنّك تعرف أبناءهنّ جميعًا. وما زال أهل القرى المهدّمة يذكرون أنّك سمّيتهم أشرف الناس. وما زال الذين أحبّوك يفتّشون في كلماتك عن واجب اليوم.
ونحن نعرف أنّ الوفاء لك لا يكون بالبكاء، بل بأن نبقى كما أردتنا. أن نرعى عائلة شهيد، ونمسك بيد جريح، ونعيد حجرًا إلى بيتٍ هدمه العدوّ، ونحفظ كرامة الناس التي أحببتها، ونقول الحقّ حين يصير قوله مكلفًا.
لن نجعل صورتك ستارًا نخفي خلفه تقصيرنا. سنسأل أنفسنا كلّما ضاقت بنا الأيام: ماذا كان يريد منّا السيد الآن؟
كان يريد أن نقوم.
أن نعود إلى الناس، فهم أمانته. أن نحفظ أهلنا وبيوتنا. أن ننظر إلى اليتيم فلا يشعر أنّ أباه غاب، وإلى الجنوب فلا يكون وحيدًا. أن نحفظ فلسطين في القلب والموقف. وأن نواجه الألم بما واجهه هو دائمًا: بصيرةٌ تتبع الحق، وصبرٌ لا ينفذ، وعزمٌ يعرف طريقه.
نعم، نبكيك، لكنّنا لا ننكسر عند دمعتنا.
ونشتاق إليك، لكنّنا لا نحوّل الاشتياق إلى عجز.
وفي الذكرى الثانية، يردّد محبّوك: "إنّا على العهد". يرون في الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم حامل الأمانة والوصيّة بعدك، يكملون الطريق بجانبه، وفي قلوبهم صوتك الذي عرفوا به الطريق.
قلت لنا: "إنّي أحبّكم".
وها نحن، بعد عامين من الغياب الذي لم نتعلّمه، نردّ عليك:
ونحن نحبّك يا سيّد.
نحبّك، ولذلك سننهض كلّما ظنّ العدوّ أنّ الحزن أقعدنا.
إنّا نحبّه. وإنّ المحبّة، حين يكون المحبوب مثله، عهد.