خاص العهد
كاتب من العراق
في أحاديث خاصة لموقع "العهد" الإخباري، تطرق عدد من الكتّاب والإعلاميين والأكاديميين العراقيين إلى أبعاد وجوانب مختلفة من أدوار ومواقف وتضحيات سيد شهداء المقاومة الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني القائد الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله.
أجمع الذين تحدثوا لـ"العهد" على نقطة جوهرية مهمة، ألا وهي أن الشهيد السيد نصر الله لم يكن، في محطات ومراحل مسيرته الجهادية والسياسية كلها زعيمًا أو قائدًا لفئة أو مكون معين، لقد كان قائدًا شموليًا بكل معنى الكلمة، متبنيًا مبدأ الدفاع عن الحق والانتصار للمظلومين والمضطهدين، سواء أكانوا في لبنان أم فلسطين أم اليمن أو العراق، أم أي مكان آخر.
الشهيد القائد أمل العراقيين
يقول التدريسي، في جامعة كربلاء، الدكتور سعد صاحب الوائلي في حديثه لموقع "العهد": "إن السيد الشهيد حسن نصر الله لم يكن أمينًا عامًا لحزب الله اللبناني وحسب، لقد كانت منزلته بالنسبة إلى كثير من العراقيين أكبر من كونه قائدًا لفصيلٍ لبناني مقاوم، إذ يراه العراقيون رمزًا للمقاومة في زمن انعدمت فيه الرموز، ونافذة أمل في زمن أوُضِعت فيه النوافذ. لقد ارتبط اسمه بالوجدان العراقي بمعادلة أمل مفادها، أنه لا يزال هناك من يقف بقوة ناجزة بوجه كيان الاحتلال "الإسرائيلي" اللقيط، لا بالأقوال، بل بالأفعال والمنافحة والمكافحة الدامية".
يضيف الوائلي قائلًا: "منذ تسعينيات القرن الماضي، حينما كان الطاغية صدام حسين يحكم العراق بقبضة من الحديد والنار، كانت خطابات السيد حسن نصر الله تصل عبر أشرطة الكاسيت وقنوات فضائية كان يحظرها نظام صدام، لتقول للعراقيين المضطهدين المقهورين، أن هناك من يحمل هموم الأمة وهمومكم، والمقاومة ليست وهمًا، هي مشروع خلاص لا تحده الجغرافيات، ولا تقاوم ضد إسرائيل فقط، بل ضد الطغاة كلهم".
رمز عقائدي
يرى الصحافي محمود كاظم: "أن السيد الشهيد حسن نصر الله كان يمثل بالنسبة إلى قطاع واسع من العراقيين رمزًا عقديًا وقائدًا كبيرًا تجاوزت رمزيته الحدود اللبنانية لتلامس محطات وجدانية ومفصلية في تاريخ العراق الحديث".
يضيف في حديثه لـ"العهد"، "تتعدد الأبعاد التي تفسر مكانته وحضوره في الوجدان العراقي ومنها، الارتباط التاريخي بالحوزة العلمية؛ حيث بدأت علاقة السيد نصر الله بالعراق مبكرًا، عندما وفد إلى النجف الأشرف، في أواخر العام 1976 لإكمال دراسته الدينية، والتقى هناك بالمرجع الديني المفكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر، فتركت تلك المرحلة أثرًا فكريًا عميقًا ربطه بالساحة العراقية وعلمائها الأعلام. تمثل الارتباط الثاني بالدعم العسكري والأمني ضد تنظيم داعش. إذ يُنظر إليه بتقدير عالٍ لدوره المحوري في العام 2014 عند اجتياح تنظيم "داعش" الإرهابي لمساحات واسعة من العراق، فقد سارع بإرسال قيادات ومستشارين عسكريين من حزب الله للإسهام في تنظيم الفصائل ومساندة القوات العراقية والحشد الشعبي في معارك التحرير".
الأمر الثالث تمثل بـ"مناهضة الاحتلال الأميركي، إذ حظيت مواقفه المعلنة بعد العام 2003 الرافضة للوجود الأميركي في العراق بتأييد كبير من القوى العراقية المناهضة للاحتلال، حين كان يدعو باستمرار لدعم سيادة العراق واستقلاله".
قائد حمل أوجاع العراقيين وتضحياتهم
إلى ذلك، يقول عضو المكتب السياسي لحزب اقتدار وطن علي العطواني، في حديثه لموقع "العهد"، "بالنسبة إلينا نحن العراقيين، كان الشهيد السيد حسن نصر الله أكثر من قائدٍ للمقاومة؛ إنه كان صوتًا يشبه أصواتنا، ويحمل شيئًا من أوجاعنا وتضحياتنا. العراقيون الذين قدّموا أبناءهم ودماءهم في مواجهة الإرهاب، ووقفوا سنواتٍ طويلة دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم، وجدوا في مواقفه صدىً لتلك التضحيات ومعنىً للصمود والثبات".
يضيف العطواني: "لذلك فإن ذكراه بالنسبة إلى العراقيين ليست ذكرى قائدٍ رحل فحسب، هي ذكرى رجلٍ ارتبط اسمه بمرحلةٍ عاشت فيها المنطقة واحدةً من أقسى معاركها، وبقي حاضرًا في وجدان من يؤمنون بأن الدم الذي يُبذل دفاعًا عن الأرض والكرامة لا يذهب سدى. رحم الله شهداء العراق وشهداء المقاومة، وفي مقدمتهم سيد شهداء المقاومة القائد السيد حسن نصر الله".
شمولية شخصية السيد الشهيد
من جانبه، يشير الكاتب والباحث الأكاديمي الدكتور صلاح الأركوازي، وهو يتحدث لموقع "العهد"، إلى: "أن المجتمعات البشرية تتحرك عادةً بين قوتين، قوة الأيديولوجيا والفكرة، والتي ترسم المبادئ وتمنح المشروعية وقوة الحركة والتنفيذ التي تدير الميدان وتصنع القرار السياسي. في التاريخ المعاصر، نادرًا ما التقت هاتان القوتان في شخصية واحدة؛ إذ غالبًا ما ينفصل المفكر أو المرجع الديني عن القائد الميداني والسياسي، وكما هو معلوم أن القامات والرجالات عند الشعوب كلها، ومنهم العراقيون، تمثل رقمًا صعبًا لا يتكرر بسهولة. السيد أبو هادي -رضوان الله عليه- كان واحدًا من تلك القامات والأرقام الصعبة، والذي استطاع فرض نفسه وبقوة على الساحة والواقع العراقي، فنظر إليه الشعب العراقي نظرة احترام وتقدير، فهذا الرجل ما قال شيئًا إلا وقد فعله".
يضيف الأركوازي قائلً:ا "ونحن نعيش في زمن وعصر قلت فيه الرجال والقامات، فقد قدم السيد نصر الله نجله شهيدًا، ولم يكتَفِ حتى منّ الله -عز وجل- عليه بالشهادة في مثل هذه الأيام قبل عامين، بعد مسيرة دامت عشرات السنين في سباق مع الشهادة وقد نالها".
مدرسة في الإيثار والصمود
أما الباحث في الشأن السياسي الدكتور ماجد الشويلي، فيؤكد في حديثه لموقع "العهد": "أن سماحة الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله، يمثل للشعب العراقي، كما لبقية الشعوب الحرة في هذا العالم، رمزية سامية، اختزلت في ثنايا جهادها المرير ضد الاستكبار العالمي كل معاني الخير وقيم السماء العظيمة". يصف الشويلي الشهيد القائد نصر الله بأنه: "مدرسة في الإيثار والصمود والجهاد والكفاح في سبيل رفع راية الإسلام وإعلاء كلمته"، مشيرًا إلى: "أن هذا الشهيد العظيم سيظل مستحوذًا على مكانة مرموقة ومتجذرة في وجدان شعبنا العراقي العزيز، تنشأ وتتربى عليها الأجيال، وتتوالى عليها براعمنا وفلذات ألبابنا حتى الظهور المقدس أرواحنا لتراب مقدم صاحبه الفداء".
أنموذج فريد للمقاومة والصمود
لا يذهب رئيس تحرير وكالة كنوز ميديا الإخبارية عدنان فرج الساعدي بعيدًا؛ حينما يقول إنه: "مما لا شك فيه لدي أن السيد الشهيد حسن نصر الله - قدست روحه الطاهرة- بالنسبة إلى الكثير من العراقيين ليس مجرد قائد لبناني، هو رمز وأنموذج فريد للمقاومة والصمود في مواجهة قوى الاحتلال والطغيان، وهو شخصية ارتبط اسمها بقضايا المنطقة ومواقفها إزاء العراق وشعوبها كلها".
لذلك-والكلام للساعدي متحدثًا لـ"العهد"- تحضر ذكراه عند العراقيين بوصفها ذكرى قائد ترك أثرًا كبيرًا في الوعي السياسي والشعبي العربي، وترجم شعاراته ومواقفه النظرية كلها إلى واقع عملي على الأرض، وكان في مقدمة المقاتلين والمضحين، متصدرًا صفوف الدفاع عن عزة وكرامة وحرمات ومقدسات الأمة في كل مكان، وفي كل موضع، وفي كل موقف"