اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي عشائر العراق: المجاهدون والأحرار يستنيرون بطريق السيد نصر الله

خاص العهد

  باحث سياسي ليبي لـ
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

باحث سياسي ليبي لـ"العهد" : السيد نصر الله ترك للأجيال مدرسة في الجهاد والصبر 

127

بعد عامين على استشهاد الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، لم يستطع الغياب أن ينتزع القائد من ميدان المقاومة أو من وجدان الأمة. فالسيد الذي ارتقى شهيدًا في أوج المواجهة، ترك وراءه نهجًا وفكرًا وتجربةً تحولت إلى جزء من ذاكرة المقاومة ووعي أجيالها، فيما تواصل الميادين التي أحبها حمل الأثر الذي خلّفه، من لبنان إلى فلسطين واليمن وسائر ساحات المواجهة.

وفي قراءة لهذا الحضور الممتد، يؤكد الكاتب والباحث السياسي الليبي صالح الكميشي لموقع العهد الإخباري أن مرور عام على استشهاد السيد نصر الله لا يعني أن غيابه أصبح أمرًا مألوفًا، بل إن صورته تبدو أكثر حضورًا كلما اتسعت المواجهة، وكلما احتاجت الأمة إلى نموذج في الثبات والبصيرة والشجاعة.

عام على الاستشهاد.. والقائد حاضر
يرى الكميشي أن ما يحققه المقاومون في الميدان، من صمود وقدرة على التحمل وابتكار في الوسائل والتكتيكات، يكتب فصلًا جديدًا في التاريخ العسكري، ويؤكد أن المقاومة لم تكن يومًا رهينة حضور فرد، مهما كان حجم هذا القائد ومكانته.

من صناعة الأمل إلى صناعة النصر

ويستعيد الكميشي واحدة من أبرز ما إنجازات السيد نصر الله، وهي أنه أعاد إلى الأمة الإيمان بإمكان المقاومة وقدرتها على تحقيق النصر، بعدما ترسخت لدى كثيرين صورة العجز والاستسلام أمام التفوق الصهيو-أميركي.

ويقول إن المعجزة الأولى التي صنعها السيد تمثلت في "الأمل بإمكانية المقاومة على تحقيق النصر"، ولا سيما بعد تجربة عام 2006، حين تمكنت المقاومة من تثبيت معادلة جديدة في مواجهة العدو الصهيوني، وأثبتت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة امتلاك إرادة الانتصار.

و يستحضر الكميشي مرحلة كان فيها جزء كبير من النظام العربي الرسمي قد وصل إلى حالة من الاستسلام، فيما كان الحديث عن مواجهة الاحتلال يبدو للكثيرين ضربًا من المستحيل. ويستذكر مواقف الرئيس اللبناني السابق إميل لحود، بوصفها نموذجًا لرفض هذا المسار، قبل أن تأتي تجربة المقاومة بقيادة السيد نصر الله لتمنح هذا الرفض قوةً ميدانيةً وتحوّله إلى فعل قادر على تغيير المعادلات.

السيد نصر الله.. تجسيدٌ للقائد في الفكر والميدان

ويوضح الكميشي أن شخصية السيد نصر الله جمعت بين صفات القائد السياسي والبصيرة الميدانية، فكان صادقًا في مواقفه، عميقًا في قراءته، حكيمًا في خياراته، وشجاعًا عندما يحين وقت المواجهة.

ويصفه بأنه كان تجسيدًا حيًا لأمير المؤمنين علي "ع" في ما جمعه من حكمة وشجاعة وإقدام، مؤكدًا أن هذه الصفات لم تكن شعارات تُقال في المناسبات، بل سلوكًا عاشه السيد في السياسة والمقاومة وفي علاقته بالمجاهدين وبالأمة.

ومن هنا، لا يختصر الكميشي إرث السيد في الانتصارات العسكرية التي تحققت في عهده، بل يراه إرثًا فكريًا وأخلاقيًا وإنسانيًا، أعاد من خلاله تعريف معنى القيادة في زمن الهزائم، وربط المسؤولية بالتضحية، والقوة بالبصيرة، والانتصار بالصبر وطول النفس.

منارة للأحرار والمستضعفين

ويؤكد الكميشي أن السيد نصر الله لم يكن قائدًا لبنانيًا فحسب، بل تحوّل إلى منارة لكل حر ومظلوم ومستضعف، وإلى نموذج يتجاوز الحدود والجغرافيا والطوائف علّم أجيالًا من المقاومين أن الطريق إلى التحرير لا يُعبّد بالأمنيات، وإنما بالصبر والإرادة والوعي وحسن قراءة الميدان.

 كما أثبت أن المقاومة ليست مجرد رد فعل على الاحتلال، بل مشروع متكامل قادر على بناء وعي جديد، وعلى فتح الطريق أمام تحولات أوسع في المنطقة والعالم وحوّل المقاومة إلى مشروع يتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع الاحتلال، لتصبح جزءًا من صراع أوسع ضد منظومة الهيمنة والاستغلال التي تريد إبقاء شعوب المنطقة في موقع التابع والعاجز.

المقاومة في مواجهة المشروع الصهيو-أميركي

ويلفت إلى أن ما يجري اليوم لم يعد مواجهة محصورة بين طرفين، بل معركة واسعة تتصل بمشروع سياسي وعسكري وثقافي واقتصادي يسعى إلى إخضاع المنطقة وإعادة تشكيلها بما يخدم المصالح الصهيو-أميركية.

وفي مواجهة هذا المشروع، يبرز دور المقاومة بوصفها قوةً قادرة على كسر الصورة التي حاول الاحتلال وحلفاؤه تكريسها عن أنفسهم كقوة لا تُهزم. وقد أسهمت المواجهات المتتالية، بحسب الكميشي، في كشف نقاط الضعف داخل كيان العدو، وفي إظهار حجم الاعتماد على الدعم الأميركي والغربي.

كما أن صمود المقاومين وتطور قدراتهم، إلى جانب ما يراه من إبداع تقني وتكتيكي في ساحات القتال، أظهر أن المواجهة لم تعد تسير وفق القواعد التي أرادها العدو وحده، وأن المقاومة قادرة على تطوير أدواتها وأساليبها بما يتلاءم مع طبيعة المعركة.

إيران.. سندٌ استراتيجي للمقاومة

ويتوقف الكميشي عند الدور الإيراني في دعم المقاومة، معتبرًا أن إيران تمثل رأسًا أساسيًا في منظومة المقاومة، وأنها لم تحصر دعمها في الجانب العسكري، بل شمل مجالات ثقافية وعلمية وهندسية وتقنية وعسكرية، إلى جانب تحملها كلفة كبيرة في مواجهة الضغوط والحصار والتهديدات.

ويرى أن هذا الدعم أسهم في بناء بيئة قادرة على الاستمرار والصمود، وأن المعركة التي تخوضها المقاومة ليست منفصلة عن صراع أوسع حول استقلال القرار والسيادة وحق الشعوب في اختيار طريقها بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.

من صنعاء إلى غزة وجنوب لبنان.. جبهة واحدة

ويستحضر في ذكرى استشهاد السيد نصر الله شهداء معركة طوفان الأقصى وشهداء مختلف جبهات المقاومة، من صنعاء إلى غزة وجنوب لبنان، معتبرًا أن دماء هؤلاء الشهداء تلتقي في قضية واحدة، وأن تضحياتهم تؤكد وحدة المعركة في مواجهة الاحتلال ومشروع الهيمنة.

ويوجه  الكميشي تحية إلى المجاهدين الذين يواصلون الوقوف في الميدان، وإلى كل من يواجه ويصبر ويقدم التضحيات، كما يحيي الإعلام المقاوم الذي يواكب هذه المعركة ويحاول نقل حقيقتها في مواجهة منظومة إعلامية ضخمة تسعى إلى تشويه الوقائع وقلب الحقائق.

ويؤكد أن المعركة الإعلامية ليست هامشية، بل هي جزء من المواجهة نفسها، لأن ما يجري على الأرض لا يكتمل أثره ما لم يصل إلى وعي الناس، وما لم تُكسر الرواية التي حاول الاحتلال وحلفاؤه فرضها على العالم.

الاستشهاد.. استمرارٌ لا نهاية

ويشدد الباحث السياسي الليبي أن استشهاد السيد نصر الله لا يُقرأ باعتباره نهاية لمسيرة قائد، بل محطة جديدة في مسار المقاومة. فالشهادة، لم تطوِ تجربة السيد نصر الله، بل منحتها بعدًا أوسع، وحوّلت القائد إلى رمز تتناقله الأجيال وتستعيده في كل محطة من محطات المواجهة.

ويقول إن الشهداء لا يتركون فراغًا بقدر ما يتركون نموذجًا، وإن قيمة السيد نصر الله تكمن أيضًا في أنه ترك للأجيال مدرسة في الجهاد والصبر والثبات والإصرار، مدرسة لا تتوقف عند شخصه، وإنما تستمر في كل مقاوم يحمل القضية نفسها ويواصل الطريق.

ويرى الكميشي أن ما تركه السيد نصر الله لا ينفصل عن المسار الأوسع للمقاومة، التي أعادت قراءة الإسلام من موقع الفعل والتحرر، وميّزت بين الإسلام الذي يحمل قيم العزة والكرامة والوقوف إلى جانب المظلوم، وبين القراءات التي تُستخدم لتبرير الخضوع والانقسام والتضليل.

ومن هنا، فإن ذكرى السيد نصر الله -بحسب الكميشي- ليست مناسبة لاستعادة الماضي فحسب، بل مناسبة لاستحضار مشروعه في الحاضر: مشروع المقاومة، ووحدة الأمة، ورفض الهيمنة، والتمسك بفلسطين، والإيمان بأن طريق التحرر مهما طال لا بد أن يجد من يسلكه.

وفي ختام حديثه، يوجه الكميشي تحيته إلى السيد نصر الله وإلى جميع شهداء المقاومة، مؤكدًا أن دماءهم لم تذهب سدى، وأن الطريق الذي عبدوه بتضحياتهم سيظل مفتوحًا أمام الأجيال، ما دام في الأمة من يؤمن بأن الكرامة لا تُمنح، وأن الحرية لا تُستجدى، وأن فلسطين تستحق أن تُبذل في سبيلها الأرواح.

الكلمات المفتاحية
مشاركة