اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

مقالات مختارة

وثيقة مجلس الأمن القومي لترامب: هيئة لبنانية بإشراف دولي للإعمار خلال 5 سنوات
مقالات مختارة

وثيقة مجلس الأمن القومي لترامب: هيئة لبنانية بإشراف دولي للإعمار خلال 5 سنوات

65

إبراهيم الأمين - صحيفة الأخبار
منذ تسلّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحكم في واشنطن، وبدء الفرق السياسية القريبة منه العمل على ملفات الشرق الأوسط، تبلور في دوائر الاستخبارات والدبلوماسية الأميركية انطباع بأن الملف اللبناني بات أكثر قابلية للحسم، وأن المهمة المتعلقة بحزب الله لم تعد مُعقّدة، وأن "إسرائيل" ستكون قادرة على إنجاز ما تبقّى منها خلال وقت قصير. وبالتوازي، انتقل التركيز دفعة واحدة إلى العمل على بناء سلطة موالية تماماً في بيروت، وتنطلق في خطة تهدف أساساً إلى إكمال مهمة القضاء على حزب الله.

وخلال نحو 15 شهراً، أُعدّت أوراق كثيرة حول الوضع اللبناني، وحُفظت في صورة وثائق (بعضها صُنّف سرياً، وبعضها الآخر محدود التداول، فيما مُنع تداول قسم ثالث خارج مجلس الأمن القومي). لكن تعدّد هذه الأوراق كشف لاحقاً أن المشكلة لم تكن في كثرة الموفدين والمتدخّلين في الملف فحسب، بل أيضاً في تضارب المرجعيات. واستمر هذا التباين رغم التغيير الكبير الذي طرأ على تركيبة مجلس الأمن القومي، بعد إقالة ترامب مستشار الأمن القومي مايك والتز في أيار 2025، وتكليف وزير خارجيته ماركو روبيو بالمهمة.

وبات روبيو ثاني شخصية أميركية تجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، بعد هنري كيسنجر الذي جمع المنصبين رسمياً بين عامَي 1973 و1975. وقد بُرّر ذلك في حينه بوجود تحدّيات كبرى، أبرزها التعامل مع تداعيات حرب أكتوبر 1973، وإطلاق الولايات المتحدة ما عُرف آنذاك بـ«استراتيجية الانفتاح» على الاتحاد السوفياتي والصين.

وتُظهِر الوثائق والأوراق وجود تباين واضح في النظرة إلى الملف اللبناني، ولا سيما بين الشخصيات والوفود التي زارت لبنان. ولا يقتصر هذا التباين على الدبلوماسيين، بل يمتد إلى العاملين في مقر القيادة العسكرية الوسطى (سنتكوم)، وأن الانحياز الواضح إلى جانب "إسرائيل" لا يبدو بالحدّة نفسها لدى جميع العاملين على الملف كلّما تقدّم البحث في تفاصيله. فبين هؤلاء من يرى أن سقف الأهداف "الإسرائيلية" يعقّد مهمة الوصول إلى حل دائم في لبنان، وأن قدرة واشنطن على استمالة السلطة في بيروت تتضرر بفعل بعض السياسات "الإسرائيلية". ومع ذلك، ظلّ الجميع يتنافسون في عرض الأفكار والتصوّرات التي تركّز على الهدف نفسه: كيف نتخلص من حزب الله؟

في الجزء الثاني من وثيقة مجلس الأمن القومي المرفوعة إلى الرئيس ترامب، يظهر مستوى أعلى من التدقيق في تشخيص الوضع وقراءة الوقائع على الأرض. والجديد هنا أن داخل الإدارة الأميركية من بات أكثر اقتناعاً بأن الخيارات العسكرية وحدها لم تعد كافية لمعالجة مشكلات المنطقة، وأن ثمة حاجة إلى البحث عن أدوات أخرى، مع تركيز على أن إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة القوية، تتطلب خطوات جوهرية، وإن كان الميل دائماً نحو فرضية أن الجمهور اللصيق بالمقاومة أو الداعم لحزب الله، هو مجموعة من المتنفّعين والمرتزقة الذين يمكن شراء ولائهم من خلال خدمات أفضل من تلك التي يقدّمها الحزب عبر شبكته السياسية والاجتماعية، بما فيها أدوار الحماية التي يؤديها في مواجهة "إسرائيل" أو الخصوم.

انسحاب "إسرائيل" بالتزامن مع انتشار الجيش تمهيداً لاتفاق سلام

ركائز برنامج إعادة بناء الدولة
يجب أن يكون البرنامج مشروعاً ضخماً واسع النطاق، لأن النظام الذي يُفترض أن يحلّ محله يقوم على بنية كبيرة ومتشعّبة. فأي حزمة مساعدات محدودة من المانحين محكوم عليها بالفشل، كما سيفشل أي مُقترح سلام تقليدي، أو خطاب عام عن السيادة، أو اجتماع رمزي. وينبغي أن يقوم البرنامج على خمس ركائز:

الركيزة الأولى: إطار السلام والسيادة مع "إسرائيل"
والتسلسل هنا يكتسب أهمية، لجهة، تثبيت وقف إطلاق النار ووقف جميع الهجمات، ثم حصول انسحاب "إسرائيلي" كامل وضمانات لأمن الحدود، والانتقال إلى تفعيل قناة تدفّق إعادة الإعمار بالتزامن مع استعادة سلطة الدولة الحصرية على كامل الأراضي اللبنانية، وإقامة ترتيبات أمنية منظّمة مع آلية وتدابير لبناء الثقة. وينبغي أن يكون التفاوض على إطار السلام والتصديق الدستوري عليه بموجب المادتين 52 و65 من الدستور اللبناني. كما يجب تقديم أي إطار سلام باعتباره عملية دولية تنفيذية، وليس مبادرة شخصية، وهذا يوجب دوراً لرئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ومجلس الوزراء، ومجلس النواب حيثما يقتضي الدستور ذلك
ويجب أن يقلّل مسار القيود القانونية الموازي، من قدرة النواة العسكرية والأمنية المتبقية على تمويل، أو تسليح، أو ترهيب، أو تخريب عملية إعادة بناء الدولة. انظر المُلحق المُقيد (د).

الركيزة الثانية: ميثاق إعادة الإعمار الدولي
إن رقم 40 مليار دولار ليس تقديراً لأضرار الحرب الحالية، بل هو برنامج استراتيجي لإعادة بناء الدولة، ويكفي لتغطية عملية إعادة الإعمار السابقة والحالية، وقدرات الجيش اللبناني، واستقرار المودعين، والحوكمة الرقمية، والتعافي البلدي، وإعادة البناء السياسي للدولة.

أمّا بالنسبة إلى بنية التمويل، فيكون من خلال إطار فيه مجموعة من المانحين، وإنفاق على مراحل العمل والتنفيذ ربطاً بمؤشرات الإصلاح، مع إضافة بنود واضحة تمنع الاستحواذ على الأموال، والتأكيد بأنها ليست مساعدات، بل هي أداة استراتيجية لإعادة بناء الدولة، وهي مُصمّمة لاستعادة الثقة، وإعادة بناء المؤسسات، وتحويل الحوافز نحو بناء الدولة اللبنانية.
أمّا لجهة الدوافع المُفترضة للدول المانحة، فهناك لكل مساهم المبرّر الاستراتيجي المتميّز. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يُعدّ المشروع إنجازاً دبلوماسياً يمكن للرئيس الاحتفاء به، وهو يهدف أصلاً إلى إضعاف وكلاء إيرانيين، ويساعد على إنتاج تسوية دائمة للأمن في شمال "إسرائيل"؛ وإظهار مهارة الإدارة السياسية بدلاً من التصعيد العسكري.

أما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، ومعها دول الخليج، فإن المُحفِّز الأساسي مرتبط أيضاً ببرنامج إضعاف البنية الإقليمية لإيران، وتحقيق الاستقرار في بلاد الشام، ومنع قيام دولة فاشلة على البحر الأبيض المتوسط تتحوّل إلى مصدر لعدم الاستقرار. وهي عملية يمكن إدراجها ضمن هدف التطبيع الأوسع بين السعودية و"إسرائيل".

بالنسبة إلى فرنسا، تمثّل استعادة سيادة المؤسسات للدولة اللبنانية مصلحة استراتيجية فرنسية منذ عهد الانتداب، إلى جانب دور البرنامج في معالجة ملف الهجرة، وإظهار أهمية دور أوروبا في الشرق الأوسط، كلاعب يقف إلى جانب الولايات المتحدة وليس تابعاً لها. وهو الأمر نفسه بالنسبة إلى دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً لجهة ملف الهجرة (يستضيف لبنان أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري) ومكافحة الإرهاب؛ وإظهار أن إعادة الإعمار يمكن أن تكون مشروطة بإصلاح الحوكمة.

أمّا في ما خصّ المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، فإن البرنامج يمثّل أكبر فرصة لإعادة بناء الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. وفرصة لإثبات أن إعادة الإعمار المشروطة، تُنتِج تحوّلاً مؤسسياً لا تبعية. بينما يوفّر البرنامج للمساهمين الآخرين، مثل اليابان، كوريا، كندا وغيرها، حضوراً بارزاً في الملف، والانخراط في نظام دولي قائم على قواعد، مع خبرة قطاعية في الحوكمة الرقمية، والبنية التحتية، والإصلاح المؤسسي.

الركيزة الثالثة: مسار المودعين والملاءة الوطنية
يجب أن يكون هناك تدقيق جنائي كامل ومستقل لمصرف لبنان وبقية المصارف التجارية، وتحديد الالتزامات المترتّبة على الدولة، وأن تتولى التدقيق مؤسسة ذات مصداقية دولية، ووفق شروط يكون صندوق النقد هو مرجعها، والوصول إلى صيغة لتوزيع الخسائر بموجب تشريع قانوني (يصدر عن مجلس النواب) مع وضع حدّ أدنى لحماية صغار ومتوسطي المودعين. وبالتوازي يجب العمل على تعزيز مصداقية الميزانية العامة للدولة، وتحديد دقيق لحجم احتياطي لبنان من الذهب، بهدف استخدامه كقاعدة للثقة، وليس كأصل يُباع، أو يُرهن، أو يُؤجّر، أو يُنقل، أو يُثقل بالأعباء، وهو أمر لا يتم إلا عبر تفويض صريح من مجلس النواب.

وأن يكون العمل قائماً على حفظ مصلحة المودعين قبل أي جهة أخرى. على أن يتم تنسيق كل ذلك بالتوافق مع صندوق النقد الدولي، ومنظّماً بطريقة تمنع أي عملية تخريب سياسية للمشروع، على أن تستغرق العملية من 6 إلى 12 شهراً للتدقيق والتشريع؛ وبدء استرداد أموال المودعين خلال السنة الأولى؛ مع برنامج للتعافي على مراحل ضمن مدى بين 2 و5 سنوات، وتكون استعادة الملاءة الكاملة، ضمن برنامج يمتد لخمس سنوات.

الركيزة الرابعة: الحكومة الإلكترونية الإلزامية
انطلاقاً من قاعدة أنه لا أموال من دون شفافية رقمية، فإن البرنامج سيتحوّل إلى العمود الفقري لمكافحة الفساد، بحيث يكون كل دولار قابلاً للتتبّع، وكل مستفيد يتم التحقق منه، وكل عقد معروض بشفافية من دون الحاجة إلى وسطاء. وستتولى تنفيذ البرنامج مؤسسة اسمها «هيئة إعادة بناء الدولة اللبنانية» (LSRA)، يقودها لبنانيون، وتُنشأ بموجب قانون، وتخضع لتدقيق دولي، وتعمل تحت إشراف المانحين، وتعتمد الإدارة الرقمية بصورة إلزامية، وتكون قادرة على توفير المدفوعات مباشرة للمستفيدين، ومحمية بنيوياً من أي محاولة للاستحواذ الحزبي أو الوزاري. ويجب ألّا يتم التعامل مع الهيئة (LSRA) على أنها سلطة وصاية أجنبية على لبنان؛ بل يجب أن تكون لبنانية في القانون والقيادة، ودولية في التدقيق والشفافية، وموجّهة نحو المواطن في التقديم والخدمات.

وسيكون لهيئة إعادة بناء الدولة اللبنانية (LSRA) مجلس إدارة يعيّنه رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بمشاركة تحالف المانحين الدوليين (لا توجد سلطة تعيين منفردة لحزب واحد أو لوزارة واحدة). وتكون هناك لجنة تدقيق مستقلة بعضوية دولية دورية. وتكون قرارات الصرف بيد الهيئة وليس بيد الوزارات المعنية. على أن تكون جميع المشتريات قائمة عبر منصة رقمية مع لوحات بيانات عامة، وقدرة على التحقق الفوري من جانب المواطنين لهوية المستفيد، مع توفير آلية للطعن، على أن تكون مستقلة عن الإدارة السياسية. وترفع الهيئة تقاريرها في وقت واحد إلى مجلس الوزراء اللبناني وإلى آلية الإشراف الدولية؛ وهي وسيلة تمنع أي سيطرة أو تأثير خاص لجهات محلية أو دورٍ موازٍ للأطراف الخارجية.

الركيزة الخامسة: ضمانة الطائفة الشيعية أولاً
يجب أن يكون واضحاً، أن أول من يجب أن يستفيد هم أعضاء المجتمع الأكثر تضرراً، وهو خيار لا يجب تفسيره على أنه تمييز طائفي، بل هو تثبيت للاستقرار في مرحلة النزاع. يجب أن يكون أبناء الجنوب هم المستفيد الأول، باعتباره مركز الصفقة الأمنية، ولكن يجب أن يكون البرنامج وطنياً في نطاقه، حتى لا تقرأ أي طائفة إعادة بناء الدولة كإعادة توزيع طائفي. والرسالة التي يريد البرنامج أيضاً إيصالها إلى أبناء الجنوب هي أن «الدولة اللبنانية لا تأتي لمعاقبة الجنوب، بل هي تعود إلى بيتها عبر الجنوب».

الجدول الزمني: سنتان للتنفيذ
يجب أن تسير إعادة بناء الدولة ونزع السلاح التدريجي بالتوازي الأفقي وليس الترتيب العَمودي، وفق جدول زمني صارم للتنفيذ مدته سنتان مع آفاق لترسيخ النتائج خلال خمس سنوات، تماشياً مع ولاية رئاسية أميركية واحدة، وإنتاج حقائق غير قابلة للتخريب على الأرض قبل إغلاق النوافذ السياسية.

المرحلة الأولى: التنفيذ (الأشهر 0 - 12)
تثبيت وقف إطلاق النار. إنشاء هيئة إعادة بناء الدولة اللبنانية (LSRA) بموجب قانون وبدء عملها. ظهور أول مشاريع إعادة الإعمار في الجنوب في غضون 90 يوماً. انتشار الجيش اللبناني في المناطق الأولية مع بدء الانسحاب "الإسرائيلي". إطلاق التدقيق الخاص بالمودعين. تشغيل منصة الحكومة الإلكترونية لتتبّع إعادة الإعمار. إعداد برامج تعويضات السكن الطارئة والعودة. بدء إعادة البناء البلدي. يجب أن تثبت هذه المرحلة أن الدولة حقيقية ومباشرة. وبحلول الشهر 12، يجب أن يكون البرنامج أنتج تغييراً مرئياً كافياً يجعل السردية المضادة لحزب الله («الأموال لن تأتي أبداً») باطلة عملياً.

المرحلة الثانية: تثبيت المؤسسات (الأشهر 12 - 24)
تكون عملية إعادة إعمار البنية التحتية الكبرى جارية في جميع أنحاء الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، مع أولوية للمؤسسات الحكومية، بالتزامن مع تسريع بناء قدرات الجيش اللبناني عبر تسليم المعدّات، وتفعيل التدريب ونشاط مراقبة الحدود، وإصدار تشريع لاسترداد أموال المودعين وبدء الدفع لهم. بينما يتم توسيع دائرة سلطة الدولة الحصرية إلى مناطق كانت خارج السيطرة الفعلية للحكومة سابقاً. فيما يتقدّم الإطار الأمني مع إسرائيل. وبحلول الشهر 24، تكون البنية المؤسسية عميقة لدرجة تجعل التراجع عنها مستحيلاً سياسياً وبنيوياً.

المرحلة الثالثة: ترسيخ الوضع الجديد (السنوات 2 - 5)
استعادة الملاءة الكاملة للمودعين التي تسير على السكة الصحيحة، بينما تقترب عملية إعادة إعمار البنية التحتية في مرحلة الاكتمال. ويكون الجيش اللبناني بكامل قدرته على الانتشار، مع تقدّم في المفاوضات من أجل عقد اتفاق سلام يكون حاضراً للمصادقة عليه دستورياً. ويجري هنا، نقل عمل هيئة إعادة بناء الدولة اللبنانية (LSRA) إلى مؤسسات حَوكمة وطنية دائمة.
تتداخل المراحل، وسلاح البرنامج هو السرعة في التنفيذ، وكل أسبوع من التنفيذ المرئي يُضعِف سردية حزب الله، بينما يقوّي سرديته كل أسبوع من التأخير.

منطق استراتيجي للبرنامج
يقوم الادعاء المركزي لمشروع حزب الله على أنه يحمي لبنان، ولا سيما الجنوب. ويفترض أن يكون العرض المقابل من الدولة هو أن يقال للحزب: حسناً، اقبلْ بإطار عمل يحمي الجنوب، ويعيد إعماره، ويعوّض أهله، ويقوّي الجيش اللبناني، ويستعيد السيادة، وينهي الهجمات "الإسرائيلية"، ما يعني عملياً أن الهدف ليس نزع السلاح الفوري، بل فصل مصلحة الطائفة الشيعية عن المصلحة العسكرية لحزب الله، وفصل إعادة الإعمار عن سيطرة الحزب، وفصل الكرامة عن الحرب الدائمة؛ وفصل الحماية عن التبعية للميليشيا، وفصل مستقبل لبنان عن الاستراتيجية الإقليمية لإيران.

المعارضة متوقعة من بري و«متشدّدي» حزب الله والقادة التقليديين وأصحاب المصارف، وإقامة حكومة رقمية إلزامية يمنع الاستحواذ السياسي على الأموال


الهدف الاستراتيجي الأعمق هو أن نقلب سردية المشروع المسلح نفسه، بحيث يصبح اعتراضه على المبادرة تقويضاً ذاتياً لنفسه. وإذا تمّت هيكلة البرنامج بشكل صحيح، سيواجه المشروع المسلح معضلة عنوانها: قبول إطار العمل، والدخول في عملية تقودها الدولة وتذويب تبعية البيئة له تدريجياً. ذلك أن رفض الحزب لإطار العمل، ستكون له تداعياته، وستكون كلفة مواجهة المشروع عليه كبيرة جداً، كونه سيعمل على تعطيل إعادة الإعمار، وإلغاء الضمانات الأمنية، ومنع استرداد أموال المودعين، وعودة الدولة إلى المواطنين الذين هم في أمسّ الحاجة إليها.

سيناريوهات تصدع بيئة حزب الله
السؤال اليوم ليس «هل سيقبل حزب الله أم سيرفض؟»، بل كيف ستتفاعل طبقات بيئته المختلفة مع هذا البرنامج، وكيف يمكن للدولة أن تعجّل الدولة في تصدع هذه المنظومة؟
بالنسبة إلى هذه الطبقات، سيجد المجتمع المنهك والطبقة الوسطى والفاعلون المحليون أنفسهم في موقع المراقبة، لقياس مدى جدية البرنامج، وما إذا كان تنفيذه ملموساً وسريعاً وذا صدقية. لذلك، يفترض أن تكون المشاريع الأولى لإعادة الإعمار مرئية في الجنوب خلال 90 يوماً. فالسرعة في التنفيذ هي أداة التصدع في المنظومة، فيما يمكن لنظام إنفاق رقمي يصل مباشرة إلى المستفيد، من دون وسيط أو قناة حزبية، أن يشكل الآلية الأقوى على الإطلاق.

في ما خص شبكة الخدمات الاجتماعية، فمن المتوقع أن نواجه مقاومة أولية، يليها اندماج براغماتي إذا قدمت الدولة شروطاً أفضل. ويمكن أن يتم استيعاب هذه الشبكات ضمن إطار وطني للخدمات يتضمن الاعتماد، والتمويل الشفاف، والرواتب التنافسية، بما يجعل الانتقال عملية دمج مؤسسي لا إقصاءً اجتماعياً.

أما الكتلة السياسية، فيُرجّح أن تحاول الاستحواذ على الموارد واحتواء البرنامج من داخله. والرد على ذلك، يكون عبر حكومة إلكترونية إلزامية وآليات تدقيق ورقابة مستقلة، بما يجعل حركة الأموال قابلة للتتبع، وأي محاولة للاستحواذ عليها أكثر وضوحاً أمام الرأي العام وقابلة للمساءلة. لذلك، ينبغي تصميم البرنامج منذ البداية على نحو يمنع الاستحواذ السياسي.
وتبقى فئة المتشددين داخل حزب الله ومنظومته، إذ يتوقع أن تعمد النواة العسكرية والأمنية المرتبطة إلى تخريب البرنامج عبر الاستفزاز والترهيب، وسط حرب سرديات، وربما تلجأ إلى العنف. لكن يجب أن يكون واضحاً أن هذه الطبقة ليست هدفاً للإقناع، بل المطلوب احتواؤها.

من يعارض البرنامج وكيف نفصل بين الجناحين العسكري والسياسي للحزب؟
يُتوقع أن يواجه البرنامج معارضة من لاعبين لبنانيين غير حزب الله يستفيدون من استمرار الوضع القائم. وفي مقدّم هؤلاء، رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي قد يرى في البرنامج تهديداً لدوره كحارس للشيعة في الدولة. ومن هنا، يُفترض أن يتركز الجهد على تحييد هذا الاعتراض، واللجوء إلى الآليات الدستورية، ولا سيما المادتان 52 و65، سيحرم بري من امتلاك حق الفيتو.

كذلك، يُتوقع أن تعارض الطبقة السياسية التقليدية البرنامج، ولا سيما أن اعتماد الحكومة الإلكترونية الإلزامية وإنشاء هيئة إعادة بناء الدولة اللبنانية (LSRA) سيضعفان شبكات الزبائنية والرعاية التي تستفيد منها هذه الطبقة. كما يتوقع أن يقاوم القطاع المصرفي بدوره المسار المتعلق بأموال المودعين، لأنه يفرض تقاسم الأعباء. ويمكن العمل لتشريع قانون بالتوافق مع صندوق النقد الدولي، بحيث نحصل على تعاون المصارف التي تنجو من عملية الإصلاح، بينما ستواجه البنوك التي تعرقل العمل تحدي إعادة الهيكلة. وإذا كان متوقعاً أن يظهر بعض اللاعبين الداخليين الدعم العلني للبرنامج، بينما يريدون الاستحواذ خلال مرحلة التنفيذ، فإن التخفيف من ذلك يتم عبر إقامة بنية حوكمة لهيئة إعادة بناء الدولة اللبنانية (LSRA) مع التدقيق الدولي، واعتماد الشفافية الرقمية.

تتطلب النواة العسكرية والأمنية لمشروع حزب الله مساراً استراتيجياً منفصلاً يعمل بالتوازي مع برنامج إعادة الإعمار، وليس كجزء منه، وهو أمر يتطلب تعزيز قدرات الجيش اللبناني وتوسيع انتشاره بشكل موثوق وليس حضوراً رمزياً، ما يمكنه من فرض سلطة الدولة الحصرية. وهذا يتطلب الدعم الأمني والاستخباراتي للأجهزة الأمنية بالتعاون مع الولايات المتحدة والحلفاء، مع قدرة على مراقبة واحتواء القدرة العملياتية للنواة العسكرية والأمنية (لحزب الله) عبر الوسائل القانونية، مع خلق مسار دستوري لدمج الوظائف الأمنية في الدولة، بحيث يكون مجدولاً، وليس مفروضاً بالقوة، على أن تكون هناك آلية للعمل في حال استخدمت النواة العسكرية (حزب الله) القوة ضد سلطة الدولة. بينما يتطلب احتواء هذه المجموعة، إدارة دبلوماسية موازية للحسابات الإقليمية لإيران.

وأخيراً، يجب ملاحظة أن الجناح المسلح في حزب الله يستند إلى حزب موجود سياسياً. ولذلك، يجب عرض المسار الدستوري على الجناح السياسي لحزب الله، حيث تكون له مشاركة في الانتخابات، وتمثيل في البرلمان، ومقاعد على طاولة الحكومة، شرط التزامه بفصل الجهاز السياسي عن الجهاز العسكري. وهذا هو مسار انتقال الحركات المسلحة، ولا يتم الأمر عبر الذوبان الكامل، بل بالتحول إلى لاعبين سياسيين بأدوار مؤسسية شرعية. ومن دون مخرج سياسي، ستكون هناك مقاومة من فئات أخرى في منظومة الحزب، خصوصاً إذا شعرت بعدم وجود أي مستقبل لها داخل النظام الجديد.

يتحمل انتشار الجيش اللبناني عبئاً تحليلياً هائلاً في هذه الوثيقة، لكن يجب تحويله إلى إطار عملياتي. فعملية انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، تحتاج إلى ما لا يقل عن 10,000 إلى 15,000 جندي إضافي، مع قدرة مستدامة على التبديل، بما يجعل انتشارها متجاوزاً المواقع الحالية المتاخمة لقوات اليونيفيل (المقصود شمال نهر الليطاني). لكن الجيش يفتقر حالياً إلى المركبات المدرعة الكافية، وتنقصه قدرات الرؤية الليلية، والبنية التحتية للاتصالات، وتكنولوجيا مراقبة الحدود، ومنصات الدفاع الجوي. ولذلك، يجب أن يكون هناك برنامج لتحديث، بقيمة 3 الى 5 مليارات دولار تصرف سريعاً، وليس على مراحل تمتد لعقد من الزمن.

يجب أن يبدأ انتشار الجيش اللبناني بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي، وليس بعد اكتمال الانسحاب. وكل منطقة تخليها "إسرائيل" يجب أن يحتلها الجيش اللبناني فوراً، من دون ترك أي فراغ يملأه الجناح المسلح لحزب الله. وفي حال واجه الجيش مقاومة مسلحة في أثناء الانتشار، يجب تفعيل خط الدعم الدولي. وهذه العملية تتطلب التزاماً بتمويل رواتب العسكريين بصورة دائمة طوال مدة تنفيذ البرنامج البالغة خمس سنوات، مع آلية ملزمة للاستمرار بعد ذلك. أما نقل المعدات لمرة واحدة من دون تمويل عملياتي مستدام فسينتج قوة جوفاء.

كذلك ينبغي تأطير «برنامج إعادة بناء الدولة» باعتباره أول محاولة جادة لتنفيذ جوهر قراري مجلس الأمن الدولي رقم 1559 (2004) و1701 (2006) اللذين يفرضان نزع سلاح حزب الله، وتوسيع سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، ووقف نقل الأسلحة إلى الجهات الفاعلة غير الحكومية، عبر الحوافز والبناء المؤسسي بدلاً من القوة فقط. وتوفر هذه القرارات الدولية البنية القانونية الدولية القائمة؛ بينما يوفر برنامج إعادة الإعمار الآلية العملياتية بعدما فشلت المقاربات العسكرية طوال 20 عاماً.

هدف هذا البرنامج هو تفكيك المنظومة البيئية لحزب الله، بينما تعمل سياسة الاحتواء على إدارة النواة العسكرية. هذان مساران متوازيان، وليسا مساراً واحداً. والخلط بينهما هو الخطأ التحليلي الأكثر شيوعاً في السياسة المتعلقة بلبنان. وبالتالي، يجب أن تكون السردية واضحة، فمثلاً لا تقلْ «سنكسر حاضنة حزب الله»، بل قلْ: «سنعيد بناء الدولة اللبنانية لدعم المجتمعات التي عانت أكثر من غيرها»؛ ولا تقلْ: «يجب على الشيعة التخلي عن حزب الله»، بل «لا ينبغي لأي طائفة أن تضطر إلى الاعتماد على ميليشيا بسبب فشل الدولة»؛ ولا تقلْ «انزعوا السلاح أو ستواجهون العواقب»، بل قلْ إن «الدولة تقدّم الأمن، وإعادة الإعمار، والمستقبل. وفتّشوا عمّن يعرقل ذلك».
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة