عين على العدو
رأى مراسل شؤون الضفة الغربية في صحيفة "إسرائيل هيوم"، يوتام داشا، أن التهديد الذي يشغل المؤسسة الأمنية "الإسرائيلي" بعد العمليات الأخيرة في الضفة الغربية يتمثل في "منفّذ" يعمل بمفرده، من دون خلية أو تنسيق، وأحيانًا من دون أن يترك تقريبًا أي أثر استخباري.
ويقول مسؤول أمني رفيع المستوى في المنطقة إن إحباط عملية يصبح "صعبًا جدًا" عندما لا تكون هناك معرفة مسبقة بأنها على وشك الحدوث. ففي مواجهة خلية منظمة، يمتلك الجيش "الإسرائيلي" والشاباك نقاط ارتكاز استخبارية، إذ إن إنشاء بنية تحتية لتنفيذ عمليات يتطلب تجنيد أشخاص، وإدخال أسلحة، وتحويل أموال، وعقد لقاءات وتدريبات، وأحيانًا تلقي توجيهات. ويمكن لكل مرحلة من هذه المراحل أن تترك بصمة استخبارية، بما يتيح للأجهزة الأمنية العمل على أساسها.
ويقول المسؤول الأمني: "من أجل إحباط عملية، نحتاج إلى مؤشر، وعندما يكون هناك مؤشر، نُحبطها بصورة لافتة". ويضيف أنه خلال العام الماضي لم تنجح أي خلية في اختراق خطوط الدفاع وتنفيذ عملية، مشيرًا إلى أن جميع العمليات نفذها منفّذون منفردون.
أما في مواجهة "المنفّذ المنفرد"، فتختلف الصورة بصورة كبيرة. فالشخص الذي لا يشارك آخرين، ولا يجند خلية، ولا يحتاج إلى تنسيق، يقلّص بدرجة كبيرة نقاط الاحتكاك مع الأجهزة الاستخبارية. فلا توجد مكالمة هاتفية استثنائية، ولا شريك يمكن أن ينكشف، وأحيانًا لا يوجد حتى فارق زمني بين اتخاذ قرار تنفيذ العملية وبين الانطلاق لتنفيذها.
ويقول المسؤول: "في معظم الحالات لا يوجد مؤشر ولا شركاء". ويوضح أن الغالبية العظمى من هؤلاء يتخذون القرار في اللحظة الحاسمة، سواء أثناء قيادة سيارة ورؤية "إسرائيلي" ثم اتخاذ قرار بدهسه، أو الوصول إلى المكان وهم يحملون سكينًا.
ولا يكشف السلاح دائمًا عن النوايا. ويوضح المسؤول أن الحصول على مؤشر يصبح أسهل قليلًا عندما يتعلق الأمر بالأسلحة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود كمية كبيرة جدًا من الأسلحة غير القانونية في "يهودا" و"السامرة"، ومنها بندقية "كارلو" التي تُصنع في ورش الخراطة داخل القرى الفلسطينية، ما يجعل من الصعب معرفة متى يكون السلاح مخصصًا لتنفيذ عملية.
وتزداد المخاوف خلال فترات الاحتكاك المرتفع، ولا سيما مع موسم قطف الزيتون الذي يجمع كل عام "إسرائيليين" وفلسطينيين في مناطق مفتوحة، تكون أحيانًا على مسافة قصيرة من المستوطنات ومحاور التحرك. وقد بدأ الموسم هذا العام بعد سلسلة من العمليات، الأمر الذي دفع إلى توسيع الاستعدادات العسكرية.
ويقدّر الجيش "الإسرائيلي" أيضًا أن العمليات "الناجحة" قد تؤثر في منفّذين آخرين وتدفعهم إلى تقليدها، ولذلك صدرت دعوات إلى الامتناع عن نشر مقاطع فيديو للعمليات على شبكات التواصل الاجتماعي.
وفي مواجهة شخص لا تتوافر عنه معلومات ملموسة، ينتقل جزء كبير من الجهد الأمني إلى العمل الدفاعي في الميدان، عبر الحواجز والتفتيش والدوريات وحماية محاور المواصلات والمستوطنات، إلى جانب رصد السلوك غير المعتاد والاستجابة السريعة عند بدء الحادثة. وهذا ما يفسر حجم القوات الاستثنائي المنتشر حاليًا في المنطقة.
ومنذ بداية العام، جرى توسيع نشاط الفرقة 96، التي أُنشئت للمنطقة الحدودية الشرقية وعُزّزت بكتائب احتياط وقوات نظامية، فيما واصلت فرقة "يهودا" و"السامرة" نشاطها الهجومي في المدن والقرى. وبعد العمليات الأخيرة، أمر رئيس هيئة الأركان، الفريق إيال زمير، بتفعيل قيادة الفرقة 98 أيضًا.
وتولت الفرقة مسؤولية لواءي يهودا وعتصيون، من الجنوب إلى القدس، بينما واصلت فرقة يهودا والسامرة قيادة المناطق الواقعة شمال المدينة. وخلال الأعياد، عملت في المنطقة 27 كتيبة، عشر منها في منطقة التماس، فيما أُقيمت فعاليات العيد والرحلات والزيارات إلى مواقع التراث تحت حراسة مشددة.
ويقول المسؤول الأمني إن "يهودا والسامرة منطقة شاسعة جدًا، ومعظم المواطنين في الدولة لا يدركون إلى أي حد هي شاسعة". ويضيف أن الجيش "الإسرائيلي"، ولا سيما في ظل الحرب الدائرة في غزة ولبنان وسوريا، لا يستطيع تركيز جميع قواته هناك، ومع ذلك توجد في المنطقة قوات أكثر مما كان موجودًا فيها طوال فترة طويلة.
لكن حتى وجود عدة قيادات للفرق وعشرات الكتائب، إلى جانب الاعتقالات الليلية والنيران من الجو، لا يحل مشكلة المنفّذ المنفرد. فقد تزيد هذه الإجراءات احتمال توقيفه عند حاجز، أو رصده على أحد محاور الحركة، أو الوصول بسرعة أكبر إلى موقع الحادثة، لكنها لا تستطيع إنتاج إنذار استخباري بشأن فكرة احتفظ بها شخص لنفسه.
ومع انقضاء الأعياد وتراجع كثافة المتنزهين، يبقى موسم قطف الزيتون في ذروته. وفي ظل ذلك، ستحاول المؤسسة الأمنية منع السيناريو الأكثر صعوبة بالنسبة إليها: ليس خلية كبيرة يمكن تفكيكها، بل شخص واحد، وقرار واحد، ونافذة زمنية قصيرة جدًا يتعين خلالها رصده قبل أن يبدأ في تنفيذ عمليته.