لبنان
مراسل العهد/ البقاع الغربي
يظنّ العدو "الإسرائيلي" أنّ بإمكانه، بالاعتداءات والتهديد والترهيب اليومي، أن يعدم الحياة في الجنوب، وأن يجعل من الدمار عنواناً دائماً للمشهد.
لكنّ ما لا يدركه أنّ الحياة هنا لا تنتظر إذناً كي تعود.. فكلّ طريقٍ تُعبَّد، وكلّ شارعٍ يُعاد تأهيله، وكلّ شبكة مياهٍ تُصان، وكلّ ورشةٍ تستأنف عملها، هي حكاية صمودٍ جديدة، ورسالة تقول إنّ هذه الأرض لأهلها، وإنّ إرادة البقاء أقوى من كلّ محاولات الاقتلاع.
في مدينة النبطية، لا تتوقف ورش العمل، فالبلدية بالتعاون مع الجهات المعنية، تتابع ما يمكن إصلاحه وتأهيله من طرقات وبنى تحتية، في محاولة لإعادة انتظام تفاصيل الحياة اليومية التي تأثرت بالاعتداءات والأضرار التي لحقت بالمدينة.
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى ورشةً بلدية عادية؛ آلياتٌ تعمل، عمالٌ يتحركون، وطرقاتٌ يجري تأهيلها. لكن خلف هذه التفاصيل حكاية أكبر.
هنا، لا تُرمّم الطرقات وحدها، ولا تُصلح البنى التحتية فحسب...
هنا تُرمَّم تفاصيل الحياة اليومية، ويُعاد فتح المساحات أمام الناس للعودة إلى منازلهم وأعمالهم وأسواقهم.
ستة ملفات.. والبداية من جديد
رئيس لجنة الأشغال في بلدية النبطية خضر قديح، يوضح لموقع "العهد" أنّ انطلاق أعمال التأهيل يأتي في إطار متابعة ملفات رفعتها البلدية إلى وزارة الأشغال العامة والنقل، مشيراً إلى أنّ العمل بدأ بأحد الملفات، على أن تتبعه ملفات أخرى تشمل أحياء وشوارع مختلفة في المدينة.
ويشير قديح إلى أنّ البلدية كانت قد تابعت ستة ملفات مع الوزارة، وأن الملف الأول بدأ تنفيذه، فيما يُرتقب البدء خلال الأسبوع المقبل بملف آخر يشمل أحياء وشوارع في حيّ البياض، على أن تصل تباعاً الملفات الأخرى الخاصة بتأهيل طرقات المدينة.
ولا تتوقف المتابعة عند الملفات التي سبق رفعها، إذ جرى، وفق قديح، إعداد ورفع ملفات جديدة لطرقات تضررت خلال الحرب الأخيرة ولم تكن مدرجة ضمن الملفات السابقة، بهدف معالجة الأضرار وتأمين حركة مرور أكثر سلامة للأهالي.
ويقول: «ورش العمل التي تقوم بها البلدية تسهم أيضاً في تثبيت الأهالي في أرضهم، وتساندهم على الصمود.»
الطريق إلى البيت.. جزء من طريق العودة
بالنسبة إلى أبناء النبطية، لا تعني الطريق المعبّدة مجرد سهولة في التنقل، فالطريق هي الوصول إلى المنزل، وإلى مكان العمل، والمدرسة، والسوق، والمؤسسة، والمصلحة.
وبعض الأهالي، وفق ما يوضح قديح، ما زالوا يواجهون صعوبة في الوصول إلى منازلهم بسبب وضع الطرقات التي تأثرت وتضررت بفعل العدوان الإسرائيلي، ما يجعل تأهيلها جزءاً أساسياً من عملية استعادة الحياة الطبيعية في المدينة.
ومن هنا، تتحول أعمال الصيانة والإعمار إلى فعل دعمٍ مباشر للأهالي، وإلى مساحةٍ جديدة لتثبيتهم في أرضهم، رغم كل ما يحيط بهم من تحديات.
ويؤكد قديح أنّ البلدية وأهالي المدينة يعملون معاً، «كتفاً إلى كتف»، لإعادة الحركة إلى الأسواق والطرقات والأحياء، آملاً أن تترافق هذه الخطوات مع عودة الدوائر الرسمية إلى المدينة وفتح أبوابها أمام المواطنين، بما يشجع مزيداً من الأهالي على العودة وفتح مصالحهم وأعمالهم.
حين تفتح المدينة أبوابها من جديد
في أحد شوارع النبطية، تتحرك الآليات بهدوء، فيما يتابع الأهالي أعمال التأهيل التي بدأت تستعيد معها الطرقات شيئاً من شكلها المعتاد.
شارعٌ كان الوصول إليه صعباً، يصبح أكثر سهولة. وطريقٌ أتعبته الأضرار، تبدأ ورش الصيانة بإعادة ترتيب تفاصيله.
وبالنسبة إلى أهل المدينة، تحمل هذه المشاهد معنى يتجاوز أعمال الأشغال نفسها، فمع كل طريقٍ تُفتح، تصبح العودة إلى البيت أسهل، ومع كل شارعٍ يستعيد حركته، تقترب الأسواق والمحال من أيامها الطبيعية.
أحد أبناء المدينة، وهو يتابع أعمال التأهيل، يقول إن إصلاح الطرقات يختصر على الأهالي الكثير من الصعوبات، ويفتح أمامهم مجالاً أوسع للعودة إلى منازلهم ومصالحهم، والأهم أن الالتفات إلى حاجات الناس في المدينة وتأمينها يسهم في صمودهم وثباتهم.
من الطريق تبدأ الحكاية
في بلدية النبطية، تعرف ورش العمل حجم المسؤولية.
رئيس لجنة الأشغال خضر قديح يوضح أن البلدية تتابع ملفات تأهيل الطرقات مع وزارة الأشغال العامة والنقل، وقد بدأ تنفيذ أحد الملفات، فيما يجري التحضير للبدء بملفات أخرى تشمل أحياء وشوارع إضافية.
ويشير إلى أن البلدية تابعت ستة ملفات، وأن العمل بدأ بأحدها، على أن يبدأ خلال الأسبوع المقبل ملف جديد في أحياء وشوارع حي البياض، فيما تستمر المتابعة لإنجاز الملفات الأخرى.
كما جرى رفع ملفات جديدة لطرقات تحتاج إلى التأهيل نتيجة الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب الأخيرة، بهدف تحسين حركة المرور وتأمين السلامة للأهالي.
ويقول قديح:
«ورش العمل التي تقوم بها البلدية تسهم أيضاً في تثبيت الأهالي في أرضهم، وتساندهم على الصمود».
ويضيف أن بعض المواطنين لا يزالون يواجهون صعوبة في الوصول إلى منازلهم بسبب أوضاع الطرقات، مشيراً إلى أن التعاون بين البلدية وأهالي المدينة مستمر لإعادة الحركة إلى الأحياء والأسواق والطرقات.
المدينة تستعيد يومها
ومع تقدم أعمال التأهيل، تتسع مساحة الحركة في النبطية، المشهد يتغير تدريجياً؛ آليات الأشغال في الشوارع، عمال يتابعون أعمالهم، وأهالٍ يراقبون ما يجري بانتظار أن تصل الورش إلى طرقاتهم وأحيائهم.
«نحن باقون هنا»
في النبطية، تبدو العودة عملية تتقدم مع كل ورشة، ومع كل شارع يستعيد عافيته.
الأهالي ينتظرون خدماتهم، والبلدية تتابع ملفاتها، والجهات المعنية تبدأ بتنفيذ ما أُنجز من هذه الملفات. وفي قلب المشهد، تبقى الجملة التي يرددها أبناء المدينة بأشكال مختلفة:
نريد أن نعيش هنا، ولكن.. بكرامة
أن تعود البيوت مأهولة، وأن تستعيد الأسواق أصواتها، وأن تصبح الطرقات ممراتٍ للحياة اليومية لا شاهداً على ما مرّ بالمدينة. ومن شارعٍ إلى شارع، تبدأ النبطية باستعادة تفاصيلها.
خطوةٌ تتبعها أخرى، وورشةٌ تفتح الطريق أمام ورشة، حتى تستعيد المدينة الإيقاع
النبطية تختار أن تستمر
قد يملك العدو الطائرات والصواريخ والقدرة على التدمير... لكنّه لا يملك قرار الناس في أن يعيشوا بكرامة.
وفي النبطية، كل طريقٍ يُعاد تأهيلها، وكل شارعٍ يستعيد عافيته، وكل ورشةٍ تستمر في عملها، ليست مجرد عملية صيانة.
إنها مشهد من قصة أكبر؛ قصة مدينةٍ تحاول استعادة تفاصيل حياتها، وأهلٍ يتمسكون بمنازلهم وأعمالهم وأرضهم، وبلديةٍ تتابع الملفات وتعمل على إعادة تأهيل ما تضرر.
فالمعركة مع آثار الدمار لا تنتهي عند إزالة الركام، ولا عند إصلاح جدار أو طريق..
إنها تبدأ أيضاً عندما يعود الناس إلى بيوتهم، وتفتح المحال أبوابها، وتعود الحركة إلى الشوارع، وتستأنف المؤسسات عملها، وتقوم الجهات والإدارات المعنية في الدولة بواجبها تجاه هذه المنطقة وأهلها.
فحين تستمر الحياة، يكون الصمود قد قال كلمته.