نقاط على الحروف
الانخراط السافر والعلني للسلطة الحالية في تنفيذ الأجندات التآمرية يعكس بوضوح حجم التواطؤ العملي المشين مع المحاور الخليجية والأميركية الصهيونية؛ إذ تمضي هذه السلطة بلا رادع أخلاقي أو وطني في شن حرب تجويع وخنق ممنهج ومباشر ضد بيئة المقاومة الحاضنة، وعموم الشعب اللبناني، والنازحين من مختلف الجنسيات، غير مبالية بالأهوال التي يصنعها العدو "الإسرائيلي".
وهي إنما تفعل ذلك في تناغم تام مع المشروع الاستعماري الرامي إلى إخضاع المنطقة برمتها، مكتفية بلعب دور الوكيل المحلي الذي ينفذ التعليمات بحذافيرها، غير آبهة بما يسببه هذا الأداء من تدمير مروع يطال بنيان الوطن ومقومات عيشه الأساسية، متجاوزة كل الخطوط الحمراء التي تفرضها السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية.
فالزيارات الاستعراضية الشكلية والفلكلورية التي يقوم بها بعض أزلام السلطة ومسؤوليها بين الحين والآخر إلى مدن مثل النبطية وغيرها من بلدات الجنوب المنكوب والمحروق، لا تعدو كونها ذرًا للرماد في العيون، ووقاحة سياسية مكشوفة لتغطية عار هذا التواطؤ المخزي. فبدلًا من أن تتحمل الدولة مسؤولياتها الدستورية والأخلاقية في الدفاع عن أبنائها وبلداتهم التي تتعرض لمحرقة حقيقية، تتحول إلى أداة طيعة في غرفة العمليات الإقليمية والدولية.
إن هذه الحركات الاستعراضية باتت محكومة بالفشل الذريع أمام الوعي السياسي العميق لأبناء هذه البيئة الذين يدركون تمامًا زيف الدموع ورياء المواقف، ويقينهم بأن من يشارك في الحصار والتجويع لا يمكن أن يكون حريصًا على إعمار ما دمرته آلة القتل الصهيونية.
المراقب المنصف والمطلع على خبايا الأمور يدرك تمامًا الخلفيات الخبيثة لهذه السياسات الممنهجة، والتي ترقى بمعايير الشرف الوطني إلى مستوى الخيانة وتنفيذ الإملاءات الخارجية. إن الهدف الأوحد وراء هذا الحصار المالي والاقتصادي والمعنوي المضروب على الجنوب ومحيطه، هو محاولة يائسة لفكفكة بيئة المقاومة عن خياراتها الاستراتيجية، وليّ ذراع حاضنتها الشعبية عبر تجويعها وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية.
ويتجلى هذا التواطؤ بأجلى صوره في محاصرة الأموال والمساعدات التي يفترض أن تصل عاجلًا أو آجلًا إلى المستحقين والمتضررين، حيث تبدع السلطة وأجهزتها في وضع العراقيل والقيود البيروقراطية والنقدية لإعاقة وصول هذه الحقوق، تنفيذًا للرغبة الأميركية الخليجية التي تشترط إركاع البيئة الحاضنة مقابل أي فتات مالي أو إغاثي، في ألعاب مفضوحة وسقطات سياسية سقطت فيها كل معايير الإنسانية والأخلاق.
ولا يتوقف هذا العدوان الممنهج والممول خارجيًا عند حدود الحصار الاقتصادي والمالي والمادي، بل يتعداه إلى مستوى التواطؤ الاستراتيجي مع ما يرتكبه الاحتلال "الإسرائيلي" في الجنوب من دمار شامل وممنهج يطال البشر والحجر والشجر.
إن الحديث عن وجود مواقف سياسية باهتة وتسريبات لبعض المصادر الرسمية المشبوهة التي ترمي ضمنًا إلى التبرير أو التغطية على جرائم العدو، يكشف عن طبيعة الارتباط العضوي بوثائق الأطر المشبوهة التي تمنح الاحتلال صك براءة وغطاءً سياسيًا لتدمير لبنان.
ويترافق ذلك مع حملات ممنهجة من الخطابات التصعيدية والتحريضية الصادرة عن قوى وأحزاب يمينية تابعة، تتكامل أدوارها لشن حرب نفسية شعواء تهدف إلى خنق هذه البيئة معنويًا، وكسر إرادتها الصلبة، وصولًا إلى هدفها الأخبث المتمثل في جر البلاد نحو اصطدام مباشر ومفتوح مع القوى الأمنية والجيش اللبناني.
هذا التخطيط الخبيث يسعى جاهدًا وبكل الوسائل القذرة إلى وسم طائفة بكاملها بأوصاف الخروج عن إرادة الدولة والتمرد على مؤسساتها، لتهيئة المسرح الداخلي نحو فتنة أهلية مدمرة لا تحمد عقباها، تقدم على طبق من ذهب للعدو الصهيو-أميركي ما عجز عن تحقيقه في ميدان المواجهة العسكرية المباشرة على جبهات القتال.
إن هؤلاء المتآمرين يراهنون على دفع الأمور نحو حافة الهاوية، غير عابئين بأن تفجير السلم الأهلي يعني انهيار ما تبقى من الهيكل اللبناني برمته.
غير أن رهانهم الخائب هذا سيصطدم حتمًا بالصخرة الصلبة للوعي والبصيرة والصلابة المطلقة التي تمتلكها بيئة المقاومة وشعبها الأبي، الذي أثبت عبر التاريخ المعاصر أنه أقدر بكثير على امتصاص الصدمات وإحباط كافة مشاريع التآمر والتواطؤ والخيانة، ليبقي الراية خفاقة مهما اشتدت عواصف الحصار ومؤامرات الخونة والتابعين.