اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

خاص العهد

تراجع حصة الجنوب من إنتاج الزيتون بفعل العدوان.. أين دور السلطة في دعم المزارعين؟
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

تراجع حصة الجنوب من إنتاج الزيتون بفعل العدوان.. أين دور السلطة في دعم المزارعين؟

العدوان يستهدف زيتون الجنوب.. والمزارعون يواجهون الخسائر بصمود متجذّر في الأرض
75

من نحو 28% إلى 14 أو 15%، تراجعت حصة الجنوب من إجمالي إنتاج الزيتون في لبنان، في انعكاس مباشر لتداعيات العدوان "الإسرائيلي" الذي حرم المزارعين من الوصول إلى حقولهم، وعطّل أعمال العناية بالأشجار وقطاف المحاصيل، ودمّر مساحات زراعية واقتلع أشجار زيتون معمرة يعود عمر بعضها إلى مئات السنين. 

وبينما تتراكم الخسائر من موسم إلى آخر، لا يواجه المزارع الجنوبي تراجعًا في الإنتاج فحسب، بل استهدافًا لمصدر رزقه ومحاولة لقطع ارتباطه بأرضه. ومع ذلك، يتمسك الجنوبيون بحقهم في البقاء والعودة إلى حقولهم وزراعتها من جديد، في مواجهة عدوان لم ينجح في انتزاع الأرض من ذاكرة أصحابها وإرادتهم.

وفي حديث إلى موقع العهد الإخباري، يوضح رئيس نقابة مزارعي الجنوب محمد الحسيني كيف انعكس العدوان، على مدى ثلاثة مواسم متتالية، على إنتاج الزيتون والواقع المعيشي للمزارعين، مشيرًا إلى أن منع الوصول إلى الأراضي، وتجريف الحقول، واقتلاع الأشجار المعمرة، تسببت بخسائر زراعية واقتصادية متراكمة، ويؤكد أن هذه الاعتداءات، مهما بلغت، لن تقطع الصلة التاريخية التي تربط أبناء الجنوب بأرضهم، ولن تحول دون عودتهم إلى زراعتها وإعمارها.

ثلاثة مواسم من العدوان.. وخسائر تتراكم

يشرح الحسيني أن الأضرار التي أصابت موسم الزيتون لم تكن نتيجة تراجع طبيعي في الإنتاج، بل جاءت في سياق اعتداءات متواصلة قيّدت وصول المزارعين إلى أراضيهم وحرمتهم من تنفيذ الأعمال الزراعية الضرورية، لتتراكم تداعياتها عامًا بعد عام.

ففي عام 2023، ومع بدء العدوان في تشرين الأول/أكتوبر، لم يتمكن عدد من المزارعين، ولا سيما في المناطق الحدودية، من الوصول إلى حقولهم وقطاف الزيتون في مواعيده المعتادة. وبذلك، بدأت الخسائر مع تعذر جني المحاصيل، قبل أن تمتد في الموسم التالي إلى قدرة الأشجار نفسها على الإنتاج.

وفي عام 2024، تفاقمت الأضرار بعدما حال استمرار الاحتلال في عدد من النقاط الحدودية دون وصول المزارعين إلى أراضيهم لتنفيذ أعمال التسميد والتشحيل الضرورية خلال فصل الشتاء. وأدى تفويت هذه الأعمال إلى ضعف الموسم في بعض المناطق، فيما خسر مزارعون آخرون محاصيلهم بعدما تعذر عليهم الوصول إلى حقولهم وقطاف ثمارها.

أما في عام 2025، فلم يؤدِّ التحسن النسبي الذي شهده الموسم في بعض المناطق إلى تعويض الخسائر السابقة، إذ استمر الاحتلال في منع المزارعين من الوصول إلى الأراضي الحدودية، وبقي الإنتاج محدودًا في مناطق أخرى.

وفي الموسم الحالي، تتواصل هذه التداعيات في المناطق التي يطلق عليها الاحتلال "الخط الأصفر"، حيث لا يستطيع المزارعون الاعتناء بأراضيهم أو قطاف محاصيلهم. وهكذا، لم يعد الضرر محصورًا في محصول يتعذر جنيه، بل امتد إلى تعطيل دورة الإنتاج الزراعي، وإضعاف قدرة المزارعين على العناية بأشجارهم والاستعداد للمواسم اللاحقة.

من 28% إلى 14%.. العدوان يضرب حصة الجنوب من إنتاج الزيتون

تُظهر الأرقام حجم الأثر الذي تركه العدوان في القطاع الزراعي الجنوبي. فبحسب تقديرات نقابة مزارعي الجنوب التي عرضها الحسيني، كان الجنوب يسهم بنحو 28% من إجمالي إنتاج الزيتون في لبنان، قبل أن تتراجع حصته إلى نحو 14 أو 15% نتيجة الأضرار والقيود التي فرضها العدوان على الأراضي الزراعية.

وهذا التراجع الذي يعادل انخفاضًا يقارب النصف في حصة الجنوب من الإنتاج الوطني للزيتون، يرتبط بحرمان المزارعين من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم، وتعذر قطاف المحاصيل والعناية بالأشجار، فضلًا عن تدمير أجزاء من الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار المعمرة. وبذلك، لا تعكس النسبة انخفاضًا في الإنتاج فحسب، بل تكشف أيضًا عن حجم المساحات التي بات أصحابها عاجزين عن استثمارها في ظل استمرار الاعتداءات.

ويلفت الحسيني إلى أن تراجع الإنتاج الجنوبي لا يُتوقع أن ينعكس بصورة كبيرة على المستهلك اللبناني، نظرًا إلى وجود فائض في إنتاج الزيتون وزيت الزيتون على المستوى الوطني. إلا أن هذا الفائض لا يعوض المزارع الذي فقد محصوله، ولا يحمي العائلة التي تعتمد على هذه الزراعة لتأمين دخلها.

فالضرر الأكبر يقع على المزارعين الذين يعتمدون كليًا أو جزئيًا على الزيتون مصدرًا للرزق؛ إذ يؤدي تعذر الوصول إلى الحقول إلى خسارة العائد الزراعي، فيما يضاعف تكرار ذلك على مدى مواسم متتالية صعوبة استعادة النشاط والإنتاج. ومن هنا، فإن انخفاض حصة الجنوب من الإنتاج الوطني ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل نتيجة مباشرة لعدوان أصاب الأرض والموسم ومصدر رزق العائلات في آن واحد.

اقتلاع الأشجار.. استهداف للأرض وذاكرة أصحابها

لا يقتصر العدوان، وفق الحسيني، على منع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، بل يمتد إلى تجريف الأراضي واقتلاع أشجار الزيتون من جذورها. ويتحدث عن أشجار معمرة يعود عمر بعضها إلى مئات السنين، اقتُلعت ونُقلت إلى داخل فلسطين المحتلة، لما تمثله من قيمة مادية.

ويرى الحسيني أن اقتلاع هذه الأشجار يحمل أبعادًا تتجاوز الخسارة الزراعية المباشرة؛ لأنها تختزن ذاكرة العائلات الجنوبية وأجيالًا متعاقبة ارتبطت بالأرض وعملت فيها. فالشجرة المعمرة ليست محصولًا يمكن تعويضه سريعًا، بل جزء من تاريخ المكان وامتداد حياة أصحابه فيه.

ومن هذا المنطلق، يرى أن الاعتداء على الأشجار ومحاولة قطع الصلة بين المزارع وأرضه يستهدفان ارتباطًا تاريخيًا لا يمكن اختزاله بالمردود الاقتصادي. فحتى عندما يُحرم المزارع من الوصول إلى أرضه أو يخسر أشجاره، لا يعني ذلك أنه تخلى عنها أو فقد حقه فيها.

وتبرز هنا المفارقة بين حجم التدمير المادي وإصرار الأهالي على التمسك بأرضهم؛ فكل شجرة تُقتلع تعني خسارة سنوات طويلة من النمو والإنتاج، لكن ذلك لا ينهي علاقة أصحابها بالأرض، ولا يمنعهم من السعي إلى العودة إليها وإعادة زراعتها متى أصبح ذلك ممكنًا.

الخسائر الزراعية لا تنتهي عند حدود الموسم

يحذر واقع المزارعين، كما يعرضه الحسيني، من أن تداعيات العدوان لا تتوقف عند المحاصيل التي فُقدت، بل تمتد إلى مصادر الدخل والقدرة على الاستمرار في العمل الزراعي. فالمزارع الذي لم يتمكن من قطاف محصوله يخسر عائد الموسم، والذي مُنع من تسميد أشجاره وتشحيلها يواجه تراجعًا في الإنتاج، أما من اقتُلعت أشجاره أو جُرفت أرضه، فيحتاج إلى وقت وإمكانات لاستعادة نشاطه.

ومع استمرار هذه الأضرار، يجد عدد من المزارعين أنفسهم أمام أعباء معيشية متزايدة، ولا سيما الذين يعتمدون على الزيتون موردًا أساسيًا أو جزئيًا للرزق. وفي حين قد لا يشعر المستهلك اللبناني بتراجع الإنتاج الجنوبي على مستوى السوق بسبب وجود فائض وطني، فإن المزارع يتحمل الخسارة مباشرة، دون أن يضمن تعويضها في الموسم التالي.

ولمواجهة محاولات التشكيك في سلامة الإنتاج الزراعي الجنوبي، أوضح الحسيني أن النقابة أخذت عينات من منتجات زراعية في مناطق جنوبية غير محتلة وأرسلتها إلى مختبرات الجامعة الأميركية في بيروت لإجراء الفحوص اللازمة. وأشار إلى أن النقابة تنتظر صدور النتائج لإعلانها وتزويد وزارتي البيئة والزراعة بها.

وتسعى النقابة، وفق الحسيني، إلى مواجهة التشكيك بالاستناد إلى نتائج علمية، حمايةً لسمعة المنتجات الجنوبية وثقة المستهلكين بها، ومنعًا لإضافة خسائر تسويقية إلى الأضرار المباشرة التي يتكبدها المزارعون بفعل العدوان. وتبقى سلامة المنتجات مسألة تحسمها نتائج الفحوص المخبرية التي تعتزم النقابة نشرها بعد صدورها.

مزارعون يبحثون عن بدائل بانتظار العودة

في ظل تعذر الوصول إلى الأراضي الواقعة ضمن المناطق المحتلة، يوضح الحسيني أن استصلاح هذه الأراضي والعمل فيها ليس ممكنًا في الظروف الراهنة. لذلك، يحاول المزارعون الذين حُرموا من حقولهم استئجار أراضٍ بديلة في مناطق أخرى، بهدف مواصلة نشاطهم الزراعي والحفاظ على مصدر دخلهم.

ويستشهد بتجربة مزارعي التبغ، حيث توفر إدارة حصر التبغ والتنباك آليات دعم للذين تعذر عليهم الزرع، من خلال تعويضهم عن الأرباح التي كان يُتوقع أن يحققوها، فيما تتسلم المحاصيل من المزارعين الذين تمكنوا من الزراعة بأسعار مدعومة.

أما بالنسبة إلى بقية المزارعين، فأشار إلى أن وزارة الزراعة تجري مسحًا شبه يومي للأضرار الزراعية، بهدف توثيقها تمهيدًا للاستفادة من أي تعويضات قد تُقر مستقبلًا. لكنه لفت إلى أن وجود برامج ومبادرات دولية لم يترجم، حتى الآن، إلى دعم كافٍ يتيح للمزارعين تجاوز خسائرهم واستعادة قدرتهم الإنتاجية.

وتكشف هذه المحاولات عن إصرار المزارعين على عدم الاستسلام لتداعيات العدوان؛ فاستئجار أرض بديلة هو محاولة للاستمرار في الزراعة إلى حين التمكن من العودة إلى الأرض الأصلية، فيما يشكل توثيق الأضرار خطوة ضرورية للمطالبة بالتعويض وإعادة تأهيل الحقول المتضررة.

غير أن استمرار هذا الصمود يحتاج إلى إجراءات عملية من قبل السلطة تواكب حجم الخسائر، وتدعم المزارعين الذين فقدوا مواسمهم، وتساعدهم على استعادة الإنتاج، فضلًا عن تأمين الظروف التي تتيح لهم العودة الآمنة إلى أراضيهم.

باقون في أرضنا وسنعود إلى زراعتها

في رسالته إلى اللبنانيين، يشدد الحسيني على أن المزارع الجنوبي متمسك بأرضه، وأن العلاقة التي تربطه بها لا تختصرها الزراعة أو المصلحة المادية، بل تمتد إلى ذاكرة عائلية وتاريخية متجذرة عبر مئات وآلاف السنين.

ويؤكد أن الاعتقاد بإمكانية دفع أبناء الجنوب إلى التخلي عن أراضيهم من خلال الاحتلال والاعتداءات هو اعتقاد خطأ، مشددًا على أن المزارعين سيبقون متمسكين بأرضهم وسيعودون إلى زراعتها وإعمارها مهما طال الزمن.

ويستحضر الحسيني تجربة الجنوب خلال مراحل الاحتلال السابقة، موضحًا أن التمسك بالأرض استمر رغم الظروف الصعبة، وأن المزارع الذي حافظ على أرضه في الماضي لن يتخلى عنها اليوم. وأضاف أن استمرار الاحتلال سيبقي أسباب المواجهة قائمة، وأن الجنوبيين سيواصلون السعي إلى استعادة أراضيهم والعودة إليها.

وتختصر هذه الرسالة جوهر الصمود الزراعي في الجنوب؛ فالعدوان الذي خفّض حصة المنطقة من إنتاج الزيتون من 28% إلى نحو 14 أو 15%، وحرم مزارعين من مواسمهم، واقتلع أشجارًا عمرها مئات السنين، ألحق خسائر مادية كبيرة، لكنه لم ينهِ تمسك الأهالي بأرضهم، بل زادهم إصرارًا على التمسك بها.

وبينما تكشف الأرقام حجم الضرر الذي أصاب الإنتاج ومصادر الرزق، تكشف مواقف المزارعين أن الأرض لا تزال محور حياتهم ومستقبلهم. فالجنوبيون الذين يواصلون الزراعة حيثما يستطيعون، ويبحثون عن بدائل حين يُمنعون من الوصول إلى حقولهم، يتمسكون بحق العودة إلى أراضيهم وإعمارها، مؤكدين أن خسارة موسم أو اقتلاع شجرة لا يعنيان نهاية العلاقة بالأرض، وأن العودة إليها ستبقى هدفًا لا يتخلون عنه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة