اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي اللواء صفوي: إدارة مضيق هرمز واجب استراتيجي على القوات المسلحة الإيرانية

مقالات

عقيدة
🎧 إستمع للمقال
مقالات

عقيدة "الجبهات المتزامنة" .. هل انتهى زمن الحرب على جبهة واحدة؟

288

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

أكبر تحول عسكري إستراتيجي في "الشرق الأوسط" لم يحدث في غزة ولا في جنوب لبنان، بل حدث في ١٠ تشرين الأول فوق سماء الرياض.

لأول مرة منذ حرب ١٩٧٣، تجد الولايات المتحدة و"إسرائيل" نفسَيهما غير قادرتين على خوض حرب على جبهة واحدة. العقيدة العسكرية التي حكمت المنطقة لخمسين سنة كانت بسيطة وواضحة: اعزل عدوك، حاصره سياسياً، واضربه منفرداً. ابدأ بغزة، ثم انتقل إلى لبنان، ثم إلى اليمن. هذه العقيدة سقطت كلياً في مطار الملك خالد.

ما يطبقه أنصار الله اليوم ليس مجرد هجوم على مطار مدني، بل هو إعلان عن ولادة عقيدة قتالية جديدة اسمها (الجبهات المتزامنة). وهي عقيدة ستغير شكل أي حرب قادمة في المنطقة، ولبنان في قلبها.

أولاً: كيف تعمل العقيدة الجديدة؟

في حرب تموز ٢٠٠٦، كانت الجبهة واحدة: لبنان ضد "إسرائيل". وكان بإمكان أمريكا أن ترسل كل ذخيرتها وكل استخباراتها لدعم جبهة واحدة. في حرب غزة ٢٠٢٣، حاول محور المقاومة فتح جبهة إسناد من لبنان واليمن، لكنها بقيت في نظر واشنطن و"تل أبيب" جبهات ثانوية يمكن احتواؤها.

اليوم، أنصار الله قلبوا المعادلة بشكل جذري. هم لا يساندون جبهة موجودة، هم يخلقون أربع جبهات في اللحظة ذاتها والكثافة النارية ذاتها:

١. جبهة باب المندب: إغلاق شريان التجارة العالمية الذي يمر عبره ١٢ بالمئة من التجارة الدولية. الهدف هنا ليس عسكرياً فقط، بل اقتصادي عالمي يضغط على القرار الأمريكي.
٢. جبهة العمق السعودي والإماراتي: قصف المطارات المدنية والقواعد الأمريكية في الظهران والعديد والظفرة. الهدف هنا هو ضرب هيبة المنظومة الأمنية الأمريكية في الخليج.
٣. جبهة البحر الأحمر: استهداف مباشر للبوارج والمدمرات الأمريكية بالصواريخ الباليستية والمسيرات البحرية، وهو ما لم يجرؤ أحد على فعله منذ الحرب العالمية الثانية.
٤. جبهة "إسرائيل": إطلاق صواريخ فرط صوتية من نوع فلسطين ٢ نحو يافا ومطار بن غوريون، بمدى يتجاوز ٢٠٠٠ كيلومتر.

الهدف العسكري في هذه العقيدة ليس احتلال الأرض، وهذا هو التغيير الأخطر. الهدف هو استنزاف منظومات الدفاع الجوي وتدمير اقتصاديات الاعتراض.

كل صاروخ باتريوت أمريكي يكلف بين ٤ و ٥ ملايين دولار، وكل صاروخ ثاد يكلف أكثر من ١٢ مليون دولار. فيما تكلف المسيرة اليمنية من نوع صماد ٣ أقل من ٢٠ ألف دولار. عندما تطلق ١٠ مسيرات من اليمن، و٥ من العراق، وصاروخين من لبنان في الساعة ذاتها، فأنت لا تريد أن تقتل، أنت تريد أن تجبر العدو على الاختيار: ماذا سيحمي؟ مطار الرياض أم قاعدة العديد في قطر أم "تل أبيب"؟

هذه هي حرب الاستنزاف المقلوبة. سابقاً كانت "إسرائيل" هي من تستنزف العرب، اليوم المحور هو من يستنزف مخزون الدفاع الجوي الغربي، ومخزون أمريكا لا يكفي لأكثر من ثلاثة أسابيع من القتال الكثيف على خمس جبهات.

ثانياً: ماذا يعني هذا لحزب الله بعد الضربات الكبرى؟

هنا النقطة التي تهم لبنان وجودياً ومباشرة.

بعد استشهاد سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، وبعد ضربة البيجر التي استهدفت نحو ٤٠٠٠ مقاتل من الكادر الوسطي والقيادي، اعتقدت واشنطن و"تل أبيب" أن حزب الله بوصفه قوة جبهات قد انتهى، وأنه سيحتاج إلى سنوات ليتعافى.

هذا التحليل سطحي ولا يفهم طبيعة الحزب. حزب الله ليس شخصاً أو قيادة هرمية عادية، بل هو مؤسسة عقائدية عسكرية بُنيت على مدى ٤٠ عاماً، ولديها قدرة مثبتة على إعادة إنتاج قيادتها وهيكليتها في أسابيع، كما حدث بعد عام ٢٠٠٦ وبعد استشهاد السيد عباس الموسوي وسائر القادة. الحزب اليوم رمَّم غرفة عملياته، وأعاد توزيع ترسانته التي لم تُستخدم في حرب الإسناد، وما زال يملك القدرة الصاروخية الدقيقة.

لكن السؤال الإستراتيجي الحقيقي ليس ما إذا كان حزب الله قد تعافى، بل أين سيتموضع في عقيدة الجبهات المتزامنة الجديدة؟

نحن اليوم، أمام خيارين عسكريين لا ثالث لهما، وكِليهما يمس لبنان مباشرة:

الخيار الأول: بقاء حزب الله قوةَ احتياط إستراتيجي. أي لا يفتح جبهة الجنوب الآن، بل يبقى ليرمم ترسانته وقيادته ويتدرب على الدروس المستفادة من حرب غزة، بينما يوكل لليمن مهمة استنزاف أمريكا والسعودية و"إسرائيل". هذا الخيار يريح لبنان مؤقتاً ويعطيه فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء الداخل.

الخيار الثاني: إعادة تفعيل قوة حزب الله كجبهة خامسة حاسمة. إذا قررت أمريكا و"إسرائيل" ضرب العمق الإيراني رداً على هجوم الرياض، فإن الرد لن يكون بصاروخ واحد من طهران إلى "تل أبيب". العقيدة الجديدة تقول إن الرد يجب أن يكون متزامناً: اليمن يقصف الرياض وأبوظبي، حزب الله يقصف حيفا وعكا ومطار "بن غوريون"، وفصائل العراق تقصف القواعد الأميركية المحيطة به . هنا لا يغدو حزب الله جبهة إسناد ثانوية، بل جبهة أساسية تمنع "إسرائيل" من التفرغ لليمن أو لإيران.

ثالثاً: السيناريو الأخطر - هل يستطيع لبنان البقاء خارجها؟

الجواب العسكري والإستراتيجي هو لا، مهما حاولت الدولة اللبنانية.

عقيدة الجبهات المتزامنة تقوم على مبدأ واحد: إجبار العدو على التمدد حتى يتمزق. واشنطن لديها اليوم حاملتا طائرات فقط في المنطقة، واحدة في البحر الأحمر وأخرى في شرق المتوسط. ولديها مخزون محدود من صواريخ الاعتراض. إذا اشتعلت جبهة اليمن والخليج بشكل كامل، فستضطر واشنطن لسحب جزء من دعمها الجوي والاستخباري لـ"إسرائيل" لتغطية السعودية والإمارات اللتين هما مصدر النفط والدولار.

"إسرائيل" تدرك هذا الخطر الوجودي. لذلك هي تسعى الآن، وقبل أن تكتمل عقيدة الجبهات وتتبلور غرفة عملياتها الموحدة في صنعاء وطهران، لضربة استباقية في لبنان. تريد أن تنهي جبهة الجنوب وتدمر ما تبقى من قدرات حزب الله الصاروخية قبل أن تبدأ حرب الخليج الكبرى. ما نسمعه من تهديدات يومية من قادة العدو عن ضرورة نزع سلاح الحزب هو جزء من هذه العقيدة الاستباقية.

نحن أمام نهاية زمن الحرب المنفردة. الحرب القادمة، إن وقعت، لن تكون حرب غزة الثانية أو حرب لبنان الثالثة، بل ستكون أول حرب في تاريخ "الشرق الأوسط" تدار فيها خمس غرف عمليات في خمس عواصم في الدقيقة ذاتها، بصواريخ ومسيرات رخيصة تستنزف أغلى منظومات دفاع جوي في العالم.

ومن يعتقد أن لبنان، بحكم موقعه ودوره وتاريخه، يمكن أن يبقى متفرجاً على هذه العقيدة الجديدة، فهو لا يفهم لا الجغرافيا ولا الإستراتيجيا، ولا طبيعة المرحلة القادمة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة