ترجمات
كتب ماكسيميليان بريمر وكيلي غريكو مقالاً في مجلة "فورين بوليسي"، أشارا فيه إلى أن الولايات المتحدة اعتمدت، على مدى جيل كامل، على القواعد العسكرية في منطقة الخليج لإظهار قوتها، انطلاقاً من اعتقاد بأن هذه القواعد تقع خارج نطاق تهديد جماعات مثل تنظيم "داعش"، وأن إيران، رغم ترسانتها الصاروخية المتنامية، لن تخاطر بشن هجمات متواصلة عليها.
ورأى الكاتبان أنّ حرب إيران حطّمت هذه الفرضية، بعدما كشفت هشاشة هذا النموذج من الانتشار العسكري. وفي هذا السياق، أشارا إلى أن وزارة الحرب الأميركية تدرس حالياً إعادة بناء هذه القواعد وتحصينها، أو نقل الوجود العسكري الأميركي غرباً، إلى مواقع مثل الأردن و"إسرائيل"، بما يضعه على مسافة أبعد من مرمى النيران الإيرانية. غير أنهما شددا على ضرورة عدم التسرع في تبنّي أي من الخيارين؛ لأن كليهما ينطلق من افتراض أن بسط القوة في الشرق الأوسط يستلزم قواعد كبيرة وثابتة، في وقت أثبتت الحرب محدودية هذا النهج.
ولفت الكاتبان إلى أن الولايات المتحدة نفذت أكثر من 10,200 طلعة جوية وأكثر من 13,500 غارة خلال الأيام الثمانية والثلاثين الأولى من الحرب، على الرغم من الضربات الإيرانية المتواصلة التي استهدفت مواقع أساسية. وأوضحا أن الحملة العسكرية لم تتوقف؛ لأن القوات الأميركية تمكنت من نقل عملياتها سريعاً إلى مواقع أخرى كلما تعرضت قواعدها للهجوم.
وفي هذا الإطار، أشارا إلى سحب الولايات المتحدة قواتها من قاعدة العديد في قطر، وإدارة العمليات الجوية من قاعدة "شو" الجوية في ولاية ساوث كارولاينا الأميركية، في ظل توقعات باستهداف قاعدة العديد. كما تطرقا إلى نقل المعدات العسكرية، موضحين أن القوات الجوية الأميركية بدأت، قبل أيام من اندلاع الحرب، بإرسال طائرات التزوّد بالوقود إلى مطار بن غوريون، حيث استُخدمت مدارج المطار في العمليات.
ورأى الكاتبان أن إعادة بناء القواعد في الخليج أو نقلها غرباً لن يعالج المشكلات الجوهرية التي تكشفت خلال الأشهر الأخيرة، إذ أظهرت الحرب سهولة تحديد مواقع هذه القواعد، وارتفاع كلفة حمايتها، فضلاً عن احتمال عدم توافرها عندما تكون واشنطن في أمسّ الحاجة إليها.
وأكد الكاتبان أن القواعد "الثابتة" لا يمكن إخفاؤها، وأن حمايتها من "الهجمات" الصاروخية و"هجمات" الطائرات المسيّرة تفرض تكاليف باهظة قد تفوق بكثير كلفة تنفيذ تلك الهجمات. واستشهدا باستنزاف الولايات المتحدة، خلال الأسابيع الستة الأولى من الحرب، أكثر من 1,000 صاروخ اعتراضي، من بينها ما يزيد على 40% من مخزونها من صواريخ "باتريوت"، ونحو نصف مخزونها من منظومات "ثاد" المضادة للصواريخ الباليستية.
وحذرا من أن تحصين المواقع العسكرية لن يحل المشكلة، كما أنه لن يكون خياراً منخفض الكلفة. فسواء أنفقت واشنطن مليارات الدولارات على تدعيم منشآتها العسكرية، أو واصلت استنزاف صواريخها الاعتراضية للدفاع عنها، ستظل الكلفة التي تتحملها أعلى بكثير من الكلفة التي تتكبدها إيران لشن الهجمات.
أما نقل القواعد غرباً، إلى الأردن و"إسرائيل"، فلن يؤدي، وفق الكاتبين، إلا إلى نقل المشكلة من مكان إلى آخر، لأن هذه المواقع ستبقى ضمن مدى الصواريخ الإيرانية. وإلى جانب المخاطر العسكرية، ينطوي هذا الخيار على مخاطر سياسية إضافية، ولا سيما أن "إسرائيل" اعتمدت سلوكاً عسكرياً محفوفاً بالمخاطر قد يضعها في مواجهة مع واشنطن.
وفي هذا السياق، أشار الكاتبان إلى قصف "إسرائيل" قاعدة جوية في شمال سورية، قرب الحدود التركية، في آب/أغسطس الماضي، دون إبلاغ الولايات المتحدة.
وأضافا أن الولايات المتحدة تدفع بالفعل أثماناً نتيجة تحالفها مع "إسرائيل"، إلا أن الإبقاء على قواعد أميركية كبيرة وثابتة في المنطقة من شأنه أن يضاعف هذه الأثمان، عبر تعريض القوات الأميركية لاحتمال الرد على تحركات "إسرائيلية"، بما قد يجر واشنطن إلى "الحرب الإسرائيلية المقبلة"، فضلاً عن زيادة التوتر في علاقاتها مع الشركاء العرب.
وفي مقابل هذه الخيارات، رأى الكاتبان أن الحرب تتيح لواشنطن فرصة نادرة لإعادة تقييم إستراتيجية تمركز قواتها، داعيين إلى العمل على ضمان إمكان الاستفادة من المطارات والقواعد الجوية في مختلف أنحاء الخليج وأوروبا، وكذلك في المناطق الواقعة على أطراف الشرق الأوسط، بدلاً من الإصرار على الاحتفاظ بقواعد ثابتة.
ورأيا أن اعتماد هذا النهج قد يعزز الردع، إذ أدركت إيران أن القواعد الأميركية ستكون على الأرجح خالية عندما يبدأ القتال. ومن شأن هذا الإدراك أن يضعف قدرة تلك القواعد على أداء دورها الردعي، ويقوّض المبررات الإستراتيجية للإصرار على الإبقاء عليها.
وأوضح الكاتبان أن الردع يتطلب من واشنطن إثبات قدرتها بصورة موثوقة على استخدام قوة عسكرية كافية لمنع إيران من تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية، لكن ذلك لا يستلزم إبقاء عشرات الآلاف من الجنود في قواعد أمامية بصورة دائمة.
وختم الكاتبان بالإشارة إلى أن القواعد الأميركية في الشرق الأوسط كانت تؤدي دوراً في ردع "الخصوم"، لكنها باتت، في ظل التطورات الأخيرة، أقرب إلى مجموعة من الأهداف الثابتة التي تعرف إيران كيفية استهدافها، بدلاً من كونها رموزاً للقوة الأميركية. واعتبرا أن الوقت قد حان لكي تعيد واشنطن النظر في مدى ملاءمة وضعية انتشارها العسكري الحالية لمصالحها، في ضوء ما كشفته الحرب من تحديات عملياتية وتكاليف عسكرية وسياسية متزايدة.