مقالات
Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court
عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية
ورئيس المحكمة العسكرية السابق
المشهد الآن لا يحتاج إلى تحليل ولا إلى خبير استراتيجي ليفهمه. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي كان قبل عامين فقط أيقونة الغرب، وبطل الحرية، والرجل الذي وقف الكونغرس الأمريكي كله يصفق له لعشرات المرات، يقف اليوم أمام الإعلامي البريطاني بيرس مورغان ويقولها بصوت مكسور وباعتراف خطير: بصراحة، نعم، أشعر بالخيانة من ترامب.
ما الذي جرى؟ زيلينسكي يتهم واشنطن رسميًّا بأنها عاقبته. قطعت عنه تبادل المعلومات الاستخباراتية التي كانت تنذره قبل الضربة الصاروخية الروسية بدقائق، وأبطأت عمدًا خدمة ستارلينك التي يقاتل جيشه بها على الجبهة، وتركته بلا غطاء جوي بينما تضرب الصواريخ الباليستية محطات الكهرباء وتقطع التيار عن ٦٠٠ ألف إنسان في عز البرد. وفي نفس التوقيت، يعلن ترامب عن اتفاق جديد لشراء الديزل الروسي الرخيص من بوتين ليخفض سعر البنزين في أميركا قبل انتخابات التجديد النصفي، حتى لو كان هذا الديزل هو نفسه الذي يمول الصواريخ التي تقتل الأوكرانيين.
هذه ليست خيانة تكتيكية. هذه هي العقيدة الأميركية الكاملة. حليف اليوم هو وقود الغد.
1 - كيف تستغل أميركا القادة والرؤساء والدول؟
القصة تتكرر بحذافيرها منذ ١٩٥٣ مع كل عميل وكل حليف، على ثلاث مراحل ثابتة لا تتغير بتغير الرئيس في البيت الأبيض.
المرحلة الأولى: الاستدراج والتلميع وصناعة البطل.
تأتي أميركا إلى أي زعيم لديه طموح أو خوف أو عقدة نقص، وتعطيه ما لا يستحقه من الحجم. إعلام، صور في البيت الأبيض، دعوات للبنتاغون، وصف بأنه رجل شجاع وتشرشل الجديد وحامي الديمقراطية. تجعله يصدق أنه شريك متساو وليس مجرد أداة. فعلتها مع شاه إيران عندما قالت له أنت شرطي الخليج، وفعلتها مع صدام حسين عندما دعمته بالسلاح والخرائط ضد إيران ثم أوهمته أن الكويت مؤامرة أميركية عليه، وفعلتها مع زين العابدين بن علي ومبارك عندما قالت لهما أنتما ركيزة الاعتدال. ومع زيلينسكي قالوا له أنت ستدخل الناتو والاتحاد الأوروبي، فقط قاتل روسيا حتى آخر جندي أوكراني.
المرحلة الثانية: الابتزاز ونهب السيادة وتحويل الدولة إلى شركة مفلسة
بعد أن يغرق الرئيس ويتورط في الحرب ولا يستطيع التراجع، تبدأ أميركا بإرسال الفواتير. كل شيء له ثمن. السلاح ليس مساعدة بل قروض بفوائد، الدعم السياسي ليس مجانًا بل مقابله قواعد عسكرية وتوقيع اتفاقيات إذعان.
خذ حالة زيلينسكي وهي الأخطر والأوضح. واشنطن لم تعط أوكرانيا ٣٥٠ مليار دولار كما يروج الإعلام. هي باعت السلاح، واشترطت مقابل ذلك الاستيلاء على ثروات أوكرانيا السيادية. وثيقة المعادن النادرة التي فرضها ترامب على زيلينسكي تنص على أن تتنازل أوكرانيا عن ٥٠ بالمئة من عائدات الليثيوم والتيتانيوم واليورانيوم والغرافيت لصالح شركات أميركية، بقيمة تقديرية ٥٠٠ مليار دولار. أي إن الرئيس الأوكراني مطالب بأن يبيع تراب بلده وأجيال بلده القادمة ليشتري سلاحًا يدمر ما تبقى من بلده. نفس السيناريو طبقته واشنطن في العراق عندما صادرت النفط مقابل الغذاء، وفي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية عندما حولتهما إلى قواعد عسكرية دائمة.
المرحلة الثالثة: الرمي عند أول مفرق والتنصل الكامل
هذه هي اللحظة الأكثر إذلالًا. عندما تصبح كلفة الحليف أعلى من منفعته، أو عندما تأتي إدارة جديدة تريد صفقة مع العدو، ترمي أميركا الحليف بلا تردد وبلا أخلاق وبلا حتى مكالمة وداع.
شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي خدم أميركا ٣٧ سنة وحمى نفطها، عندما سقط رفضت أميركا حتى استقبال طائرته، ومات لاجئًا ومشردًا في مصر.
مانويل نورييغا في بنما كان عميلًا رسميًا للسي آي إيه يتقاضى راتبًا، وعندما انتهى دوره أرسلت أميركا ٢٧ ألف جندي واعتقلته ورمته في سجن في ميامي ليموت هناك.
حسني مبارك الذي كان كنز "إسرائيل" كما وصفه بنيامين بن اليعازر، والذي فتح قناة السويس للأساطيل الأميركية وحاصر غزة لأجلها، عندما نزل الناس للشارع قال أوباما ببرود: على مبارك أن يرحل الآن.
أشرف غني في أفغانستان، الرجل الذي جاء على الدبابة الأميركية، هرب من كابول حاملًا حقائب الدولارات بينما كانت طائرات الشينوك الأميركية تقلع من السفارة وتحرق الوثائق.
واليوم يأتي دور زيلينسكي. ترامب لا يخفي الأمر. يقول علنًا أمام الكاميرات: زيلينسكي خلق مشكلات للعالم بأسره، حان الوقت لأوكرانيا أن تختار زعيمًا جديدًا. ترجمتها الدبلوماسية: وظيفتك انتهت، سنبحث عن ممثل جديد يوقع لنا وثيقة الاستسلام.
2 - لماذا ترامب هو أخطر من كل من سبقه في هذه اللعبة؟
لأن الرؤساء السابقين على الأقل كانوا يغلفون الخيانة بكلام دبلوماسي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. كانوا يرمون الحليف لكنهم يعطونه لجوءًا سياسيًا أو بيان شكر. ترامب لا يملك هذا الغلاف. هو تاجر عقارات يرى العالم كصفقة عقارية. لا يوجد حلفاء بل يوجد مستأجرون.
أمس أوكرانيا كانت مشروعًا ديمقراطيًا مقدسًا، فإذا أصبحت عبئًا يرفع سعر البنزين ١٠ سنتات في أوهايو وقد يخسره أصوات الناخبين. فالحل عنده بسيط جدًا: أَتصِل ببوتين، أَشتري منه الديزل الرخيص، تنخفض الأسعار في الداخل، وأَترُك كييف تحترق في الظلام. ولهذا السبب أوقف التحذيرات المبكرة للصواريخ، ولهذا السبب لوح بقطع ستارلينك. هو يريد أن يكسر إرادة زيلينسكي ليجبره على توقيع أي اتفاق مع موسكو، حتى لو كان اتفاق إذلال، ليخرج ترامب أمام شعبه ويقول أنا صانع السلام.
3 - العبرة لكل مسؤول ما زال يراهن على البيت الأبيض
هذه المقالة ليست عن أوكرانيا. أوكرانيا مجرد مرآة. هذه رسالة لكل رئيس ولكل أمير ولكل زعيم في منطقتنا والعالم ما زال يعتقد أن المتغطي بأمريكا دفيان.
من يراهن على الأسطول الخامس الأميركي ليحمي عرشه في الخليج، فليتذكر أن الأسطول نفسه لم يستطع حماية باب المندب من صواريخ اليمن، ولم يستطع حماية حاملات الطائرات من المسيرات، فكيف سيحمي قصوركم؟
من يراهن على الضمانات الأميركية الأمنية، فليسأل زيلينسكي عن مذكرة بودابست ١٩٩٤ التي تعهدت فيها أميركا وبريطانيا بحماية أوكرانيا مقابل تخليها عن السلاح النووي. أين هي تلك الضمانات اليوم؟
أميركا لا تملك أصدقاء في السياسة. أميركا تملك استثمارات مؤقتة، وعندما يصبح الاستثمار خاسرًا، يتم شطبه.
التاريخ لا يرحم. من يبع سيادته لأميركا يشترِ خيانة مؤجلة. من يضع أمنه القومي في جيب وزارة الخارجية الأميركية، سيجد جيبه فارغًا عند أول منعطف.
زيلينسكي قالها متأخرًا جدًا بعد أن خسر ٢٠ بالمئة من أرضه ومئات آلاف القتلى ودمار دولته: من المؤسف أن نخسر شريكًا قويًا.
لكن الحقيقة المرة أنه لم يخسر شريكًا، بل اكتشف متأخرًا أنه لم يكن يومًا شريكًا، بل كان مجرد أداة وظيفية رخيصة، والآن انتهت صلاحيتها.
والمتغطي بأميركا عريان، بالأمس في سايغون ١٩٧٥، وفي طهران ١٩٧٩، وفي كابول ٢٠٢١، واليوم في كييف ٢٠٢٦، وغدًا في كل عاصمة ما زالت تصدق أن واشنطن ستموت من أجلها ولن تموت بها.