عربي ودولي
تتواصل الجهود الرسمية والمجتمعية في اليمن لتطوير القطاع الزراعي وتعزيز الإنتاج المحلي، من خلال تحسين البذور وحفظ الأصول الوراثية للمحاصيل، في مسعى لدعم الأمن الغذائي وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وسط تحديات الحرب والحصار والخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي.
وفي مقابلة خاصة مع موقع "العهد" الإخباري، أوضح المدير التنفيذي العام للمؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب في اليمن، المهندس صلاح المشرقي، أن المؤسسة تعمل بالتعاون مع مؤسسات علمية متخصصة على إنشاء وتجهيز بنك وراثي وطني لحفظ الأصول الجينية وفق المعايير التقنية.
وأشار المشرقي إلى أن المؤسسة جمعت، بالتعاون مع وزارة الزراعة والثروة السمكية، 327 صنفًا من محاصيل الحبوب والبقوليات المحلية من مناطق زراعية مختلفة، لافتًا إلى العمل على تصنيف البذور وتوثيق خصائصها تمهيدًا لتسجيلها لدى المنظمات الدولية المعنية.
وأضاف أن هذه الخطوات تهدف إلى حماية حقوق الملكية الفكرية والسيادية للجمهورية اليمنية، والحد من مخاطر القرصنة الجينية، إلى جانب تسهيل إكثار البذور المحلية وتطويرها وتوزيعها على المزارعين في مختلف المحافظات.
ولفت المشرقي إلى أن توثيق المصادر الوراثية للبذور اليمنية من شأنه مساعدة صناع القرار على وضع سياسات زراعية أكثر قدرة على الاستجابة للتغيرات المناخية والبيئية، وتعزيز حماية الموروث الزراعي.
من جهته، أوضح نائب المدير العام للتسويق الزراعي في وزارة الزراعة والثروة السمكية في اليمن؛ علي الهارب، في مقابلة مع موقع "العهد" الإخباري، أن القطاع الزراعي عانى على مدى عقود من ضعف الاستثمار الحكومي وتراجع الاهتمام بالبنية التحتية والخدمات الزراعية والبحث العلمي والإرشاد، إلى جانب تشتت أولويات برامج التنمية واتساع دور المنظمات والجهات المانحة في تنفيذ المشاريع.
وأشار الهارب إلى أن هذه الظروف أسهمت في تراجع الإنتاج المحلي للمحاصيل الغذائية، ولا سيما الحبوب والقمح، واتساع الفجوة الغذائية وزيادة الاعتماد على الاستيراد، معتبرًا أن التحديات لم تقتصر على الإنتاج، بل شملت البذور والتمويل والمياه والتسويق والتخزين والتصنيع.
وأضاف أن القطاع الزراعي شهد بعد أحداث 21 أيلول/سبتمبر تحولًا في مسار الاهتمام بالإنتاج المحلي، مع توجهات لتطوير البذور وتحسين إنتاجية وحدة المساحة وتفعيل الجمعيات التعاونية والمبادرات المجتمعية.
وبيّن أن المساحة المزروعة بالحبوب بلغت عام 2014 نحو 727,069 هكتارًا، بإنتاج وصل إلى قرابة 700,962 طنًا، رغم محدودية برامج إكثار البذور المحسنة وضعف الخدمات المقدمة للمزارعين.
وفيما يتعلق بتداعيات الحرب والحصار، أفادت إحصائيات وزارة الزراعة والثروة السمكية بأن الخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي خلال سنوات الحرب بلغت نحو 111 مليار دولار.
وأوضح الهارب أن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وصعوبة الحصول عليها أدّيا إلى زيادة تكاليف المدخلات الزراعية والنقل، ما ضاعف الأعباء التي يتحملها المزارعون.
وأضاف أن إنتاج الحبوب تراجع إلى نحو 344,648 طنًا عام 2018، قبل أن تشير إحصائيات الوزارة إلى ارتفاع الإنتاج إلى 861,409 أطنان عام 2023، مع زيادة متوسط إنتاجية الهكتار الواحد بأكثر من 52%.
وأكد الهارب استمرار النشاط الزراعي رغم الظروف الاستثنائية، مشيرًا إلى مواصلة الجهود الرامية إلى استعادة الإنتاج وتطوير المدخلات وتشجيع المزارعين على زراعة المحاصيل الغذائية والإستراتيجية، وتعزيز الاعتماد على الموارد والإمكانات المحلية.
الكنوز الزراعية اليمنية ثمرة صمود المزارع اليمني
رغم ما مرت به الزراعة في اليمن من تحديات ومؤامرات، ظلّ المزارع اليمني متمسكًا بأرضه، وواصلت الأرض عطاءها وخيرها...
عن كنوز الأرض اليمنية يتحدث المهندس صلاح المشرقي، فيوضح أنَّ "قيمة الكنوز الزراعية والوراثية لا تقتصر على كونها مجرد حبوب أو محاصيل تقليدية لسد الرمق اليومي، بل تشكل مخزونًا وطنيًا وركيزة أصلية وسيادية، يُبنى عليها لتحقيق استدامة غذائية حقيقية، وتعزيز القدرة الذاتية على الاعتماد على الموارد المحلية، في مواجهة مختلف التحديات الاقتصادية والبيئية والجيوسياسية الراهنة والمستقبلية".
ويؤكد المشرقي "أنّ عملية الوصول إلى هذه الثروة القومية، وحفظها وإدارة أصولها، لم تكن وليدة اللحظة، أو ضربًا من المصادفة، بل تطلبت سنوات طويلة من العمل الميداني الدقيق، والتنسيق المؤسسي، للوصول إلى أقصى القرى والمناطق الزراعية الرئيسية، وهي ثمرةُ صمود وجهود المزارعين في مختلف المحافظات، وكل ذلك يؤكد على قدرة الأرض اليمنية المعطاءة، على النماء والوصول إلى الاكتفاء الذاتي".
يستمر النماء الزراعي بتكاتف الجهود الرسمية والشعبية، فالوصول إلى الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء أصبح وعيًا وثقافة شعبية عامة يسعى لتحقيقها كل اليمن.