مقالات
كاتب وباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
تؤكد المؤشرات الميدانية والاستخباراتية أن خيارات المناورة الدبلوماسية قد استُهلكت تمامًا، فالقفزة الاستثنائية في وتيرة التعزيزات العسكرية وتكامل شبكات الدعم اللوجستي تمنحان خطط الطوارئ الهجومية الضوء الأخضر العملياتي، ليبقى التوقيت معلقًا بقرار سياسي يحاول رئيس الوزراء "الإسرائيلي" استعجاله للخلاص الداخلي، وتتحسب القوى الكبرى لتبعاته الكارثية قبل الاستحقاقات السياسية.. فهل نحن أمام ليال حاسمة بتفجير البارود أم أمام تسوية شاملة لتجنب الدماء؟ وهل سيهرب نتنياهو، كعادته، باتجاه توجيه ضربة كبيرة إلى إيران أم إلى لبنان؟
إن تشابك المسارات العسكرية والسياسية يضع بنية منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط) الاستراتيجية على حافة اختبار قاسٍ ومصيري. إذ مع استنفاد آخر خيارات المناورة ووصول مؤشرات الاستخبارات الميدانية إلى ذروتها، تتسابق الطبول العسكرية وخطط الطوارئ مع الحسابات السياسية الضيقة، فتداخل الجبهات المفتوحة من مياه الخليج وباب المندب وصولًا إلى الجبهة الشمالية والعمق "الإسرائيلي"، يضع صانع القرار في "تل أبيب" وواشنطن، أمام معادلة لا تحتمل الخطأ، فإما الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة، وإما تسوية اضطرارية تُفرَض تحت وطأة الاستنزاف المتبادل.
يمثل الاندفاع نحو توجيه ضربة عسكرية مباشرة لإيران المغامرة الكبرى التي تحسب لها الدوائر العسكرية الغربية و"الإسرائيلية" ألف حساب. إذ إن المؤشرات الميدانية المتصاعدة تؤكد أن أي اعتداء واسع النطاق على الأراضي الإيرانية لن يكون نزهة عسكرية أو عملية جراحية محدودة، سيقابله تفعيل فوري لمنظومة الردع الصاروخي الباليستي والمسيّرات التي ستغير قواعد اللعبة كليًا، وإن نشر "تل أبيب" لمنظومات الدفاع المتقدمة في الشمال يعكس فهمًا عميقًا لحتمية الرد الإيراني وحلفائه.. في حال اختار الجانب "الإسرائيلي" هذا المسار؛ هربًا من الأزمات الداخلية، فإن الجبهة الإقليمية ستشتعل فورًا؛ لتتحول المنشآت الحيوية وشرايين الطاقة وممرات الملاحة إلى أهداف مباشرة في حرب استنزاف كبرى تتجاوز الحدود المحلية لتطال الاقتصاد العالمي بأسره.
في المقابل؛ يظل الخيار اللبناني مطروحًا بقوة على طاولة الحسابات "الإسرائيلية" بصفته هدفًا تقليديًا للهروب إلى الأمام واستعادة شيء من هيبة الردع المفقودة. غير أن هذا الخيار لم يعد آمنًا، ولا محسوب النتائج، إذ إن الجبهة الشمالية باتت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ببيئة إقليمية مترابطة الساحات. إذ تفيد التقديرات الميدانية بأن أي تصعيد واسع النطاق ضد لبنان سيقابل بوابل من الصواريخ الدقيقة من عدة جبهات تستهدف العمق الحيوي "الإسرائيلي"، من هنا فإن إدراك القيادة "الإسرائيلية" لهذه المخاطر يضعها أمام مأزق حقيقي بين الرغبة في تحقيق نصر سريع وبين الخوف من السقوط في فخ استنزاف طويل الأمد.
على خط الأزمات المتشابكة، تقف القوى الدولية بموقف دقيق وحذر، فهي من جهة تدعم الجانب "الإسرائيلي" بتعزيز القدرات العسكرية وشبكات الدعم، ومن جهة أخرى تتحسب للتبعات الكارثية لأي انفجار إقليمي شامل قد يطيح بمصالحها الحيوية، ويغرق المنطقة في فوضى عارمة. هذا التناقض يضع نتنياهو في مأزق خانق، فهو محكوم بهاجس الخلاص الداخلي وتأجيل المحاسبة، في حين تضغط عواصم القرار لضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو الهاوية.
على وقع هذه الإحداثيات المتفجرة؛ تتكشف شيئًا فشيئًا أبعاد المناورة البرية والجوية المتوقعة في حال صدرت أوامر التحرك النهائي. إذ تشير المعطيات التكتيكية إلى أن أي توغل أو قصف موسع لن يقتصر على الضربات النارية المتبادلة، سيعتمد على استراتيجية الصدمة والترويع الهادفة إلى شلل مراكز القيادة والسيطرة خلال الساعات الأولى، وهو ما يقابله استنفار مضاد يعتمد على شبكات الأنفاق والجهوزية المسبقة لامتصاص الصدمة وتحويل المعركة إلى حرب كمائن واشتباك قريب يلغي تفوق التكنولوجيا الجوية. هذا يعني أن خيار الحرب المفتوحة لن يحسمه التفوق الناري وحده، أيضًا قدرة الجبهة الداخلية والبيئة الحاضنة على تحمل كلفة الاستنزاف الطويل، وسط تآكل مظلات الأمان الإقليمي والدولي.
خلاصة القول إن خيوط اللعبة لم تعد بيد طرف واحد، وأي حسابات خاطئة لفرض معادلات جديدة بالنار ستواجه بردود قاسية وتدحرج متسارع للساحات، ما يجعل الرهان على الأيام القادمة رهانًا على وعي الأطراف بمدى الهاوية التي تنتظر الجميع؛ إذا ما سقطت آخر خطوط الردع والاحتواء.
لذلك؛ السؤال: هل يغامر بنيامين نتنياهو بخطوة مجنونة قد تكلفه خسارة حياته السياسية، أم يراجع حساباته الانتخابية، ويعيد إبرام تحالفات مع الموزاييك السياسي من اليمنيين المتشددين الذي يضم قوى اليمين واليمين المتطرف والأحزاب الحريدية (اليهودية المتشددة) التي تشكل حليفًا أساسيًا لتثبيت حكومته، في مواجهة انقسامات سياسية داخلية وتحالفات معارضة تسعى لإسقاطه، ما يجعله متريثًا بالذهاب نحو مغامراته المتوحشة؟