مقالات
كاتب من مصر
على الرغم من الدعاوى كلها الفارغة من المضمون التي يبثها الرئيس الأمريكي يوميًا، وتعاونه عليها وسائل الإعلام التابعة للمعسكر الأمريكي، والتي تقول إن أميركا تنجح في تمرير النفط عبر مضيق هرمز وقد أبطلت مفاعيل هذه الورقة الاستراتيجية وسحبتها من يد إيران، إلا أن الأرقام تفيد بهزالة ما تنجح أميركا في تمريره..! هذا فضلًا عما يصفها الخبراء بأنها مناورة خطرة ومكلفة؛ توفر بعض الانفراج المؤقت لأسواق النفط.
لكن الأهم من ذلك، هو أن أحدًا لم يناقش العنوان العريض، وهو أن أميركا لجأت إلى التهريب بدلًا من المواجهة، وأميركا خضعت للمعادلة الإيرانية بأن لا حل عسكريًا لفتح المضيق.. وهذا الرضوخ الأمريكي تمثل في تحول الجيش الإمبراطوري الأمريكي إلى مجرد مافيا لتهريب النفط!
المفارقة، هنا، هي أن إيران المحاصرة دوليًا والمفروض عليها عقوبات ظالمة منذ عقود، كانت تلجأ إلى التحايل على العقوبات وتنجح في تمرير كميات كبيرة من نفطها المحاصر، في حين أن العالم، اليوم، وعلى رأسه من يفرض العقوبات الظالمة، هو الذي يلجأ لتمرير النفط بطرق التهريب بعد أن أثبتت إيران قدرتها وشجاعتها في المواجهة، واستطاعت إغلاق المضيق ولم تجرؤ أميركا على فتحه.
هذه المفارقة تحمل دلالات كبرى، في خطورة الحرب غير المتماثلة وقوة إيران واقدارها على مواجهة أقوى جيوش العالم وردعها. هذا فضلًا عن عدالة القضية وإيمان المقاومة الراسخ الذي مكّن من مواجهة العالم كله وعدم الخضوع للفزاعات، وإصرار محور المقاومة على البقاء وطرد الاستعمار وإجبار المنطقة والعالم على احترام وجوده وقوته وانتزاع الحقوق المغصوبة.
في هذا الصدد؛ نناقش باختصار، كيفية قيام أميركا بتهريب النفط وتعاون الدول الأخرى معها، وهل يعد ذلك بالفعل كافيًا لتغيير الموازين، وما مدى كلفة ذلك، وما الدلالات المباشرة للجوء أميركا إلى التهريب عوضًا عن المواجهة:
أولًا- كيف يتم التهريب ؟
باختصار شديد؛ تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتسهيل ما يُعرف بـ "العبور المظلم"، أو الخفي، لإخراج النفط من منطقة الخليج عبر ممرات فرعية من مضيق هرمز. لقد استأجرت شركات النفط السعودية والكويتية والقطرية والإماراتية ناقلات للنفط، وبمساعدة البحرية الأمريكية توقف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، وينقل النفط من الخليج عبر مضيق هرمز إلى خليج عُمان، حيث تُفرغ حمولتها من النفط الخام في ناقلات عملاقة تنتظرها وتملكها الشركات المشترية، ثم تعود الناقلات الفارغة مرة أخرى عبر المضيق إلى الخليج، بالطريقة المظلمة نفسها لتكرار العملية.
هذا؛ تتحرك السفن ليلًا في الظلام الدامس، ومن دون أضواء أو رادارات نشطة لتجنب هجمات الطائرات المسيّرة، وبمرافقة مكثفة من البحرية الأمريكية وسلاح الجو مثل مروحيات الأباتشي لتأمين مسارها.
ثانيا- كلفة التهريب الأمريكي ومخاطره
تترتب على هذه العملية تكاليف مالية وعسكرية،وهي ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. إذ سُجل ارتفاع قياسي في تكلفة استئجار ناقلات النفط العملاقة، حيث تفرض شركات الشحن علاوات على مخاطر مرتفعة نتيجة الإبحار في مناطق فيها تهديد عسكري.
الأهم هو التكاليف العسكرية والاقتصادية التي تتحملها أميركا، والتي تشمل نفقات تشغيل القطع البحرية وتأمين الغطاء الجوي المستمر والتعامل مع التبعات العسكرية؛ مثل تكلفة إسقاط الآليات وإصلاحها؛ مثلما حدث عند إسقاط إيران لمروحية أباتشي أمريكية مشاركة في المهمة، وما تبعها من اشتباكات عسكرية.
ثالثًا- الجدوى الاقتصادية الهزيلة
يتفق الخبراء على أن هذا الإجراء مؤقت وغير قابل للاستدامة بسبب الكلفة والمخاطر. الأهم هو أنه لا يقدم حلًا اقتصاديًا له جدوى، لأنه عند المقارنة بالوضع ما قبل الحرب ، فقد كان يمر نحو 17 - 18 مليون برميل، وفقا لشركة كبلر لتتبع السفن، بينما المعدل اليومي الناتج عن عمليات التهريب الأمريكية يتراوح في متوسطاته اليومية نحو 10 ملايين من البراميل، وبمعدل متذبذب، على فرض صحة الأرقام التي تعلنها أميركا أو شركة تانكر تراكرز وتقارير الملاحة السرية.
الدليل على تهافت هذا الإجراء، هو أن أسعار النفط، على الرغم من كبح جماحها بسبب هذه المسكّنات وبسبب توقف الصين عن الاستيراد واعتمادها على مخزونها؛ إلا أنها تشهد ارتفاعّا. وعلى الجانب الآخر؛ أفرجت الولايات المتحدة عن 400 مليون برميل من النفط من احتياطياتها الطارئة، ما أدى إلى استنزاف كبير لمخزونها من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.
رابعًا- تبعات كارثية بسبب ارتباك خريطة النقل البحري عالميًا
على الرغم من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى كبح مؤقت لارتفاع سعر النفط لمستويات قياسية، إلا أن هناك تبعات كارثية بسبب تدفق ناقلات النفط العملاقة نحو منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط) بأعداد قياسية للإفادة من أرباح الشحن الاستثنائية، والتي ناهزت 1.4 مليون دولار يوميًا للناقلة، ما أدى إلى إعادة تشكيل خريطة النقل البحري، مخلفًا تبعات سلبية حادة على بقية دول العالم واقتصاده.
لقد حدث نقص حاد، في السفن للممرات الدولية الأخرى؛ مثل: الأطلسي وخليج المكسيك وغرب إفريقيا، ما جعل تأجير الناقلات هناك أمرًا شحيحًا وصعبًا. كما حدثت ضغوط تضخمية إضافية على أسعار الوقود للمستهلك النهائي، بعد أن تحولت تكلفة الشحن من عنصر هامشي،(كان سابقًا 1% ليصل إلى 3% من سعر البرميل، ليصبح يشكّل 25% إلى 30% من قيمة النفط المشحون. كما انتقل هذا الارتفاع اللوجستي الهائل مباشرة إلى محطات الوقود، رافعًا أسعار الديزل والبنزين عالميًا، كما غذي التضخم مضرًا بالشركات والمستهلكين في الدول المستوردة للطاقة.
إضافة إلى ذلك كله؛ هناك تأخير سلاسل الإمداد العالمية وتعقدها، بسبب عمليات النقل المعقدة من "سفينة إلى سفينة"، مثل إجراءات أمان بديلة وتمدد أوقات الانتظار.
في الخلاصة
إن أميركا المأزومة والعاجزة عن امتلاك خيار يحفظ ماء وجهها الإمبراطوري لإنهاء الحرب، تتورط في حماقات وفضائح كبرى تمس هيبة جيشها الذي تحول إلى عصابة للقرصنة ومافيا للتهريب. كما لم تستطيع أميركا حل المشكلة العالمية التي تسببت هي نفسها بها بسبب عدوانها على إيران، والتي لا تزال وجبهات المقاومة صامدة وتراقب التراجع الأميركي وتعمقه باستهداف الناقلات المخالفة وتثبيت مكتسباتها من هذه المواجهة الوجودية، محتفظة بردعها وإرادتها على القتال.