إيران
اهتمت الصحف الإيرانية، اليوم الاثنين (19 تشرين أول 2026)، بقضايا اليمن وأوروبا واقتصاد الولايات المتحدة الأميركية، حيث تظهر هذه الثلاثية التشابك بين قضايا "الشرق الأوسط" والعالم، فمن احتمال دخول مصر إلى الحرب إلى جانب السعودية إلى الاضطرابات والفوضى في قلب أوروبا إلى التضخم المستمر في اقتصاد الولايات المتحدة، يبدو أن العالم لم يعد ينتظر العودة إلى نظام عالمي سابق، بل التأسيس إلى أمر جديد لا بد منه.
دخول مصر في الحرب السعودية... شعار أم حقيقة؟
كتبت صحيفة كيهان: "وافق مجلس الدفاع الوطني المصري، برئاسة عبدالفتاح السيسي، أمس، على إرسال قوات عسكرية إلى السعودية في إطار "مهمة دفاعية". يبدو هذا الإجراء ظاهريًّا دليلًا على استعداد القاهرة. لكنه يواجه معارضة داخلية وتحذيرات من صنعاء، فضلًا عن الواقع الميداني في اليمن، ومن المرجح أن يكون مجرد شعار سياسي يهدف إلى الحصول على دولارات سعودية أكثر من كونه إجراءً عمليًّا وفعالًا! ووفقًا لخبراء العلاقات الدولية، فإن انخراط أي دولة في صراعات إقليمية أمر منطقي عندما يتوافق ومصالحها الوطنية طويلة الأمد وقدراتها الحقيقية وتكاليفها الاستراتيجية. وكونها دولة ذات موقع جيوسياسي حساس، وتواجه العديد من المشكلات الأمنية على حدودها، وتعتمد اقتصاديًّا بشكل كبير على استقرار البحر الأحمر وقناة السويس، لا يمكن لمصر أن تدخل في معادلة مصممة أساسًا على مصالح طرف إقليمي آخر دون حسابات دقيقة. كما تُظهر التجربة التاريخية أن جر الجيش إلى حروب استنزاف كهذه لا يُضعف القدرات الدفاعية للبلاد فحسب، يُعرّضها أيضًا لتكاليف سياسية واقتصادية باهظة تُفيد في نهاية المطاف جهات أجنبية وتُقوّض استقلالية صنع القرار الوطني".
تتابع الصحيفة: "بينما تنشغل مصر بالتشاور في كيفية التدخل في الحرب السعودية، أي من أجل الدولارات السعودية، فإن الاتفاق الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، والذي كان من المفترض أن يكون ضمانة أمنية للرياض، لم يحقق شيئًا في الواقع، ما يدل على أن "التحالفات الورقية ضد إرادة اليمن على الأرض" غير فعالة. الآن، يبدو من غير المرجح أن تُقدم مصر على دعم اليمن، لأن القاهرة نفسها تواجه العديد من المشكلات الحدودية وتتذكر تاريخ التدخلات المكلفة في الماضي. إن ما يحدث على الأرض ليس الشعارات الدفاعية للرياض وحلفائها الأميركيين، هو استمرار الغارات الجوية على المدنيين اليمنيين والردود الدقيقة للقوات المسلحة اليمنية، ما يظهر مرة أخرى أن معادلة القوة في المنطقة لم تعد في صالح التحالفات السعودية المنهكة".
فك شيفرة الغضب في الشوارع في أوروبا
كتبت صحيفة وطن أمروز: "إن الصور التي تُبث هذه الأيام من عواصم ومدن أوروبا الكبرى، من ميلانو وروما ولشبونة إلى بروكسل وبرلين وباريس ومدريد، تتجاوز مجرد ردود الفعل العابرة على أسعار البنزين أو ارتفاع الرسوم الجامعية. فدخان الغاز المسيل للدموع وإطلاق الرصاص المطاطي واستخدام خراطيم المياه، ومواجهات المتظاهرين مع قوات الأمن، كلها مؤشرات ظاهرة على تحول أعمق بكثير في الجغرافيا السياسية والاجتماعية للقارة الأوروبية. خلافًا لمحاولة وسائل الإعلام الغربية اختزال هذه الاضطرابات إلى "مطالب نقابية" أو "احتجاج على تضخم مؤقت" أو "سلوك متطرف للشباب"، فإن تحليلًا دقيقًا للأحداث يُثبت أن طبيعة الانتفاضة الحالية في الاتحاد الأوروبي بنيوية بحتة، وليست فوق بنيوية؛ بمعنى آخر، لا يستهدف الاحتجاج مشروع قانون معينًا أو أداءً تنفيذيًّا لوزير، يستهدف مباشرة طبيعة وهيكل بنية جوهرها إعادة إنتاج عدم المساواة والتمييز والتوزيع غير العادل للثروة".
تتابع الصحيفة: "لعقودٍ طويلة، قدّمت النخب الغربية صورة الاتحاد الأوروبي للرأي العام العالمي على أنها جنةٌ موعودةٌ بالرخاء والعدالة الاجتماعية والحرية، لكنّ الواقع المرير الذي كشفته شوارع أوروبا اليوم يُظهر انهيار هذه الأسطورة تمامًا. احتجاجات الشباب في بلجيكا وألمانيا ضد أزمة التعليم العالي، واعتصامات المواطنين البرتغاليين والإسبان الليلية في الخيام احتجاجًا على تكاليف السكن الباهظة، وغضب الطبقات الدنيا في إيطاليا وفرنسا، كلها نتاج آليةٍ تُوجّه الثروة العامة نحو أقليةٍ محدودة، وتفرض التقشف الاقتصادي، وارتفاع أسعار الطاقة بشكلٍ جنوني، وتكاليف معيشةٍ باهظة على عامة الشعب. لم يعد بالإمكان إصلاح هذا النظام المُتهالك ببضع وعودٍ حكومية أو بالقمع. فالهيكل الذي يُدير بروكسل والعواصم الأوروبية مُصمّمٌ بطريقةٍ تُعيق بشكلٍ ممنهج وصول الطبقتين الوسطى والفقيرة إلى الحقوق الأساسية كالسكن اللائق والتعليم المجاني والعمل المستقر. لقد شعر المواطنون الأوروبيون اليوم، بأم أعينهم، بأن الأزمة ليست خللًا في تطبيق القانون، بل في القانون نفسه وفي المنطق الذي يحكم النظام النيوليبرالي الذي يغذي الفقر. ولهذا السبب، تجاوزت شعارات المتظاهرين حدود مطالب النقابات، واستهدفت أسس نظام الحكم."
من الأخطاء التحليلية الشائعة، كما تقول الصحيفة:" إلقاء اللوم في هذه الكارثة على خط حزبي معين. والحقيقة أن السلطات الأوروبية، من الاشتراكيين الديمقراطيين الذين يدّعون العدالة الاجتماعية إلى المحافظين وأحزاب يمين الوسط التقليدية، قد لعبت جميعها دورًا في ترسيخ هذا النظام المعيب وإدامته، وهي متواطئة بلا شك في خلق الوضع الراهن. فعلى مدى عقود، اختُزلت لعبة الديمقراطية في أوروبا إلى مجرد تناوب مسرحي بين يسار الوسط ويمين الوسط، أحزاب تتحدث ظاهريًّا عن الهوية أو الضرائب المنخفضة، لكنها في الواقع ملتزمة بتطبيق سياسات التقشف، وخصخصة الخدمات العامة بلا رحمة، وتسليم المصالح الوطنية إلى البيروقراطية العاجزة في بروكسل (مقر الاتحاد الأوروبي)".
كما تؤكد الصحيفة: "بتخليهم عن مبادئهم الأساسية وقبولهم إطار اقتصاد السوق الحر، تخلى الاشتراكيون الديمقراطيون عن العمال والطلاب، بينما عمّق المحافظون الفجوة الطبقية من خلال إعطاء الأولوية للشركات متعددة الجنسيات والتكاليف الباهظة للعسكرة الخارجية. أدى تجاهل الاحتجاجات السلمية التي استمرت لعقود، في ظل التواطؤ بين هذين الفصيلين التقليديين، إلى استنتاج المجتمع بأن تناوب السلطة بين الشخصيات المتكررة لن يغير مصيرهم الاقتصادي المحتوم. إن غضب الشوارع اليوم هو تمرد واضح على الحصار السياسي والنفاق التاريخي للتيارين الحاكمين. في هذا السياق، حيث لا يملك النظام القائم حلولًا لأزمات الهوية والمعيشة والأمن التي يعاني منها المواطنون، أصبح توجه المجتمع نحو التيارات القومية المتطرفة (اليمين الراديكالي) قانونًا اجتماعيًّا حتميًّا. لم يعد هذا التوجه تهديدًا محتملًا أو فرضية نظرية، بل واقعًا ملموسًا في استطلاعات الرأي وصناديق الاقتراع، لا سيما في ركيزتي الاتحاد الأوروبي الرئيسيتين، فرنسا وألمانيا".
كما تبين الصحيفة: "لقد دقّت النجاحات الباهرة والتاريخية لأحزاب مثل التجمع الوطني في فرنسا وحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) في الانتخابات المحلية والولائية الأخيرة ناقوس الخطر الذي تردد صداه في جميع أنحاء الاتحاد. يبحث المواطن الأوروبي المحبط، الذي يرى هويته ومعيشته وأمنه ضحايا لقرارات تُتخذ خلف الأبواب المغلقة في بروكسل، عن حلٍّ في العودة إلى الحدود الوطنية، وإعادة تعريف السيادة الوطنية، ورفض المؤسسات العابرة للحدود. وقد وجّهت أحزاب اليمين المتطرف، مستغلةً ببراعة هذا الإحباط العميق، أصابع الاتهام إلى هيكل الاتحاد الأوروبي، واتفاقية شنغن، وسياسات التكامل النقدي لمنطقة اليورو. هذه هي لبّ الأزمة: فمع ترسّخ اليمين المتطرف في هرم السلطة للدول المؤثرة، ستواجه أسس الاتحاد ومنطقة اليورو وفلسفتهما تحدّيًا وجوديًّا. إن مشروعًا قائمًا على التكامل الاقتصادي، وإزالة الحدود، والتضحية بالاستقلال الوطني من أجل الصالح العام، بات الآن في صراع لا يُمكن التوفيق بينه وبين نموذج "المصالح الوطنية أولًا" الذي يمثله القوميون. هذا الخلل في الهوية والمؤسسات سيكون نقطة ضعف الاتحاد الأوروبي الأساسية؛ خلل لن يُعالج بإنقاذات من البنك المركزي الأوروبي أو بقمع الشرطة في الشوارع".
إلقاء أم القنابل على الاقتصاد الأميركي
كتبت صحيفة رسالت: "عشية انتخابات التجديد النصفي الحاسمة للكونغرس الأميركي، تشير التقارير الرسمية إلى موجة تضخم جديدة تعود إلى اقتصاد الولايات المتحدة، مستهدفةً هذه المرة قلب المناطق الريفية وقاعدة دونالد ترامب الانتخابية الرئيسية. ووفقًا لموقع بلومبيرغ الإخباري التحليلي، فإن مغامرات البيت الأبيض العسكرية في الحرب ضد إيران، وانعدام الأمن في مضيق هرمز، إلى جانب حرب ترامب التجارية، قد أدت إلى قفزة غير مسبوقة في أسعار الوقود والأسمدة الكيميائية وخدمات النقل، مما يضغط بشدة على سبل عيش المزارعين وسكان الولايات التقليدية؛ أزمة مفتعلة، مع انخفاض ملحوظ في رضا مؤيدي الحزب الحاكم، وضعت الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ومجلس النواب في خطر جسيم".
تتابع الصحيفة: "لقد غيّر الرئيس دونالد ترامب جغرافية التضخم. فبعد سنوات من ارتفاع أسعار المستهلكين بوتيرة أسرع في المدن الأميركية الكبرى، جعلت حرب ترامب على إيران والتعريفات الجمركية العالمية المناطق الريفية الأميركية محورًا رئيسيًّا لقنبلة التضخم. وفي منعطف حاسم بالنسبة للجمهوريين الساعين للحفاظ على أغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، التي لم يتبقَّ عليها سوى أقل من ثلاثة أسابيع، أفاد مكتب إحصاءات العمل الأميركي يوم الأربعاء أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع بنسبة 3.7% في سبتمبر/أيلول مقارنةً بالعام الماضي، متجاوزًا بذلك متوسط توقعات الاقتصاديين في استطلاع أجرته بلومبيرغ، ما دفع متداولي وول ستريت إلى زيادة رهاناتهم على اضطرار الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة مجددًا قبل نهاية الشهر".
كما كشفت الصحيفة أن التقرير، بالإضافة إلى إظهاره تسارع التضخم، أن أسعار المستهلك في المناطق الريفية ترتفع بوتيرة أسرع من نظيرتها في المناطق الحضرية، حيث بلغ التضخم 4% في المناطق الريفية و3.6% في المناطق الحضرية خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. وقد تزايد هذا الاتجاه منذ بدء الحرب مع إيران في أواخر فبراير/شباط. علاوة على ذلك، بلغ الفارق بين التضخم في الريف والحضر هذا العام أعلى مستوى له منذ عام 2022، مباشرةً بعد الحرب الروسية مع أوكرانيا. يعود السبب الرئيسي لمعاناة المناطق الريفية بشكل أكبر إلى ارتفاع تكلفة وقود السيارات، بما في ذلك الديزل والبنزين (اللذان ارتفعا بنسبة 35% خلال العام الماضي). وتُشكل هذه الأنواع من الوقود نسبةً أكبر بكثير من ميزانيات الأسر خارج المناطق الحضرية، وفقًا لمسح الإنفاق الاستهلاكي الصادر عن مكتب إحصاءات العمل. كما تعتمد المناطق الريفية الأميركية بشكل غير متناسب على أنواع الوقود المنزلي (التي ارتفعت أسعارها بنسبة 44%)، والتي تُستخدم في تدفئة المنازل وتسخين المياه والطهي في المناطق التي لا تصلها شبكات الكهرباء والغاز الطبيعي التقليدية، وخاصةً أجزاء من الغرب الأوسط والسهول الكبرى وجبال الأبلاش".
كما تقول الصحيفة: "على الرغم من ترويج ترامب لما أسماه اتفاقًا مع فلاديمير بوتين يسمح لروسيا بتصدير الديزل، إلا أن الرأي السائد هو أن الكمية المتفق عليها ضئيلة للغاية ولا تكفي لخفض الأسعار. حتى حلفاء ترامب الجمهوريون أنفسهم لا يؤيدون هذا الاتفاق. يشكل الناخبون الريفيون شريحة كبيرة من قاعدة ناخبي الحزب الجمهوري. ففي عام 2024، أيد 69% من الناخبين الريفيين ترامب، مقابل 29% فقط للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، وهو أكبر هامش فوز لترامب في الانتخابات العامة الثلاث التي خاضها. ورغم أن المجتمعات الريفية لا تمثل سوى خُمس سكان الولايات المتحدة، إلا أنها تلعب دورًا يتجاوز بكثير عدد سكانها في تحديد تركيبة مجلس الشيوخ، حيث يُمثل كل ولاية، بغض النظر عن حجمها أو عدد سكانها، عضوان في المجلس. ففي ولاية كانساس، على سبيل المثال، يتمتع كل ناخب في مجلس الشيوخ بنفوذ يفوق نفوذ الناخب في كاليفورنيا بنحو 13 ضعفًا".
لقد مثلت صدمة الطاقة تحولًا واضحًا عن السنوات الأخيرة، كما تتابع الصحيفة، وتقول بأن ذلك :"حين كانت أسعار الطاقة مستقرة نسبيًّا، وكانت تكاليف السكن المتزايدة -وهي نفقات رئيسية لسكان المدن- هي المحرك الرئيسي للتضخم. كان لتعريفات ترامب الجمركية أثر مماثل، إذ ألحقت أشد الضرر بالمجتمعات التي تعتمد على السيارات الخاصة في ظل غياب وسائل النقل العام. ووفقًا لمكتب إحصاءات العمل، تمثل مشتريات السيارات 7.9% من ميزانيات الأسر الريفية، مقارنةً بـ 6.5% للأسر الحضرية. على سبيل المثال، أدت التعريفات إلى ارتفاع أسعار قطع غيار السيارات، ما رفع تكلفة خدمات صيانة السيارات بنسبة 5.8% مقارنةً بالعام الماضي. وتمثل صيانة السيارات وإصلاحها 1.5% من ميزانيات الأسر الريفية و1.2% من ميزانيات الأسر الحضرية. وبالطبع، لم تُحدث تعريفات ترامب الجمركية تأثيرًا يُذكر على أسعار السيارات الجديدة، ويعود ذلك في الغالب إلى أن شركات صناعة السيارات تتحمل -في الوقت الراهن- التكاليف الإضافية بنفسها".
هذا؛ وتختم الصحيفة: "لعله من المحتوم أن يظهر هذا التغير في التضخم في استطلاعات الرأي. أدى قرار ترامب بالانضمام إلى "إسرائيل" في مهاجمة إيران في البداية إلى تعطيل شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز الحيوي، مما رفع أسعار سلع مثل الأسمدة والديزل، الأمر الذي أثر فورًا على المزارعين وشركات النقل بالشاحنات، ثم على المستهلكين. ومع ازدياد عدد السفن العابرة للمضيق حاليًّا، إلا أن المخاطر أدت إلى ارتفاع أسعار الشحن بشكل كبير، مما زاد من الضغوط التضخمية."