مقالات
عميد وخبير عسكري واستراتيجي
تشهد المنطقة في هذه المرحلة تحولات جوهرية أعادت صياغة المفاهيم التقليدية للتفوق العسكري، حيث لم تعد القوة القياسية وحدها (المتمثلة في الجيوش التقليدية الكلاسيكية) هي الفيصل في حسم الصراعات، بل أثبتت العقيدة العسكرية اللامركزية وقدرات الردع غير المتناظرة فاعلية كبرى. وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز جبهتا إيران واليمن كنموذجين متكاملين أثبتا قدرة فائقة على الصمود، وتطوير أدوات المواجهة، وفرض معادلات اشتباك جديدة أعادت رسم التوازنات الإقليمية والدولية.
أولًا: الجبهة الإيرانية.. هندسة الصواريخ الباليستية والاكتفاء العسكري الذاتي
نجحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مدار العقود الماضية في تحويل الحصار والعقوبات الاقتصادية العسكرية إلى حافز استراتيجي لتطوير بنية تحتية عسكرية تعتمد على الاكتفاء الذاتي الكامل تقريبًا في مجالات القوة الصاروخية والمسيرات والدفاع الجوي.
ففي ترسانة الردع الاستراتيجي، تمكنت إيران من بناء منظومة صاروخية متطورة للغاية تضم صواريخ فرط صوتية (هايبرسونيك) مثل "فتاح"، قادرة على اختراق أحدث المنظومات الدفاعية المعادية بفضل مناورتها العالية وسرعتها الفائقة. هذا التفوق في تكنولوجيا الدفع الصاروخي والملاحة الدقيقة خلق حالة من "التوازن الرادع"، جاعلًا أي تفكير في عدوان شامل مكلفًا للغاية ومحفوفًا بمخاطر استراتيجية كبرى.
أما فيما يتعلق بالعمق الدفاعي والمدن الصاروخية، فتعتمد الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية على شبكة واسعة من القواعد المحصنة تحت الأرض (المدن الصاروخية) والموزعة جغرافيًا في جبال البلاد، ما يجعل قدرة تدمير الترسانة الاستراتيجية الإيرانية بضربة استباقية أمرًا شبه مستحيل، ويضمن حق الرد الساحق والمؤلم.
أما القدرة التقنية والسيادة التكنولوجية، فقد أثبت المهندسون العسكريون الإيرانيون قدرتهم على الابتكار في مجالات الحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي الموجه للطائرات المسيرة، ما جعل الصناعات العسكرية الإيرانية تنافس عالميًا من حيث الفاعلية وبتكلفة إنتاج منخفضة للغاية مقارنة بالترسانات الغربية باهظة الثمن.
ثانيًا: الجبهة اليمنية.. معجزة التصنيع العسكري وسيد بحار الاستراتيجية
أما على الجبهة اليمنية، فقد قدمت صنعاء نموذجًا عسكريًا فريدًا ومذهلًا في إدارة المعارك في ظل حصار خانق وظروف قاسية؛ حيث استطاع اليمنيون الصمود ونقل المعركة إلى مستوى استراتيجي غير مسبوق أثر بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية وأمن الملاحة الدولية.
فقد تمكن أنصار الله من تحقيق قفزة نوعية في مجال الترسانة البحرية والجوية حيث تحولت اليمن إلى مركز إقليمي لتصنيع الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، والطائرات المسيرة الهجومية (مثل طائرات صماد)، فضلًا عن تطوير الزوارق المسيرة والأسلحة البحرية الموجهة القادرة على إصابة أهدافها بدقة متناهية.
إضافة الى ذلك، فقد تمكنوا من التحكم بمضيق باب المندب والجغرافيا الحاكمة. فعسكريًا، يكمن الذكاء اليمني في الاستثمار الأمثل للجغرافيا؛ فالسيطرة على الساحل الغربي المطل على باب المندب والبحر الأحمر منحت القوات اليمنية ورقة ضغط استراتيجية لا تقدر بثمن. لقد تحولت قطعة جغرافية ضيقة إلى "بوابة إغلاق وتحكم" عطلت الحسابات البحرية لقوى عظمى، وأثبتت عجز الأساطيل الغربية عن تأمين الملاحة الموجهة نحو الكيان "الإسرائيلي" أو المصالح المرتبطة به.
والأهم من كل ذلك، تكمن عقيدة المقاومة الشعبية والجاهزية القتالية، حيث يعتمد التفوق اليمني على عنصر البشر والعقيدة القتالية الصلبة؛ فالقدرة العالية على المناورة البرية، والاحترافية في التخفي والتمويه، وإنشاء التحصينات المعقدة في البيئة الجبلية القاسية، إلى جانب الحشد الجماهيري والتعبئة الواسعة، جعلت الجبهة البرية اليمنية صخرة تقف وتتحطم عليها كافة رهانات القوى المعتدلة والمتحالفة ضدها.
ثالثًا: التكامل الاستراتيجي وتكامل الساحات
ما يمنح جبهتي إيران واليمن قوة مضاعفة في هذه المرحلة هو مفهوم وحدة الساحات وتكامل القدرات:
التكامل الاستخباراتي والتقني: الاستفادة المتبادلة من الخبرات العسكرية والتقنية ساهمت في تطوير قدرات الردع المشترك، وجعلت هذين الطرفين جزءًا أساسيًا من معادلة أمن الإقليم التي لا يمكن تجاوزها.
استنزاف الخصوم اقتصاديًا وعسكريًا: نجحت العمليات المنسقة في فرض تكلفة اقتصادية هائلة على المنظومة الاقتصادية العالمية الحليفة للخصوم، عبر إطالة أمد المواجهة واستنزاف صواريخ الاعتراض الباهظة الثمن لمنظومات الدفاع الجوي المعادية (مثل باتريوت وثاد وغيرهما) بصواريخ ومسيرات ذات كلفة إنتاجية زهيدة.
الخلاصة
تثبت المعطيات العسكرية الراهنة أن جبهتي إيران واليمن خرجتا من عباءة الدفاع التقليدي إلى فضاء فرض القواعد وتغيير المعادلات. فإيران بقوتها الصاروخية الرادعة وعمقها الاستراتيجي، واليمن بعبقريته الميدانية وتحكمه المطلق بالممرات المائية الحيوية، يشكلان معًا محورًا عسكريًا صعب المراس، أثبت أن الإرادة الوطنية المستقلة والاعتماد على الذات قادران على كسر احتكار القوى الكبرى للتفوق العسكري والتقني.