مقالات مختارة
علي حسن مراد - صحيفة الأخبار
قبل تسعة أيام من الانتخابات "الإسرائيلية"، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تغريدة، دعمه الكامل لرئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، في خطوة خرج فيها عن أحد الأعراف التي حكمت العلاقات بين الجانبَين. برّر ترامب - وهذا هو الأهمّ - تدخُّله في الانتخابات، بالقول إن وصول أيّ شخص آخر إلى السلطة في تل أبيب سيضطرّ واشنطن إلى إكمال المهمّة ضدّ طهران بمفردها، «وهو أمر لا يرغب فيه» – كما قال -، ليردّ عليه نتنياهو بأنهما «سيكملان المهمّة معاً». أنبأت تلك التصريحات بمستوى من الترابط بين المصالح السياسية للرجلَين، يتجاوز حدود التحالف التقليدي؛ فاستمرار نتنياهو في الحكم بات، وفق حسابات ترامب، جزءاً من متطلّبات استكمال الحرب على إيران، ولا سيما بعدما تحوّلت نتائج هذه الحرب إلى عبء سياسي يتقاسمه الطرفان.
شهدت العلاقات الأميركية – "الإسرائيلية" تدخُّلات سابقة في الانتخابات. ففي مطلع التسعينيات، اصطدم جورج بوش الأب برئيس الحكومة إسحاق شامير بسبب الاستيطان، وأرجأ ضمانات قروض بقيمة عشرة مليارات دولار. ومن ثمّ، خسر شامير انتخابات 1992 أمام إسحاق رابين، فيما خسر بوش أيضاً الرئاسة أمام بيل كلينتون في العام نفسه. أيضاً، أظهر كلينتون تفضيلاً واضحاً لشمعون بيريس قبيل انتخابات 1996، التي انتهت بفوز نتنياهو. غير أن نتنياهو نفسه كان من أبرز المساهمين في تحطيم القواعد التقليدية للعلاقة بين واشنطن و"تل أبيب". ففي آذار 2015، لبّى دعوة رئيس مجلس النواب، «الجمهوري» جون باينر، إلى إلقاء خطاب أمام «الكونغرس»، أراد من خلاله تقويض المفاوضات النووية التي كانت تخوضها إدارة باراك أوباما مع إيران. يومها، استعان نتنياهو بـ«الجمهوريين» لمواجهة رئيس «ديمقراطي»، وساهم في إدخال العلاقة مع "إسرائيل" إلى قلب الاستقطاب الحزبي الأميركي. وبعد أربع سنوات، ردّ ترامب الجميل باعترافه بـ«السيادة» "الإسرائيلية" على الجولان السوري المحتلّ، وذلك قبل أسابيع من الانتخابات التي خاضها زعيم «الليكود».
اليوم، يبدو أن نتنياهو يجني ثمار المسار الذي ساهم في تأسيسه، فيما يبدو أن ترامب الذي تحدّى، خلال ولايته الثانية، التوجُّهات التقليدية للمؤسّسات الأميركية - وهو ما تجلّى في الحروب التجارية والتعرفات الجمركية على الحلفاء وصولاً إلى سياسته تجاه روسيا -، يجد في «بيبي» شريكاً تتقاطع مصالحه معه، وخصوصاً في المقاربة التصعيدية تجاه إيران. كذلك، ثمّة مصلحة انتخابية مباشرة ينبغي أخذها في الاعتبار، فقد جاء تأييد ترامب لنتنياهو قبل نحو أسبوعَين من انتخابات «الكونغرس»، التي يحتاج فيها «الجمهوريون» إلى تمويل ضخم للحفاظ على أغلبيتهم، في حين تحتلّ شبكة المليارديرات المُكوّنة من أصدقاء نتنياهو الشخصيين موقعاً مهمّاً في سلّم هذا التمويل، وفي مقدّمها ميريام أديلسون، التي جمعت علاقاتٌ تاريخية وثيقة بين عائلتها وكلّ من الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء "الإسرائيلي". والجدير ذكره، هنا، أن أديلسون قدّمت، خلال الدورة الانتخابية الحالية، نحو 67.6 مليون دولار، بينها 30 مليوناً لصندوق دعم «الجمهوريين» في مجلس الشيوخ، وعشرة ملايين لنظيره في مجلس النواب، و25 مليوناً للجنة «MAGA Inc». ورغم أن هذه الأموال صُرفت قبل إعلان التأييد، إلّا أن الحفاظ على العلاقة مع تلك الدوائر المالية يظلّ يمثّل مصلحة إضافية لترامب، خصوصاً أن بعضها ساهم تاريخياً في دعم نتنياهو أيضاً.
تتداخل في دعم ترامب لنتنياهو ثلاثة اعتبارات
لكن، لماذا لا يفضّل ترامب وصول المعارضة "الإسرائيلية" إلى الحُكم، رغم أن بعض مستشاريه يقدّرون أن خسارة نتنياهو قد تخدم أجندته الشرق أوسطية؟ الواقع أن حكومة جديدة، لا يكون على رأسها نتنياهو، قد تعيد تنظيم العلاقة مع الولايات المتحدة عبر مؤسّساتها السياسية والعسكرية والأمنية، وتتبنّى مقاربة أكثر استقلالية عن الحسابات الشخصية للرئيس الأميركي. ومع أن أبرز منافسي نتنياهو يتبنّون مواقف تُزايد عليه في التشدُّد تجاه إيران، ويُرجَّح أن يكون خيارهم توسيع العدوان على الأخيرة، فإن حكومة بديلة بقيادتهم ستمتلك هامشاً سياسياً يسمح لها بتحميل زعيم «الليكود» مسؤولية القرارات السابقة وأكلافها المتراكمة، مع تقديم نفسها بوصفها قيادة تسعى إلى تصحيح أخطائه. أمّا ترامب، صاحب قرار الانخراط الأميركي في المواجهة، والشريك المباشر في إدارتها منذ البداية، فسيتلقّى، إذا ما استأنف القتال وفشل مجدّداً في فرض شروطه على إيران، تبعات سياسية يصعب التنصّل منها، خصوصاً في ظلّ التداعيات الاقتصادية للصراع. ولذلك، فإن بقاء نتنياهو يتيح له إدامة الشراكة في الدفاع عن قرارات الحرب ونتائجها، وتصديرها بوصفها مهمّة لم تُنجَز بعد.
لا تعني هذه الشراكة غياب التمايز في الآراء؛ إذ أفادت تسريبات صحافية بأن ترامب عارض تنفيذ هجوم جديد على إيران كان نتنياهو يحضّر له خلال هذا الشهر، وذلك خشية انعكاساته على انتخابات التجديد النصفي في الثالث من تشرين الثاني. كما أن الرئيس الأميركي سعى، من خلال صفقة الديزل مع روسيا، إلى التخفيف من وقع الأزمة الناجمة عن الحرب على المزارعين الأميركيين، وهو اعتبر أيضاً، قبل نحو أسبوعين، أن الإيرانيين واليمنيين يسعون لرفع أسعار الطاقة للتأثير على نتائج الانتخابات.
في النتيجة، تتداخل في دعم ترامب لنتنياهو ثلاثة اعتبارات: أولها، استمرار الشراكة في الحرب على إيران، وثانيها، الحفاظ على المصالح الانتخابية والمالية المرتبطة باليمين الأميركي، وثالثها، تجنّب الانفراد بالمسؤولية عن نتائج مواجهة لم تحقّق أهدافها بعد. ولعلّ المفارقة الأبرز هنا، أن نتنياهو، الذي ساهم طوال العقد الماضي في نقل العلاقة الأميركية - الإسرائيلية إلى ساحة الاستقطاب الحزبي داخل الولايات المتحدة، أصبح اليوم شريكاً يحتاج إليه ترامب في مواجهة الاستحقاقات التي أفرزتها حربهما المشتركة.