مقالات
لا تقتصر أهمية الاجتماع الرباعي الذي شهدته طهران، والذي ضم إلى جانب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي، أطراف اتفاق مكة، على مضامينها السياسية أو النتائج المباشرة التي قد تتمخض عنها. فدلالتها الأعمق تكمن في ما تعكسه من تحوّل في مقاربة دول المنطقة لموقع إيران في معادلة الأمن الإقليمي، بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها وما أفرزته من وقائع وموازين قوى. ويبدو أن هذا التحوّل يستند إلى إدراك متزايد بأن احتواء التهديدات لا يتحقق بالضرورة عبر المواجهة العسكرية، وأن بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا يقتضي التعامل مع إيران بوصفها قوة قائمة ومؤثرة، بصرف النظر عن طبيعة الخلافات معها.
في هذا السياق، يكتسب اتفاق مكة أهمية تتجاوز بنوده المعلنة. فهو يعكس اتجاهًا لدى دول المنطقة إلى تنويع مرتكزاتها الأمنية، وتقليص اعتمادها الحصري على الولايات المتحدة. ولا يعني ذلك التخلي عن الشراكة الإستراتيجية مع واشنطن، بقدر ما يشير إلى مراجعة حدود هذه الشراكة وقدرتها على توفير الحماية في ظروف المواجهات الكبرى. ومما يؤكد هذا البعد الإستراتيجي أيضاً كون الممثلين لبلدانهم؛ وزير الدفاع السعودي وقائد الجيش الباكستاني ورئيس الاستخبارات التركية.
ومن الواضح أن نتائج الحرب على إيران عززت هذا الإدراك، بعدما أظهرت أن الوجود العسكري الأميركي، على أهميته، لا يحول بالضرورة دون تعرض المصالح الحيوية لدول المنطقة لأخطار جسيمة.
لكن الدلالة الأبرز تتجلى في التوجه إلى طهران نفسها. فالاجتماعات تنطوي على إقرار عملي بأن إيران ليست مجرد مصدر تهديد ينبغي احتواؤه، بل طرف يمتلك من عناصر القوة والنفوذ ما يجعله حاضرًا في أي ترتيبات إقليمية قابلة للاستمرار. وتزداد أهمية هذا الاعتبار بالنظر إلى علاقات طهران مع قوى إقليمية فاعلة، وفي مقدمتها أنصار الله في اليمن، وما تتيحه هذه العلاقات من قدرة على التأثير في أمن الممرات البحرية وحركة التجارة والطاقة.
ولا يستلزم هذا الإقرار قبول السياسات الإيرانية أو التسليم بمطالب طهران. بل يعكس تمييزًا بين معارضة سلوك إيران وبين الاعتقاد بإمكان تجاوزها عند صياغة التوازنات الإقليمية. وهنا يكمن أحد التحولات المهمة في الحسابات السياسية لدول المنطقة: الانتقال من التركيز على كيفية تقليص النفوذ الإيراني إلى البحث أيضًا في كيفية إدارة التعايش معه، ضمن ترتيبات تحدّ من احتمالات الصدام.
وتكتسب هذه المقاربة إلحاحًا إضافيًا في ظل احتمال استئناف المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة. فالدول الإقليمية تدرك أنها ستكون من بين الأطراف الأكثر تعرضًا لتداعيات أي تصعيد جديد، سواء عبر استهداف منشآت الطاقة والموانئ أو تهديد الملاحة وسلاسل الإمداد. لذلك، فإن انفتاحها على طهران لا ينفصل عن مصلحة أمنية واقتصادية مباشرة في منع تجدد الحرب، أو على الأقل الحد من نطاقها وتداعياتها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الاجتماعات بوصفها محاولة لتحقيق هدفين متلازمين: إقناع القيادة الإيرانية بإبداء مرونة حيال المطالب المطروحة عليها، وطمأنتها في المقابل إلى أن اتفاق مكة لا يستهدف محاصرتها أو إنشاء اصطفاف إقليمي معادٍ لها. وعليه، لا يبدو اتفاق مكة والحوار مع طهران مسارين متناقضين، بل أداتين ضمن مقاربة أمنية واحدة. فتعزيز القدرات الذاتية والتعاون الإقليمي يهدف إلى تحسين شروط الردع وتقليص مواطن الضعف، فيما يستهدف الحوار منع تحوّل الخلافات إلى مواجهات مفتوحة. وبهذا المعنى، لا يشكل الانفتاح على إيران تعبيرًا بالضرورة عن الثقة بها، وإنما عن إدراك أن الردع وحده لا يكفي لإنتاج الاستقرار، مثلما أن التفاهمات السياسية لا تغني عن امتلاك عناصر القوة.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن هذا المسار ينطوي على دلالات إستراتيجية غير مريحة. فبينما لا تزال أوساط إسرائيلية تراهن على إمكان توظيف القوة العسكرية لإضعاف إيران وتغيير سلوكها، تكشف التحركات الإقليمية عن تباين في تقدير جدوى الحرب وكلفتها. فالدول المعنية لا تنطلق بالضرورة من موقف أكثر إيجابية تجاه طهران، وإنما من حسابات ترى أن إضعاف إيران عسكريًا لا يضمن إزالة مصادر التهديد، وقد يفضي إلى اضطرابات أشد خطورة على أمنها واقتصاداتها.
وتتجاوز حساسية هذا التطور بالنسبة إلى إسرائيل مسألة الاعتراض على الحوار؛ إذ إن الاعتراف العملي بمكانة إيران، والتعامل معها بوصفها طرفًا لا غنى عن مشاركته في ترتيبات الاستقرار، قد يحدّ من فرص بناء اصطفاف إقليمي واسع يدعم خيارات المواجهة العسكرية ضدها. كما أنه يمنح طهران هامشًا سياسيًا أوسع، حتى لو بقيت الخلافات الجوهرية بينها وبين العواصم الإقليمية قائمة.
في المحصلة، لا يُتوقع أن تفضي اجتماعات طهران إلى ردم الفجوات العميقة بين إيران وكل من السعودية وتركيا، أو إلى نشوء منظومة أمنية مشتركة في المدى القريب. غير أن أهميتها لا تقاس بهذه النتائج وحدها. فهي تؤشر إلى تحوّل تدريجي في التصور الإقليمي، يقوم على الجمع بين ردع إيران والاعتراف بضرورة التعايش معها، بدل الرهان على إمكان إخراجها من معادلة القوة.
وإذا تكرّس هذا الاتجاه، بالتزامن مع أي تعديل محتمل في انتشار القوات الأميركية وأدوارها الإقليمية، فقد يشكل مدخلًا لإعادة صياغة النظام الأمني في الشرق الأوسط. ولن يكون جوهر هذا التحول انتهاء الصراعات أو زوال التهديدات، بل اتساع القناعة بأن إدارة موازين القوى والتفاهم بين الخصوم قد يكونان أكثر واقعية وأقل كلفة من محاولة فرض نظام إقليمي بالقوة العسكرية وحدها.