مقالات مختارة
علي حسن مراد - صحيفة "الأخبار"
في واشنطن، لا تحتاج الاتهامات دائمًا إلى أدلّة، يكفي أن تتقاطع السياسة مع الخيال، وأن تتركّز التّهمة في جلسات استماع تنظّمها لجان الكونغرس بغرفتَيه لبرهة من الزمن. هكذا وُلدت رواية "حزب الله في فنزويلا"، كمُنتَج سياسي جاهز، صُمّم ليخدم أكثر من غاية في آنٍ واحد، من شيطنة الأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية تمهيدًا لإسقاطها ونهب ثرواتها، إلى تصدير صورة عدوّ "كوني" يبرّر كلّ ما تقوم به "إسرائيل" في الشرق الأوسط، إلى شدّ عصب انتخابي استفاد منه تاريخيًا مرشّحو الحزب الجمهوري الأميركي.
منذ منتصف العقد الأول من الألفية، تحوّل اسم حزب الله إلى عنصر ثابت في جلسات الاستماع التي عقدها الكونغرس الأميركي حول أميركا اللاتينية، خصوصًا فنزويلا. البداية تعود إلى عام 2005، مع صعود الأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية، وعلى رأسها نظام الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز.
في تلك المرحلة، بدأ نواب جمهوريون داخل الكونغرس التحذير مما وصفوه بـ "تهديد إرهابي" يقترب من الحدود الأميركية، عبر الربط بين تشافيز، وكوبا، وإيران، وحزب الله. هذا الربط لم يكن معزولًا عن السياق السياسي العام، بل جاء في إطار مواجهة أوسع مع الأنظمة التي انتهجت سياسات مناهضة للهيمنة الأميركية.
تصاعدت الاتهامات في عام 2006، قبل وقت قصير من أول زيارة للرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد إلى كاراكاس. في تلك المرحلة، بدأ نواب أميركيون التحذير من تطوير فنزويلا علاقاتها بإيران، مع إدخال حزب الله كعنصر ثالث في المعادلة، في محاولة لخلق صورة "محور ثلاثي" (تشافيز-إيران-حزب الله) على غرار الربط الذي سبق غزو العراق بين صدام حسين وتنظيم القاعدة.
خلال السنوات اللاحقة، عُقدت عشرات جلسات الاستماع التي تناولت الدور المزعوم لحزب الله في أميركا اللاتينية، وبشكل أساسي في فنزويلا. ورغم أن هذه الجلسات لم تقدّم أدلة ملموسة على وجود عملياتي أو عسكري للحزب في فنزويلا، لعب تكرار الاتّهام دورًا أساسيًا في تحويل الادّعاءات إلى سردية "راسخة" في الإعلام وأغلب الأكاديميا الأميركية. فقد جرى التعامل مع الاتهام بوصفه نقطة انطلاق، وفق مفهوم "الأمْنَنَة" الذي يعني التدرّج بعملية إقناع الجمهور بضرورة التحرّك لدفع الخطر وتحييده.
أحد أبرز مصادر هذه المزاعم كان كتاب الصحافي الإسباني "أنطونيو سالاس"، الذي ادّعى اختراق شبكات مرتبطة بحزب الله وتنظيمات أخرى في فنزويلا. غير أنّ التدقيق في مضمون كتابه يكشف أنّ "الأدلّة" التي استند إليها لم تتجاوز مقالات صحافية معارضة لتشافيز وشهادات غير موثّقة. حتّى بعض الأكاديميين والباحثين الغربيين، بمن فيهم من يُصنَّفون قريبين من الدوائر الصهيونية، شكّكوا في مهنية هذه الروايات وفي صدقية الشخصيات التي قُدّمت بوصفها تمثّل حزب الله في فنزويلا.
في موازاة ذلك، انتقلت هذه الادّعاءات إلى الإعلام الأميركي والدولي، حيث جرى تداول قصص عن معسكرات تدريب مزعومة في جزيرة مارغريتا الفنزويلية، أو عن شبكة مالية يديرها الحزب بدعم من السلطات الفنزويلية. إلا أنّ تحقيقات صحافية مستقلّة، من بينها تحقيق لقناة الجزيرة عام 2009، أظهرت أنّ الجالية العربية في الجزيرة ذات غالبية سنّية، وأنْ لا وجود لأي دلائل على نشاط عسكري أو تنظيمي للحزب، لكن رغم ذلك، لم يؤدِّ نفي هذه المزاعم إلى تراجع الخطاب التحريضي.
المفارقة الأبرز تكمن في التناقض داخل المؤسسة الأميركية نفسها، ففي جلسات استماع في الكونغرس، أقرّ مسؤولون بارزون في وزارة الخارجية والسفارة الأميركية بعدم وجود أدلّة على نشاط عملياتي لحزب الله في أميركا اللاتينية وفي فنزويلا تحديدًا، مميّزين بين مزاعم "جمع التبرعات" وغياب أي قدرة تشغيلية أو عسكرية. ومع ذلك، استمر بعض النواب ومراكز الأبحاث في الترويج لخطاب الخطر الداهم.
لاحقًا، جرى توسيع هذه السردية عبر ربط حزب الله بملفات أخرى، مثل تجارة المخدّرات أو الكارتيلات المكسيكية، وصولًا إلى مزاعم عن علاقته بشخصيات مثل "إل تشابو". غير أن وثائق قضائية وتقارير صحافية كشفت لاحقًا هشاشة هذه الادّعاءات، بل وأظهرت في بعض الحالات تعاونًا بين أجهزة أميركية وتلك الكارتيلات، ما ينسف أساس الخطاب الذي صُوّر كجزء من "الحرب على الإرهاب".
مع وفاة تشافيز ووصول نيكولاس مادورو إلى الحكم، لم تتوقّف الحملة، بل أُعيد إنتاجها بصيغة جديدة. بات النظام الفنزويلي يُقدَّم بوصفه "ملاذًا للإرهاب"، واستُخدمت أسماء مسؤولين مثل طارق العيسمي (السوري الأصل) لتضخيم صورة الخطر، حتّى عندما لم يتضمّن بيان العقوبات الأميركية الرسمية بحقّه أيّ اتهام مباشر له بالتعاون مع حزب الله.
بين عامي 2005 و2018 عُقد ما يقارب 100 جلسة استماع في غرفتَي الكونغرس الأميركي تناولت زعم وجود عملياتي لحزب الله في أميركا اللاتينية، نحو 40 جلسة منها تناولت فنزويلا تحديدًا بوصفها دولة "تسهّل" نشاط حزب الله. أغلب الخبراء الذين دُعوا للإدلاء بشهاداتهم في هذه الجلسات بصفتهم "خبراء" كانوا من مراكز بحثية تتبع اللوبي الصهيوني، والجناح "الليكود"ي منه تحديدًا (خاصة مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات). هذا التكرار المُنتظَم، حتّى في ظل غياب الأدلة، ساهم في تحويل الادّعاء إلى ما يشبه "الحقيقة الدامغة" في الخطاب السياسي الأميركي.