مقالات مختارة
حمزة الخنسا - صحيفة الأخبار
يتجاوز التحليق "الإسرائيلي" المكثف للمسيّرات في سماء لبنان كونه خرقًا للسيادة، ليُمثّل أوسع عملية تغذية حيّة لأنظمة الذكاء الاصطناعي بهدف بناء «بنك أهداف»، وكـ"تعويض تكنولوجي" عن الفشل البري المتكرر لجيش العدو.
لا يهدأ أزيز طائرات الاستطلاع "الإسرائيلية" في سماء بيروت وضاحيتها الجنوبية، وعلى طول الطرق المؤدية إلى البقاع والجنوب. غير أنّ ما يبدو خرقًا متكرراً للسيادة، تقرأه الأوساط العسكرية في "تل أبيب" من زاوية أكثر خطورة: فالتحليق الكثيف والمنخفض ليس مجرد استعراض قوة، بل يعدّ أكبر عملية تغذية حيّة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي لبناء «بنك أهداف» محدّث.
في القاموس العسكري "الإسرائيلي"، لا يُعدّ هذا المسح إجراءً دفاعيًا فقط، بل كـ"تمهيد ناري صامت". فحين تتحوّل البيانات المجمّعة من "معلومات استخباراتية" إلى "ملفات قصف جاهزة"، يكون العدّ العكسي لجولة قتال جديدة قد بدأ فعليًا، بانتظار القرار السياسي.
وليس التحليق المكثف والمستفز لطائرات الاستطلاع "الإسرائيلية" امتداداً عشوائيًا للمعركة، بل هو في جوهره "هروب تكتيكي" من إخفاق بري لا يزال يلقي بظلاله على هيئة الأركان "الإسرائيلية". فقد أثبتت معارك عام 2024 أن الجيش "الإسرائيلي"، رغم تفوقه التكنولوجي الهائل، لا يزال أسير "عقدة فينوغراد"، إذ تكررت أخطاء حرب تموز 2006 بحذافيرها مع أول التحام بري مباشر مع المقاومة.
ووثّق المراسل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" يوسي يهوشع، حالة التخبط وفقدان الانضباط التي عانت منها ألوية النخبة، مثل "غولاني" و"إيغوز"، خلال محاولات التوغل البري، مشيرًا إلى تفضيل القوات الانسحاب وتجنب الوقوع في "مصائد الموت" وكمائن المسافة صفر، وهو ما لخّصه الجنود بعبارة صريحة: "لن ننتحر".
هذا العجز البري ترافق مع ما وصفته مراكز أبحاث "إسرائيلية" بـ"العمى الاستخباراتي الميداني". فبحسب تحليلات متطابقة لخبراء عسكريين"إسرائيليين"، استهلك الجيش "الإسرائيلي" "بنك أهدافه البشري" خلال الأسابيع الأولى من الحرب. ومع غياب القيادات التاريخية للمقاومة وظهور قيادات ميدانية جديدة غير موثّقة في سجلات شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، وجد جيش العدوّ نفسه يقاتل "أشباحًا" بلا بيانات دقيقة. ولخّص الجنرال الاحتياط إسحاق بريك هذه المعضلة بالحديث عن "تآكل سلاح المشاة والاعتماد المرَضي المفرط على سلاح الجو". وأمام هذا الواقع، لم تجد القيادة "الإسرائيلية" بداً من "الهروب إلى السماء" لتعويض العجز الأرضي بقوة نارية غاشمة وخوارزميات مبرمجة.
"خوادم طائرة"
لا يقتصر دور أسراب المسيّرات "الإسرائيلية" التي لا تفارق الأجواء اللبنانية على مهمات التصوير التقليدي، بل تعمل فعليًا كـ"خوادم طائرة" (Flying Servers)، مهمتها الحصرية تغذية أنظمة الذكاء الاصطناعي بمعطيات حيّة بصورة مستمرة وسريعة، لتوليد أهداف جديدة آلياً من دون تدخل بشري يُذكر.
وكشفت تقارير استقصائية "إسرائيلية" (نُشرت في "سيحا ميكوميت" و"هآرتس") عن تحوّل جذري داخل أروقة الوحدة 8200 نحو الاعتماد على نظامَي الذكاء الاصطناعي "هابسورا" (البشارة) و"لافندر". وتعتمد هذه الخوارزميات على مقاطعة الصور الجوية الثلاثية الأبعاد (3D Mapping) التي تلتقطها المسيّرات مع بيانات حركة السير وبصمات الهواتف. وهنا تكمن الخطورة القصوى على البيئة المدنية والإدارة المحلية، إذ تفتقر هذه الأنظمة الآلية إلى التمييز الإنساني.
ففي أحياء مكتظة مثل الغبيري، تتطلب إدارة الشأن العام حركة دؤوبة لمعالجة تداعيات الدمار وتأمين الخدمات. غير أن خوارزمية مثل "هابسورا" قد تفسّر حركة آليات بلدية (كجرافات رفع الردميات أو شاحنات النقل) على أنها "أنشطة لوجستية عسكرية". وهكذا يتحول العمل المدني البحت إلى هدف "مشروع" ضمن البنك "الإسرائيلي"، في ظل اعتراف ضباط "إسرائيليين"، في تسريبات لصحيفة "كالكاليست"، بوجود هامش خطأ "مرعب" يضع العمل الخدماتي بأكمله تحت مقصلة الاشتباه.
بنك الأهداف "المرن"
ولم يعد بنك الأهداف "الإسرائيلي" مقتصرًا على المنصات الصاروخية. فقد أحدثت القدرة الفائقة للذكاء الاصطناعي على معالجة "البيانات الضخمة" تحولًا دراماتيكيًا نحو ما يمكن تسميته بـ"بنك الأهداف المرن"، الذي يضع العصب المالي والاقتصادي للبيئة الحاضنة للمقاومة تحت مجهر الاستهداف المباشر.
وتؤكد تحليلات مركز "ألما" ومعهد دراسات الأمن القومي (INSS) أن "اسرائيل" تبنّت استراتيجية "كيّ الوعي الاقتصادي". واعتبرت الصحافة العبرية أن تدمير البنية التحتية المدنية والاقتصادية (كما حدث مع فروع مؤسسة القرض الحسن) يشكّل مسارًا إجباريًا لـ"فك الارتباط" بين الحاضنة الشعبية والهيكل التنظيمي لحزب الله.
وفي هذا الإطار، تتضح الوظيفة الأخطر لطائرات الاستطلاع، فهي تراقب دورة الحياة الاقتصادية، وترصد مسارات الشاحنات وتدفق الخدمات الأساسية، فيما تتولى الخوارزميات جمع هذه البيانات لتكوين "بنك أهداف اقتصادي". والهدف غير المعلن من هذا الرصد المكثف هو ممارسة "هندسة اجتماعية بالنار" لرفع كلفة الصمود الاجتماعي إلى مستويات غير محتملة قبل إطلاق الرصاصة الأولى.
من "الرصد" إلى "ملفات القصف"
متى يتحول هذا الرصد الجوي الكثيف إلى نار فعلية؟ في العقيدة العسكرية "الإسرائيلية"، لا يُعدّ الاستطلاع المفتوح إجراءً دفاعيًا فحسب، بل إن امتلاء "بنك الأهداف" يمثل المؤشر العملياتي الأخطر على اقتراب "الساعة الصفر".
المعلومات التي تجمعها المسيّرات لا تُحفظ كبيانات خام، بل تُحوَّل آلياً إلى "ملفات قصف جاهزة" (Target Folders) تُربط مباشرة بأسراب الطائرات المقاتلة. ويشير محللون بارزون، مثل عاموس هرئيل في "هآرتس"، إلى أن القيادة "الإسرائيلية" تقيس باستمرار ما تسميه "عتبة عدم التسامح". فعندما تُظهر التقارير أن جهود "الترميم" لدى المقاومة تجاوزت نسبة معينة، يتحول ذلك إلى مبرر جاهز لشن ضربة استباقية.
تكررت أخطاء حرب تموز 2006 بحذافيرها مع أول التحام بري مباشر مع المقاومة
وبحسب هؤلاء، تعمل هذه الكثافة الجوية بمنزلة "تمهيد ناري صامت" لكيّ الوعي المحلي. ولا تكتمل صورة الحرب الوشيكة إلا بالتزامن مع مؤشرات مرافقة، فعندما تترافق التسريبات حول "دقة بنك الأهداف" مع أوامر مفاجئة من "قيادة الجبهة الداخلية" برفع جاهزية المستشفيات في شمالي فلسطين المحتلة مثلاً، تكون الإشارة واضحة إلى سعي العدوّ إلى تقليص "دورة الاستهداف" - أي اختصار الزمن بين رصد الهدف وتدميره إلى ثوانٍ - بانتظار القرار السياسي.
الوجه الآخر للعجز البري
في المحصلة، لم تعد السماء اللبنانية مجرد مسرح لانتهاكات تقليدية للسيادة، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لمعركة سيبرانية واستخباراتية معقدة. تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي "الإسرائيلية" على مدار الساعة لتحويل كلّ نبض على الأرض (سواء كان لمقاتل، أو لآلية بلدية ترفع الأنقاض، أو لشاحنة تموين مدنية) إلى سلسلة إحداثيات ضمن بنك أهداف جاهز.
إلا أن هذا الاستعراض الجوي المتقدم لا يُعدّ بالضرورة دليلاً على تفوق مطلق، بل هو في جوهره "تعويض تكنولوجي" مباشر عن عجز بري مزمن. فكلما عجز سلاح المشاة وفشل الجندي "الإسرائيلي" في تثبيت السيطرة على الأرض، لجأت القيادة العسكرية إلى السماء، لتتحول "الشراهة الخوارزمية" في بناء بنك الأهداف إلى الوجه الآخر لانكسار الاندفاعة البرية.
وكدلالة عملانية، أظهرت الوقائع أن التوغل البري "الإسرائيلي" في تموز 2006 كان أعمق بكثير مما كان عليه في عام 2024. ففي الأيام الأخيرة من حرب الـ33 يومًا، وفي ما عُرف "إسرائيليًا" بعملية "تغيير الاتجاه 11"، اتخذت قيادة العدوّ قرارًا بالاندفاع البري السريع نحو نهر الليطاني. ووصلت القوات "الإسرائيلية"، مثل الفرقة 162 واللواء المدرع 401، إلى مناطق كوادي الحجير وبلدة الغندورية، التي تبعد بين 10 و15 كيلومتراً عن الحدود اللبنانية.
أما في حرب الـ66 يومًا، فكان التوغل البري للعدو محدوداً ومقيّداً إلى حد بعيد. وتركزت العمليات العسكرية والتدمير الممنهج بنسبة ساحقة في "الخط الأول" للقرى الملاصقة للحدود، بعمق يُراوح بين 1 و3 كيلومترات. وتشير المصادر إلى أن أعمق نقطة حاول جيش العدوّ الوصول إليها بلغت نحو 5 كيلومترات، من دون أن يتمكن من تثبيت بقائه فيها. وقع هذا التوغل الأعمق في منتصف تشرين الثاني 2024، عندما حاولت قوات العدوّ التقدم نحو "خط القرى الثاني" في القطاع الغربي، تحديدًا باتجاه بلدة شمع (حيث دُمّر مقام النبيّ شمعون) وأطراف بلدة البياضة، وهي مناطق تبعد قرابة 5 كيلومترات من الخط الأزرق، قبل أن تُجبر على التراجع تحت وطأة الاشتباكات مع مقاتلي المقاومة.