اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي اللجنة الفنية في الضمان: 9.8 مليارات دولار طارت من مدّخرات العمال

مقالات مختارة

مقالات مختارة

"اضرب قبل أن تُضرَب": إيران من الدفاع إلى الردع الهجومي

203

حسن حيدر - صحيفة "الأخبار"

شهدت العقيدة العسكرية الإيرانية، على مدى أكثر من أربعة عقود، تحوُّلًا بنيويًّا عميقًا، لم يقتصر على تحديث الأدوات أو تغيير الخطاب السياسي، بل طاول جوهر التفكير الأمني وطريقة إدارة الصراع، إذ إنتقلت إيران، تدريجيًّا، من إستراتيجية تقوم على "الدفاع داخل الحدود"، إلى عقيدة أكثر تقدُّمًا تعتمد "الردع الفعّال" و"الدفاع الهجومي"، وصولًا إلى ما بات يُعرَف اليوم بـ"الردع الاستباقي الشامل". وقد جاء هذا التحوّل كاستجابة حتميّة لتجارب ميدانية قاسية بدأت من خنادق الحرب مع العراق في الثمانينيات، وتراكمت عبر حروب غير متكافئة، وصولًا إلى الاشتباك المباشر مع "إسرائيل" والولايات المتحدة، العام الماضي.

وشكّلت الحرب الإيرانية - العراقية (1980 - 1988)، اللحظة التأسيسية الأولى للعقيدة العسكرية الإيرانية الحديثة؛ إذ لم تكن مجرّد صراع حدودي، بل حرب استنزاف شاملة مثّلت تهديدًا وجوديًّا للجمهورية الفتية، خصوصًا في ظلّ الحصار التسليحيى والدعم الإقليمي والدولي الواسع الذي تلقّاه نظام صدام حسين. وفي حين دخلتها إيران معتمدةً إلى حدٍّ كبير على ترسانة غربية موروثة، فإنها وجدت نفسها سريعًا أمام واقع العجز، الذي جلّاه تعرّض مدنها، بما فيها العاصمة طهران، لقصف صاروخي مكثّف، في ما عُرف في حينه بـ"حرب المدن". ومن هنا، لمست إيران حاجتها الماسّة إلى بدء مسار تأسيس أول وحدة صاروخية، وهو ما أُوكل إلى اللواء الشهيد حسن طهراني مقدّم، الذي يُنظر إليه بوصفه الأب المؤسّس للبرنامج الصاروخي الإيراني. ولم يكن الهدف من ذلك مجرّد امتلاك وسيلة للردّ، بل بناء معرفة تقنية مستقلّة؛ فمن خلال الهندسة العكسية لصواريخ "سكود - B" المحدودة، وُضعت اللبنة الأولى لبرنامج صاروخي محلّي تحوّل لاحقًا إلى أحد أعمدة الأمن القومي، بعدما أدركت طهران أن الردع الحقيقي لا يتحقّق بالدفاع السلبي، بل بامتلاك قدرة هجومية موازية تجعل كلفة الاعتداء أعلى.

وفي الإطار نفسه، دفعت فجوة التفوّق التقني مع الخصم، إيران إلى ابتكار نماذج مبكرة من الحرب غير المتكافئة؛ فبدلًا من المواجهة الكلاسيكية، اعتمدت تكتيكات مرنة تستثمر نقاط الضعف في الأنظمة المعقّدة، من مثل استخدام الزوارق السريعة في الخليج بأسلوب "اضرب واهرب"، والبدء بتصنيع مُسيّرات خشبية قادرة على تجاوز الرادارات الحديثة في جمع المعلومات. وإذ أسهمت تلك التجارب في تأسيس فلسفة قتالية كاملة ستلازم العقيدة الإيرانية لاحقًا، فإنه عقب انتهاء الحرب عام 1988، دخلت إيران، خلال التسعينيات، مرحلة إعادة تعريف الردع، ليس بهدف خوض حرب جديدة، بل لمنع اندلاعها. ومع بداية مرحلة الهدوء وفترة ما يُعرف بـ"إعادة البناء"، توسّعت الصناعات الدفاعية المحلّية، وتركّز الاستثمار على تطوير القدرات الصاروخية باعتبارها بديلًا عمليًا لسلاح الجو المتهالك والمُقيّد بالعقوبات، ليترسّخ بذلك مفهوم الردع الدفاعي، ويبرز مفهوم "العمق الإستراتيجي" الذي أعاد تعريف الأمن القومي باعتباره منظومة تتجاوز الحدود الجغرافية.

وقد تجلّى هذا التحوّل، عمليًّا، مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، ثمّ ظهور تنظيم "داعش" في العراق عام 2014. آنذاك، واجهت إيران تهديدًا مركّبًا عابرًا للحدود، دفعها إلى تبنّي مبدأ "الدفاع من المنشأ" - وهو ما أكّده المرشد الأعلى، السيد علي الخامنئي -، الذي تُرجم، عقب الهجوم الإرهابي المسلّح على مقرّ البرلمان، بالتوسّع في الردّ خارج الحدود. وفي ذلك السياق، شكّلت الضربات الصاروخية على مواقع ""داعش"" في دير الزور، في حزيران 2017، نقطة فاصلة؛ إذ مثّلت أول استخدام علني للصواريخ الإيرانية خارج الحدود، واستُكملت بضربات على مناطق في إدلب السورية، واستهداف مقارّ "الموساد" في كردستان العراق. وفي كانون الثاني 2020، بلغ المسار المذكور إحدى أهمّ ذرواته عندما استُهدفت قاعدة "عين الأسد" الأميركية، ردًا على اغتيال الشهيد قاسم سليماني، في حين سُجّل التحوّل الأكبر في نيسان 2024، مع المواجهة المباشرة الأولى بين إيران و"إسرائيل"، وما تلاها من عمليتَي "الوعد الصادق 1" و"الوعد الصادق 2"، اللتَين أظهرتا قدرة إيران على استخدام الصواريخ والطائرات المُسيّرة بكثافة منظّمة، واختبار أنظمة الدفاع الجوي المتعدّدة للعدو، وتثبيت معادلة ردع جديدة تقوم على الردّ المباشر من داخل الأراضي الإيرانية.

ومع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بعد حرب الـ12 يومًا في حزيران 2024، بدأ التحوّل الإيراني من مبدأ "الدفاع الهجومي" إلى التفكير في "الردع الهجومي" أو "الضربات الاستباقية"، في ما شكّل تطوّرًا بارزًا في المسار الإستراتيجي للبلاد، انتقلت معه طهران رسميًّا من وضعية ردّ الفعل إلى موقع الفعل المُسبق. ومن شأن هذا التوجّه أن يعيد تعريف مفهوم الدفاع الإيراني، الذي لم يَعُد يعني انتظار الخصم عند الحدود أو امتصاص الضربة الأولى، بل ضرب العدوّ عندما تتوفّر مؤشرات مؤكدة على هجوم وشيك. ويُعدّ "الردع بالهجوم"، الأداة الأكثر فعالية لمنع الحروب، وهو يعتمد على عدّة عوامل أساسية مترابطة: الأول، الجمع المعلوماتي والتقني عبر الاعتماد على شبكة رصد واسعة تشمل وسائل تقنية ولوجستية، تتيح تحديد مفهوم "التهديد الوشيك" واتّخاذ القرار للردّ في الوقت المناسب؛ الثاني، الحفاظ على قوّة الحلفاء إقليميًّا، بما يخلق بيئة ردع متعدّدة الجبهات تُشتّت قدرة الخصم على التركيز أو الحماية المتزامنة لجبهته الداخلية أو مصالحه وقواعده الإقليمية؛ وأمّا الثالث، فيتمثّل في إدارة الاشتباك عبر تنفيذ عمليات وقائية دقيقة ومحدودة تُستخدم للبعث برسائل ميدانية حاسمة ومنع التصعيد غير المنضبط، مع الحفاظ على إمكانية احتواء المعركة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة