اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي العدوان على قطاع غزة متواصل.. 15 شهيدًا في قصف منازل وخيام النازحين

مقالات مختارة

مقالات مختارة

"الضوء الأخضر" الأميركي لـ"إسرائيل": البحث عن هندسة جديدة للداخل اللبناني

172

علي حيدر - صحيفة "الأخبار"

لا يمكن قراءة إعلان رئيس الحكومة "الإسرائيلية" بنيامين نتنياهو عن "ضوء أخضر" أميركي تجاه لبنان بوصفه معلومة عابرة أو مجرّد نقلٍ لمناخ لقاءات سياسية، بل ينبغي فهمه كفعلٍ سياسي مقصود بذاته، صُمّم ليُنتج أثرًا قبل أن يصف واقعًا. فجوهر الرسالة لا يكمن في مضمونها وحده، بل في الطريقة التي قُدّمت بها: تسريبٌ محسوب، توقيتٌ مدروس، وصياغةٌ تنقل التفاهمات من حيّز الغرف المغلقة إلى حيّز التأثير المباشر على حسابات الخصوم والحلفاء والداخل اللبناني في آنٍ معًا.

عندما يُعلن زعيمٌ بحجم نتنياهو، وفق ما تناقلته تقارير إعلامية "إسرائيلية"، أن واشنطن منحته "ضوءًا أخضر" لمزيد من العدوان وربما الارتقاء به إلى مستويات أعلى، فهو لا يكتفي بتعزيز موقعه التفاوضي بل يؤكد أن ما سيجري أيضًا، هو أن "إسرائيل" تتحرك بغطاء أميركي، وأن استمرار الاعتداءات وتصعيدها ليسا مجرد خيار "إسرائيلي"، بل تعبير عن قرار أميركي أو على الأقل عن رضى أميركي كامل، وأن ما جرى حتّى الآن من قبل الحكومة في لبنان، لا يلبّي تطلعات تل أبيب وواشنطن، وأن المطلوب هو المزيد من التنازلات والخطوات العملية. بهذا المعنى، يتحول التسريب إلى أداة هندسة للبيئة السياسية، لا إلى إشارة مباشرة إلى حتمية الحرب (ولا ينسحب هذا التقدير على مستويات تصعيد الاعتداءات الأخرى).

الفرضية التأسيسية التي يقوم عليها هذا التفسير هي أن "إسرائيل" والولايات المتحدة لا تتعاملان مع الساحة اللبنانية وفق ثنائية صلبة من نوع "حرب أو لا حرب"، بل وفق منطق إدارة تراكمية للضغط، تُستخدم فيها احتمالات الحرب كظلٍّ ردعيٍّ يُخيّم فوق سلسلة من الإجراءات دون عتبة الحرب الشاملة. وفي هذا السياق، تتحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية أساسية، لأن أداءها السياسي والإعلامي، وطبيعة ردود فعلها، هما ما يحوّل الاعتداءات المتكرّرة إلى ما يشبه الروتين اليومي، بما يفرغها من كلفتها السياسية ويُسهم في تطبيعها.

ضمن هذا المنطق، لا تكون الحرب الشاملة الخيار الأول، لأنها باهظة الكلفة، غير مضمونة النتائج، وغير قابلة للتحكّم السياسي في زمنها ومآلاتها. فاللايقين هنا ليس تفصيلًا عسكريًا تقنيًا، بل عائق سياسي مركزي: حرب لا تعرف "إسرائيل" متى تنتهي ولا ماذا تنتج سياسيًا داخل لبنان قد تنقلب من أداة لإعادة التشكيل إلى عامل فوضى. لذلك يبدو الخيار الأكثر عقلانية — وفق هذا المنظور— هو تحويل "الضوء الأخضر" إلى أداة ضغط مركّب تُدار بالتدرج، مع الإبقاء على الحرب الشاملة كاحتمال قائم يُستخدم لتعزيز المفعول السياسي، لا كمسارٍ حتمي، على الأقل في المرحلة الراهنة، ولا علاقة لهذه التقديرات بالفرضية العملياتية للمقاومة.

من هنا، لا ينبغي التعامل مع تصعيد الاعتداءات "الإسرائيلية" كأحد السيناريوهات المتوازية بين بدائل متعددة، بل كآلية تشغيلية مشتركة تُغذّي معظم البدائل. فرفع وتيرة الاعتداءات مرجّح لأنه يخدم في الوقت نفسه أكثر من وظيفة: يرفع كلفة الاستمرار في الوضع القائم، يختبر عتبات الردّ والردع، يراكم أثرًا نفسيًا وسياسيًا داخل لبنان، ويخلق بيئة قابلة للاستثمار داخليًا وخارجيًا. وكلما ارتفع منسوب الاعتداءات، اتسعت مساحة توظيفها من قِبل أطراف مختلفة وفي اتّجاهات متعددة، ما يحوّل الضغط الخارجي إلى محرّك لديناميات داخلية، وإلى أداة لإعادة تشكيل الاصطفافات، حتّى من دون الوصول إلى عتبة الحرب الشاملة.

ضمن هذا الإطار، يمكن فهم تعدد الفرضيات الحاضرة لدى أميركا و"إسرائيل" من دون اعتبارها متناقضة. فقد يرى العدوّ في الإعلان وسيلة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك تدريجيًا، إذ يصبح المسموح به اليوم، أوسع مما كان مسموحًا بالأمس، ويغدو أي ردٍّ مقابل أكثر كلفة وخطورة على الداخل اللبناني.

وقد تنظر واشنطن إلى الإعلان بوصفه أداة لتقوية مسار سياسي داخلي، عبر ربط خطوات لبنانية عدة بتغييرات في توازنات القرار السيادي، طالما أن إقصاء المقاومة بالقوّة غير متاح حتّى الآن. وفي الوقت نفسه، قد يكون الإعلان اختبارًا لانضباط الأطراف كافة: اختبارًا لحدود ردّ المقاومة، ولقدرة الدولة اللبنانية على امتصاص الضغط، ولجهوزية القوى الداخلية لتبنّي سرديات تُسهِّل تمرير المشروع الأميركي - "الإسرائيلي". هذه الفرضيات تلتقي عند هدف واحد: إعادة تشكيل لبنان سياسيًا بما يجعله أقل قدرة على إنتاج قوة مقاومة فاعلة، وأكثر قابلية للارتهان لشروط خارجية. إضافة إلى كونه مؤشرًا على نوايا عدوانية "إسرائيلية".

غير أن ذلك لا يعني أن اليد "الإسرائيلية" مطلقة. فالـ"ضوء الأخضر" يمنح شرعية للحركة، لكنّه لا يضمن مخرجاتها. القيود البنيوية ما تزال قائمة: حرب شاملة قد تستنزف من دون حسم، وقد تفتح مسارات تصعيد لا تُفضّلها واشنطن في هذه المرحلة، وقد تُنتج داخل لبنان نتائج معاكسة لما يُراد تحقيقه.

كما إنّ الخطاب "الإسرائيلي" الذي يضع "التحدي الإيراني" في مركز التهديد يفرض قيدًا إضافيًا، إذ لا تستطيع "إسرائيل" توزيع تركيزها الإستراتيجي بلا حدود، ولا خوض حرب مفتوحة في لبنان إذا كانت ترى أن جبهة أخرى تفرض أولوية أعلى أو حساسية زمنية أشد، ولا سيما في ظل نقاشات داخل المنظومة الأمنية حول إدارة التوّتر بين الساحتين اللبنانية والإيرانية في آنٍ واحد.

لهذا، يبدو خيار "التصعيد المسيطر عليه" هو المقصود بمضمون رسالة نتنياهو: اعتداءات متزايدة، رسائل نفسية، واستثمار داخلي، مع السعي إلى إبقاء سقف التدحرج تحت السيطرة قدر الإمكان. غير أن مفارقة هذا التكتيك أنه كلما نجح في رفع السقف، ارتفع خطر الانزلاق لأن إدارة العتبات ليست علمًا دقيقًا.

وعند إسقاط هذه المعادلة على الداخل اللبناني، تتضح خطورة تصريح نتنياهو سياسيًا، ولا سيما في ضوء تزامنه مع تطوّرات داخلية، من بينها إعلان الجيش اللبناني تحقيق أهداف المرحلة الأولى من خطة "حصر السلاح". هنا تتقاطع الاعتداءات "الإسرائيلية" مع معركة موازية على السردية، وعلى تعريف "المشكلة اللبنانية"، وعلى إنتاج بيئة داخلية تتفاعل مع الضغط بدل أن تُحيّده.

من هذا المنطلق، لا يكمن الردّ الأجدى في التعامل مع التهديد بوصفه قدرًا محتومًا، بل في تفكيك الرسالة "الإسرائيلية" وإبطال مفعولها الداخلي، عبر منع تحويلها إلى وقود انقسام، والتمييز بين التهديد بالحرب كأداة ضغط وبين قرار الحرب كحقيقة قائمة، وربط ذلك بقراءة الإستراتيجية الأميركية تجاه لبنان بوصفها إستراتيجية إدارة وتحويل وضبط. بهذه المقاربة، يغدو التصريح مؤشرًا على اتّجاه الضغط وتدرّجه، لا إعلانًا نهائيًا عن حرب، ويصبح السؤال العملي: كيف يُدار الداخل اللبناني بحيث لا يتحول التسريب إلى أداة تُكمل الاعتداءات في تحقيق أهدافها السياسية؟

وليس من الصعب تلمّس العلاقة بين رفع مستوى التهديد "الإسرائيلي"، على لسان نتنياهو، وتكثيف العناوين اللبنانية المطروحة، من مرحلة ما بعد جنوب الليطاني، إلى حزمة أوسع من الخطوات المطلوبة "إسرائيليًا" وأميركيًا من الدولة اللبنانية على أكثر من مستوى داخلي.

الكلمات المفتاحية
مشاركة