مقالات مختارة
نزار نمر - صحيفة "الأخبار"
يظهر نفاق الإعلام الغربي في تبدّل خطابه حول "الفساد" و"الديموقراطية" بحسب المصالح. تُخفى الوقائع أو تُبرز انتقائيًا في أوكرانيا وغزّة وفنزويلا، لتبرير العدوان والتدخلات الخارجية، وصناعة قبول جماهيري لسياسات الهيمنة، بينما تُهمل الانتهاكات حين تتعارض مع الأجندات الغربية
ازداد في العامَين الأخيرَين الحديث عن نفاق الإعلام الغربي أكثر من أيّ وقت مضى، خصوصًا بعد حرب الإبادة الصهيونية على غزّة التي فضحته بشكل علني لجمهور أوسع. لذا، درجت العادة في هذه المدّة أن يكون محور الحديث عن هذا النفاق الإبادة إيّاها.
فنزويلا.. المعايير المزدوجة مستمرّة
لكن اليوم فصل جديد من المعايير المزدوجة عرّاه العدوان الأميركي على فنزويلا وخطف رئيسها نيكولاس مادورو، فاستحال الإعلام الغربي في خندق المبرّر للخروقات الأميركية، بما في ذلك الإعلام الأوروبي الذي ادّعى عدم قبوله بخطف الرئيس تماشيًا مع مواقف حكوماته العلنية. هكذا، بات الحديث عن الفساد في فنزويلا وطبيعة نظامها "القمعية"، في تطابق واضح مع السرديّات التي رُوّج لها لتبرير الحرب على العراق وليبيا وسورية وأفغانستان والتحريض على بوليفيا وكوبا وإيران وروسيا والصين وكولومبيا وغيرها الكثير.
المشكلة ليست في تناول قضية الفساد بحدّ ذاتها، بل في الأهداف المرجوّة من وراء ذلك. لا يحتاج الأمر إلى الحفر كثيرًا، فالحرب التي لا تزال تدور في أوكرانيا خير مثال على ذلك.
هو ذاته الإعلام الغربي الذي كان يتحدّث عن الفساد المستشري في أوكرانيا ونظامها ومؤسّساتها قبل الغزو الروسي في شباط (فبراير) 2022، مشيرًا إلى مشكلة النازيّين الجدد فيها وديموقراطيّتها المزيّفة، وغير ذلك من موبقات. لكن ما إن انطلق الغزو حتّى اختفت كلّ تلك العناوين عن الصفحات والشاشات، وباتت أوكرانيا واحةً للديموقراطية والحرّية والحكم الرشيد في نظر الإعلام الغربي، وبالأخصّ الأوروبي منه.
غزّة تُعرّي النفاق الإعلامي
من جهة أخرى، وفيما كان الفلسطينيّون يتعرّضون للإبادة ويموتون جوعًا بفضل جرائم الاحتلال، كان الإعلام الغربي منشغلًا بـ"فضح" "حماس" و"فسادها" في إدارة قطاع غزّة، طبعًا ليس حبًّا بالناس الذين يعانون من الفساد في ما هم يتعرّضون لإبادة هو ذاته يبرّرها.
فالهدف كان التعمية خدمةً لسردية الاحتلال، وفي الوقت عينه ادّعاء العفّة و"الموضوعية". اليوم يتكرّر الأمر ذاته في فنزويلا، في ما يُتجاهل الفساد في الدول الغربية بشكل عام إلّا عندما تطفو قضية معيّنة إلى السطح، كما لدى الحكومات الحليفة للغرب أو تلك التي ترتضي خيانة شعبها من أجل مصالحه الاستعمارية، ولو كانت من أعتى الديكتاتوريّات والفساد ينخرها حتّى النخاع.
قبل غزو أوكرانيا وبعده.. عجبي!
من أجل إجراء مقارنة بسيطة، نستعرض عناوين بعض الصحف والمواقع الغربية قبل غزو أوكرانيا وبعده، وبعد العدوان على فنزويلا. على سبيل المثال، نشرت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية مقالًا في 6 شباط (فبراير) 2015 عنوانه "أهلًا بكم في أوكرانيا، أكثر الدول الأوروبية فسادًا".
أمّا في 27 شباط 2022، أي بعد نشوب الحرب، فقد نشرت الصحيفة ذاتها مقالًا بعنوان "النضال من أجل أوكرانيا هو نضال من أجل القيم الليبرالية".
أمّا في مقال من 4 كانون الثاني (يناير) 2026، أي بعد الاعتداء على فنزويلا، أوردت الصحيفة أنّ "الرئيس الفنزويلي متّهم بإدارة حكومة "فاسدة" تغذّيها عملية تهريب مخدّرات أغرقت الولايات المتّحدة بالكوكايين".
أمّا وكالة "رويترز"، فنشرت مقالًا في 20 آذار (مارس) 2018 تحت عنوان "مشكلة أوكرانيا النيو ــ نازية"، في ما نشرت في 8 آذار 2022 متناولةً الأشخاص إيّاهم، لكن هذه المرّة تحت عنوان "بالنسبة إلى المقاتلين الأجانب، تقدّم أوكرانيا هدفًا وصداقة وقضية".
ونشرت "فوكس" مقالًا في 25 أيلول (سبتمبر) 2019 تحت عنوان "كوميدي أوكراني تحوّل إلى رئيس متورّط في فوضى عزل ترامب". كما نشرت "دويتشه فيله" الألمانية في 3 كانون الثاني تقريرًا عنونته "فنزويلا: حكومة فاسدة.. ستحاول التشبّث بالسلطة". من جهتها، نشرت CNN مقالًا في 6 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2014 تحت عنوان "أوكرانيا بحاجة إلى السيطرة على الفساد"، في ما عنونت في 6 آذار 2022: "الأوكران يقدّمون درسَين في الديموقراطية نسيها الأميركيون". أمّا في 7 كانون الثاني 2026، فقد نشرت القناة نفسها مقالًا تحت عنوان "ترامب حقّق انتصارًا بغزوته على فنزويلا. لكنّ الولايات المتّحدة مسؤولة الآن عن مستقبل البلاد".
انسَ الفساد
هذه فقط عيّنة من مئات آلاف المقالات وربّما الملايين منها، وقس على ذلك عدد التقارير التلفزيونية التي تبثّ على مختلف القنوات في كلّ دول العالم. ما سبق يؤكّد أنّ الفساد أو عدمه ليس ما يهمّ الإعلام الغربي بقدر ما تهمّه قدرته على استغلال تلك الحجّة من أجل بناء سردية تتّسق مع مشاريع حكوماته وأجنداتها. أجندات غالبًا ما يكون فحواها السيطرة الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية على الدول الأضعف، وما الموادّ الإعلامية سوى وسيلة للعب بالرأي العامّ وصناعة القبول الجماهيري للتدخّلات الخارجية المخالفة للقوانين الدولية، تحت عناوين برّاقة.