اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي العدو مستمر بخرق وقف إطلاق النار في غزة: قصف جوي ومدفعي وعمليات نسف

مقالات

مواقف الإمام الخامنئي تُفرغ المفاعيل الجيوسياسية لتهديدات ترامب
مقالات

مواقف الإمام الخامنئي تُفرغ المفاعيل الجيوسياسية لتهديدات ترامب

332

تبرز مواقف الإمام السيد علي الخامنئي بوصفها عنصرًا حاسمًا في إدارة هذه المرحلة، ليس فقط من حيث مضمون الردّ المباشر على التهديدات، بل من حيث ما تحمله من رسائل إستراتيجية تتجاوز اللحظة، وتخاطب الخصوم والحلفاء والداخل الإيراني في آن واحد. فالخطاب الصادر عن الإمام الخامنئي لا يُقرأ كتصريح تعبوي أو موقف دفاعي، بل كجزء من بناء متكامل لمعادلة ردع سياسية-جيوسياسية، تهدف إلى تحصين القرار الإيراني، وإفشال محاولات تطويقه في زمن الاضطراب.

ومما أضفى هذه الابعاد على مواقف الامام الخامنئي التهديدات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها تداعيات الحروب المفتوحة في المنطقة، مع إعادة تشكّل موازين القوى، واحتدام الصراع الأميركي-الإيراني على مستويات متعددة: عسكرية، واقتصادية، ونفسية-إعلامية. وهي تهديدات لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع لمحاولة واشنطن إعادة فرض الهيمنة على مسرح إقليمي يتّجه تدريجيًا نحو التفلّت من قواعد السيطرة التقليدية.

فتهديدات الرئيس الأميركي لا يمكن قراءتها بوصفها ردود أفعال آنية أو انفعالية، بل تندرج بوضوح ضمن حملة ضغط مركّبة تستهدف المكانة الإستراتيجية لنظام الجمهورية الإسلامية إزاء الداخل والخارج. والهدف هنا لا يقتصر على تعديل سلوك إيران الإقليمي، بل يتعدّاه إلى محاولة تطويق حركتها السيادية، وفرض قيود على أدائها في ما يتصل بأمنها الداخلي وبنيتها السياسية، بما يفتح الباب أمام إعادة هندسة القرار الإيراني من الداخل.

يقوم هذا النهج على رهان مركزي مفاده أن تراكم الضغوط - السياسية والاقتصادية والنفسية - قد يُحدث تصدّعًا في جدار القرار، أو يخلق فجوة بين الدولة ومجتمعها، تسمح بتطويع الإرادة وتعديل المسارات. ومن هنا، لم تكن لغة التهديد موجهة فقط إلى القيادة، بل صيغت أيضًا لتعمل كأداة حرب نفسية تستهدف الرأي العام، والنخب، وشبكات النفوذ الداخلية.

وسعى ترامب إلى تعزيز هذا الرهان بالاستناد إلى ما اعتبره “زخمًا ردعيًا” ناتجًا عن سلوكه العدواني في ساحات أخرى، مثل فنزويلا، متغاضيًا عن الفوارق البنيوية العميقة بين الحالتين. كما حاول توظيف أجواء التهديد المتولّدة عن الحرب الأميركية-"الإسرائيلية" الأخيرة، بالتوازي مع تعقّد المشهدين الاقتصادي والمالي داخل إيران، على أمل أن يُنتج هذا التراكم لحظة وهن إستراتيجي قابلة للاستثمار.

موقف الإمام الخامنئي: كسر الرهان وإعادة تعريف الصراع

في مواجهة هذا المسار، جاء الموقف الحاسم الذي أعلنه الإمام الخامنئي، والقائم على رفض أي تراجع -ولو بمقدار قيد أنملة- عن مبادئ الجمهورية الإسلامية، ليشكّل ضربة مباشرة للرهانات الأميركية. فهذا الموقف لم يكتفِ بنفي أثر التهديد، بل أعاد تعريف طبيعة الصراع ذاته، بوصفه صراع إرادات طويل الأمد، لا مواجهة تكتيكية قابلة للحسم بالضغط.

لقد كشف هذا الإعلان حدود فاعلية التهديد الأميركي، وأعاد التأكيد على أن الضغوط، مهما بلغت شدتها، لا ترقى إلى مستوى التأثير في الخيارات الإستراتيجية العليا لإيران، ولا في ثوابتها السيادية. وبهذا المعنى، فإن الجولة التي أرادها ترامب تدخّلًا مباشرًا في مسار التطورات الداخلية الإيرانية، تحوّلت إلى محطة جديدة من “كباش الإرادات”، انتهت بفشل سياسي وإستراتيجي واضح.

فبدل أن تُحدث اختراقًا في بنية القرار، أسهمت في إعادة إنتاج منطق الصمود والتحدّي، ورسّخت خطاب المواجهة بوصفه الخيار الأكثر عقلانية في نظر القيادة الإيرانية، لا بوصفه ردّ فعل، بل كخيار مدروس لإدارة الصراع في بيئة إقليمية متحوّلة.

وفي سياق متصل، من الواضح أن أحد أهداف تهديدات ترامب تمثّل في توفير مظلة حماية سياسية ونفسية لشبكات العملاء والرهانات الداخلية التي يعوّل عليها، عبر الإيحاء بأن أي استهداف لهم سيقابل بردّ أميركي. وقد هدفت هذه الرسائل إلى تشجيع هذه الأطراف على توسيع نطاق أنشطتها التخريبية، مع محاولة خلطها -دعائيًا- بالاحتجاجات المشروعة.

في المقابل، جاء رد الإمام الخامنئي محسوبًا ودقيقًا، حين أعلن بوضوح أن إيران لن تتسامح مع العملاء. هذا الموقف يحمل دلالات داخلية مباشرة، لكنّه يتجاوزها إلى مواجهة صريحة مع التهديد الأميركي، إذ أسقط “الحصانة الوهمية” التي حاول ترامب منحها لأعداء النظام، وأعاد تثبيت معادلة السيادة بوصفها خطًا أحمر غير قابل للمساومة.

كما عمد الإمام الخامنئي إلى الربط بين الحزم تجاه العملاء، والتمييز الواضح عن الاحتجاجات المشروعة، بما يمنع تسييل الداخل في الحسابات الجيوسياسية للخصوم، ويغلق قنوات الاختراق التي تُستخدم تقليديًا لإضعاف الدول من الداخل. فالتحصين الداخلي هنا ليس إجراءً أمنيًا فحسب، بل ركيزة إستراتيجية في إدارة الصراع الخارجي.

الرسائل الإقليمية والدولية

تنطوي مواقف الإمام الخامنئي أيضًا على رسائل متعددة الاتّجاهات. فهي توجّه إشارة طمأنة للحلفاء بأن الواقع في إيران يختلف جذريًا عمّا يجري تصويره، وبأن صعوبة الأزمة الاقتصادية لا تعنى هشاشة سياسية أو تراجعًا في الالتزامات. وفي المقابل، تحمل رسالة ردع واضحة للخصوم الإقليميين بأن الرهان على الضغط الأميركي لتغيير السلوك الإيراني هو رهان خاسر.

يُظهر هذا الخطاب أن القيادة الإيرانية تقرأ التهديدات ضمن مسار صراع ممتد، لا ضمن جولات معزولة، ما يمنحها قدرة أعلى على الصبر الإستراتيجي، وتوزيع الكلفة على الزمن. كما أن تقويض مفاعيل التهديد الأميركي، عبر المواجهة العلنية والمدروسة، أحبط محاولات نقل الأزمة إلى مستوى نفسي-إعلامي دولي يهدف إلى إظهار إيران كدولة قابلة للكسر من الداخل.

في المحصلة، يكرّس رد الإمام الخامنئي حقيقة أن ثبات إيران وصمودها وخياراتها الإستراتيجية لا تتأثر بشكل حاسم بتغيّر الإدارات الأميركية، حتّى في ظل رئيس يتخوّف خصومه وحلفاؤه من ردود أفعاله غير المتوقعة. وهذا ما يعزّز صورة إيران كقوة مستقلة القرار، قادرة على إدارة الصراع في نظام دولي مضطرب، لا من موقع الدفاع، بل من موقع الفعل وإعادة إنتاج التوازن.

فالرسالة الجوهرية التي يقدّمها هذا الموقف هي أن التهديد، مهما علا صوته، لا يصنع واقعًا جديدًا ما لم يجد بيئة قابلة للاختراق، وأن السيادة حين تُدار كمعادلة جيوسياسية متكاملة، تتحوّل من عبء إلى مصدر قوة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة