مقالات
ليست المرة الأولى التي يجري فيها الحديث عن حلف إقليمي بقيادة "إسرائيل"، فقد سبق أن جرى الحديث عن حلف ميتا الذي يشمل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا،ثم عن ناتو شرق أوسطي، ولاحقًا ما عرف باسم حلف النقب أو الحلف الإبراهيمي، وجميع تلك الصيغ التي كانت مطروحة لإنشاء مثل هذه الأحلاف كانت تهدف لدمج الكيان "الإسرائيلي" في المنطقة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا كمرحلة أولى، ومن ثمّ وضع مقدراتها تحت سلطته ليسهل عليه التحكم بالقرار الإقليمي وبسط نفوذه وتوسعه.
وعلى الرغم من التضحيات المؤلمة والكبيرة التي قدمها محور المقاومة منذ انطلاق طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 فإن النتيجة الحتمية التي لا تقبل التشكيك تمثلت في أن صمود المحور وتلك التضحيات التي قدمها كانت العامل الرئيسي في إسقاط تلك المشاريع "الإسرائيلية" الهادفة لإقامة تلك الأحلاف المختلفة في صيغها وتسمياتها والمتفقة في جوهرها. ويمكن رصد بعض ملامح فشل تلك المشاريع من خلال التبدل الحاصل في المعادلات الإقليمية ومنها تعطيل التطبيع السعودي-"الإسرائيلي"، والهزيمة في اليمن، والتنافس المستجد السعودي-الإماراتي،وصراع النفوذ التركي-"الإسرائيلي"، والتحالف العسكري السعودي-الباكستاني، والتقارب المصري-التركي.. وغير ذلك من التحولات العديدة التي فرضها صمود محور المقاومة وعلى رأسه الجمهورية الإسلامية في إيران .
مع إعلان الإدارة الأميركية برئاسة ترامب استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي في ديسمبر 2025 والتي جاءت تحت عنوان رئيسي "أميركا أولًا" وتضمنت انكفاء أميركيًا إلى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة التي تمتد من القطب الشمالي إلى أميركا اللاتينية، فإن "الشرق الأوسط" لم يعد يحتل الصدارة في سلم الأولويات الأميركية مع التركيز على فرض السلام فيه انطلاقًا من غزّة ومجلسها للسلام الذي شكله ترامب، وضرورة احتواء إيران لا استئصالها، والحفاظ على أمن الكيان "الإسرائيلي".
هذه العوامل مجتمعة دفعت رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو إلى العودة إلى مشروعه لتشكيل حلف جديد وبمكونات جديدة وفق ما تقتضيه التغيرات والظروف الجيوسياسية في الإقليم وامتداداتها خارجه، وبما يتوافق مع حلمه القديم بقيادة حلف مستقل لطالما كانت ترفضه الإدارات الديمقراطية في الولايات المتحدة التي ترى أن "إسرائيل" يجب أن تبقى تحت المظلة الأميركية بينما يدعم ترامب قيام "إسرائيل" بإنشاء حلف إقليمي مستقل يتعاون مع واشنطن ولا يعتمد عليها بشكل كلي، وهو ما عبّر عنه نتنياهو بعيد زيارته الأخيرة لواشنطن عندما صرّح بأنه "يُعطي الأولوية لإنشاء قطاع تصنيع أسلحة "إسرائيلي" محلي قوي، بهدف تحويل العلاقة بين "اسرائيل" والولايات المتحدة من “المساعدات إلى الشراكة، وأن ذلك سيتحقق من خلال التطوير "الإسرائيلي" والإنتاج المشترك، وأن هذه الشراكة قد تمتد لتشمل حلفاء آخرين، من بينهم الهند وألمانيا".
وفي ظل التحشيد العسكري الأميركي الهائل الذي لم تشهده سابقًا الجغرافيا الممتدة من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط، وتحت ذريعة الضغط على إيران وجد نتنياهو الفرصة ملائمة للإعلان عن مشروع الحلف الجديد أو ما سماه بالمحور الجديد الذي يمتد من الهند إلى كوش حسب تعبيره التوراتي لتشكيل "دائرة تطوق الشرق الأوسط لمواجهة المحور الشيعي الجريح والمحور السني المتصاعد المتمثل بجماعة الأخوان المسلمين" وفقًا لتصريحات نتنياهو. ويتضح من هذه التصريحات وتصريحات أخرى لنتنياهو في ذات السياق أن حلفه المأمول سيضم الهند وأثيوبيا والإمارات العربية وأذربيجان واليونان وقبرص وربما دولًا أخرى لم يعلن عنها من بينها دول عربية .
تشير تصريحات نتنياهو حول مكونات الحلف الجديد إلى ما يلي:
أولًا؛ سيضم الحلف قوتين نوويتين هما الهند والكيان "الإسرائيلي"، وهو ما يعني أن الحلف الجديد سيشكل أحد أهم التكتلات العسكرية في العالم التي تمتلك ما يزيد عن 500 رأس نووي .
ثانيًا؛ يمتد الحلف على جغرافيا تشمل قارات ما يعرف بالعالم القديم "آسيا وأفريقيا وأوروبا" ويطوق أهم المنافذ والممرات البحرية من المحيط الهندي إلى الخليج إلى باب المندب إلى المتوسط ويتغلغل في القوقاز .
ثالثًا؛ توحي تركيبة الحلف المزعوم بإعادة إحياء مشروع الممر الهندي الذي يمتد من الهند إلى الخليج ومنها إلى الكيان "الإسرائيلي" ثمّ إلى أوروبا عبر اليونان وقبرص، وهو واحد من أهم مشاريع النقل التجاري والطاقوي العالمي.
رابعًا؛ إن الهدف المعلن من قبل نتنياهو لمواجهة الأخوان المسلمين يعني بالضرورة مواجهة النفوذ التركي وتحالفاته ضمن هذه الجغرافيا، بما في ذلك باكستان وقطر وحركة حماس،كما أنه يفتح الباب لدول تعادي جماعة الأخوان المسلمين وتصنفها كجماعة إرهابية من أجل الانضمام للحلف كالإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر، ونتنياهو بذلك يسعى لفك الارتباط والتشبيك الناشئ بين هذه الدول في ما بينها.
خامسًا؛ لم يخفِ نتنياهو هدفه المتمثل في مواجهة المحور الإيراني وبطبيعة الحال اليمن ولبنان والعراق، في محاولة منه أيضًا لاستقطاب خصوم هذا المحور ومكوناته وفك ارتباطاتها التي تتعارض مع هذا الهدف.
سادسًا؛ يسعى نتنياهو للتسويق لهذا الحلف الجديد كحلف ديمقراطي حضاري متنوع الأعراق والأديان، على عكس المحورين المقابلين اللذين تعمد وصفهما بالمحور السني والمحور الشيعي للإيحاء بأنهما محوران طائفيان راديكاليان لا يمكن القبول بهما أو استمرارهما .
مواجهة مشروع نتنياهو:
من غير الحكمة تجاهل مخطّط نتنياهو الجديد أو الاعتقاد باستحالة تنفيذه أو الختفيف من مخاطره، لكن في ذات الوقت لا يمكن إغفال العوائق الكثيرة التي تعرقل مخططه وتجعل احتمالية نجاحه غير ممكنة، وهذا يستوجب بالتأكيد العمل على تلك العوائق لمواجهة هذا المخطط من قبل القوى الإقليمية الفاعلة والمتضررة .
يشكّل عدم الترابط الجغرافي بين مكونات المحور "الإسرائيلي" الجديد واحدة من أهم نقاط الضعف التي تعيق نجاحه، وهو ما يعني الرهان على الجغرافيا الفاصلة بين تلك المكونات، وبالتالي فإن الصراع والتنافس على تلك الجغرافيا الفاصلة سيكون من أهم ملامح المرحلة المقبلة. من جانب آخر فإن السعي للتشبيك بين الدول التي صنفها نتنياهو في هذا المحور أو ذاك "شيعي ـ سني" سيسهم بتشكيل جبهة واسعة ذات قوة ونفوذ هائلة تكون كفيلة بإسقاط محور نتنياهو الجديد، أما العامل الثالث لمواجهة محور نتنياهو فيعتمد على إنشاء ممرات تجارية وطاقوية بديلة ومنافسة وحمايتها كممر شمال ـ جنوب، وطريق التنمية العراقي، وممر البحر الأحمر قناة السويس، والتشبيك والربط في ما بين تلك الممرات،كما يشكّل التوجّه نحو الصين واحدًا من أهم عوامل المواجهة المطلوبة .
يبقى القول إنه في ظل الانتقال نحو عالم جديد متعدد الأقطاب فإن دولًا كثيرة تسعى لإنشاء تكتلات جيوسياسية وجيواقتصادية تشكّل مظلة لها للعبور إلى العالم الجديد، ومن دون تلك التكتلات سيكون من الاستحالة على أية دولة وعلى الأخص دول منطقتنا أن تنجح في العبور بسلام إلى العالم الجديد، وهو ما يستوجب حوارًا بين مكونات دول المنطقة على جميع الصعد من أجل بناء قواعد العبور بعيدًا عن التطرّف الديني والانغلاق الأيديولوجي.