مقالات
منذ عام ولغاية الآن، يتبدى إخفاق الدولة اللبنانية في أوضح صوره، حيث تقاعست مؤسساتها الرسمية عن القيام بأدنى واجباتها السيادية، ووقفت عاجزة تمامًا أمام غطرسة العدو الصهيوني واعتداءاته المتكررة التي استهدفت كرامة اللبنانيين وأمنهم، إن هذا الغياب الممنهج للسلطة عن ساحة المواجهة الحقيقية لم يكن مجرد عجز تقني، بل تحول إلى سمة أساسية وفشل ذريع في توفير الحماية للمواطنين، ترك البلاد مكشوفة أمام التهديدات الوجودية، وفي ظل هذا الانكفاء الرسمي الذي يفتقر إلى المبادرة أو الفعل المؤثر، تبرز محاولات تجميل الواقع عبر لغة خطابية مستعارة، وهو ما يظهر جليًا في أداء القيادة الحالية التي تحاول التعويض عن إخفاقها الميداني والسياسي بالسطو على أدبيات الآخرين.
إن محاولة استعارة الأدبيات اللغوية التي اشتهر بها سماحة السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه، وتحديدًا مقولة إن الحقيقة هي في ما ترونه لا في ما تسمعونه، لا تمثل مجرد اقتباس عابر، بل هي مؤشر عميق على أزمة المعنى والمصطلح لدى بعض مَن في الداخل، فمن الواضح أن هذا الفريق قد وصل إلى طريق مسدود في ابتكار لغة سياسية أو عسكرية تعبر عن هوية المؤسسة في هذه المرحلة، فاستعاض عن ذلك بمحاولة السطو على هيبة لغوية ارتبطت تاريخيًا بصدق الميدان وعظمة التضحيات التي قدمتها المقاومة. إن هذه الاستعارة تضعنا أمام مفارقة كبرى، وهي كيف يمكن لمن يعجز عن ابتكار مفرداته أن يدعي القدرة على اجتراح الإنجازات، خاصة وأن العبارة المذكورة لم تكن يومًا مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، بل كانت دائمًا تتويجًا لفعل مقاوم يغير موازين القوى على الأرض.
وعندما يتحدث هؤلاء عن الإنجازات التي تحققت، يبرز تساؤل جوهري حول ماهية هذه الإنجازات وتوقيتها ومكانها، فالسجل الوطني اللبناني يحفظ جيدًا أن تحرير الأرض من الاحتلال "الإسرائيلي"، وكسر هيبة العدو في الميادين، وإعادة الإعمار بعد كل عدوان، واستعادة الأسرى من زنازين المحتل، لم تكن يومًا أفعالاً "بيروقراطية" أو إدارية، بل كانت نتاج ثقافة المقاومة وفعلها المباشر. إن الإنجاز الحقيقي الذي يراه الناس اليوم في الجنوب اللبناني، وتحديدًا في منطقة جنوب نهر الليطاني، ما كان ليتحول إلى مادة لخطاب رسمي لولا أن المقاومة هي التي أمنت هذا المناخ، فالدولة التي عجزت لعقود عن حماية شبر واحد بقواها الذاتية، تجد نفسها اليوم مستفيدة من توازن الردع الذي فرضته المقاومة، ومع ذلك يحاول بعضهم تصوير هذا الحضور الرسمي كأنه إنجاز محض لسياساتهم أو إدارتهم، متجاهلين أنهم يتحركون في مساحة أمنتها دماء الشهداء وصبر المقاتلين.
إن القفز فوق الحقائق السياسية يبدو أكثر وضوحًا عند مراجعة كيفية وصول هؤلاء إلى مواقعهم، فالحقيقة التي لا يمكن طمسها هي أن المقاومة هي التي أمنت الأصوات والغطاء السياسي والشرعية الشعبية لانتخاب الرئيس، -وبالمثل فإن رئاسة الحكومة لم تكن لتتشكل أو تنال ثقة البرلمان لولا موافقة المقاومة وتصويتها بمنح الثقة. إن هذه الحقيقة تضع السلطة أمام مرآة واقعها، فهي سلطة ولدت من رحم توازنات فرضتها المقاومة بوجودها وتضحياتها، ومن المثير للاستغراب أن يحاول المستفيد من هذا التوازن الادعاء بأنه صاحب الإنجاز المستقل، أو أن يحاول استعارة لغة من أعطاه الوجود السياسي لينافسه بها في فضاء الإعلام.
علاوة على ذلك، فإن الاستقرار الذي نعيشه اليوم في ظل الأزمات المتلاحقة هو استقرار مَدين للمقاومة بشكل حصري، فلولا الدور الإستراتيجي لقيادة المقاومة، لكان لبنان اليوم في مهب الريح تتقاذفه الأجندات الخارجية والمغامرات الداخلية الفاشلة. لقد مارست المقاومة أعلى درجات الصبر والترفُّع تجاه كل الأذى الذي تعرضت له، وصمدت في وجه محاولات التضييق والطعن في الظهر، كل ذلك من أجل الحفاظ على السلم الأهلي ومنع انهيار البلاد. إن هذا الصبر هو الذي أعطى للدولة فرصة أن تبقى، وهو الذي سمح للمسؤولين بأن يتحدثوا عن استقرار أو أمن، فبدل أن يقابل هذا الحرص الوطني بالتقدير، نرى محاولات لمصادرة الإنجازات ونستبها لجهات لم تقدم في الميدان ما يشفع لها بهذا الادعاء. إن الحقيقة التي يراها اللبنانيون فعلًا هي أن المقاومة صمام الأمان، فيما يبقى الكلام المقتبس مجرد صدى لا يملك من أمره شيئًا في غياب الفعل الحقيقي الذي يحميه.
سلطة الانكفاء والسيادة الوهمية تجد نفسها اليوم في مواجهة الحقيقة الميدانية الصادمة، فهي السلطة التي تتباهى علانية بأنها لم تطلق رصاصة واحدة ضد العدو الصهيوني في عهدها، ليكون الرد "الإسرائيلي" على هذا السلم باغتيال شهيدين وتهديد اثني عشر بيتًا بالتدمير في أقل من أربع وعشرين ساعة. إن هذا المشهد يختصر واقع الدولة التي استعادت كما يبدو قرار الحرب على اللبنانيين وقرار السلم مع "إسرائيل"، متقاعسة عن حماية الأرض والناس أمام غطرسة المحتل، وكأن من يحيط بالفريق الحاكم يحاول السطو على هيبة لغوية ارتبطت تاريخيًا بصدق الميدان وعظمة التضحيات للتعويض عن عجزه في ابتكار لغة سياسية أو عسكرية تعبر عن هوية السلطة. إن هذه المفارقة تضعنا أمام سلطة تعيش على مادة أمَّنتها دماء الشهداء وصبر المقاتلين، ثم تحاول لاحقًا مصادرة هذه الإنجازات ونسبتها لسياسات لم تقدم في الميدان ما يشفع لها بهذا الادعاء.