إيران
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
كان الجنرال الشهيد عبد المنعم رياض، هو صاحب نظرية "إذا كنت قادرًا على الدفاع بكفاءة، فأنت تستنزف عدوك". والكفاءة هنا القدرة على الدفاع مع الاستعداد الدائم والجهوزية التامّة للحرب. وهناك جيوش لا قدرة لها على احتمال الاستنزاف طويلًا، حتّى أنّ هناك شعوبًا لا تطيق احتمال الاستنزاف.
وهذا الدفاع بكفاءة، يشبه إلى حدٍ بعيد ما تقوم به إيران اليوم، خصوصًا أنّ العدوّ الذي تواجهه إيران في هذا الوقت، هو ذاته الذي كان يقصده الجنرال عبد المنعم رياض. وترامب اليوم يتجنب حروب الاستنزاف لأقصى الحدود، كما أنّ الكيان المؤقت، على أقصى تقديراته، يستطيع احتمال حربٍ مع إيران لمدة 21 يومًا.
يبحث ترامب ومن خلفه الإمبراطورية الهلوعة، عن حربٍ نظيفة، يجني مكاسبها الإستراتيجية في أجواءٍ استعراضية، ترضي نرجسيته وترضي غرور العنجهية الأميركية، وذلك دون دفع أثمان النصر، لأنّ الشعب الأميركي لا يحتمل كثيرًا مشاهد التوابيت، حين تبدأ بالوصول إلى أراضيه، كما أنّ الخزينة الأميركية لا تحتمل تكلفة حربٍ قاسية، وقد تدوم طويلًا، وهذا ما يجعل قرار فتح النار، قرارًا يحفّه التهيّب الدائم.
ومردّ هذا التهيّب الذي يؤدي لتردّدٍ يفسد الردّ، هو عدم القدرة على التيقن من خوض حربٍ نظيفة، حربٍ بلا أكلافٍ أولًا، وحربٍ ذات نتائج مضمونة ثانيًا، فالهدف النهائي لأيّ عدوانٍ جديد على إيران، هو إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، بغضّ النظر عن نتائج ذلك، إن كان تقسيمًا لأراضي إيران، أو نظامًا موالًا للغرب بشكلٍ مطلق، كما في المثال السوري.
ولكن بما أنّ نظام الجمهورية الإسلامية في إيران يتمسك بسيادته المطلقة واستقلاله الناجز، فإنّ الولايات المتحدة لا تستطيع ضمان هيمنتها على القرن الجديد بوجود هذه الجمهورية، فكلّ خياراتها دون إسقاطها معدومة، وعليه فإنّ خيار العدوان على إيران يصبح مجازفة اضطرارية، بالنسبة لعقلٍ استكباريٍ قد شاخ، ولم يعد يرى بقاءه إلّا بفناء الآخرين.
وهنا مع كلّ هذا التجييش الذي تقوم به الولايات المتحدة، والتحريض الذي يقوم به الكيان المؤقت، نستطيع أن نجزم بأنّ كلّ ما سوّقته الولايات المتحدة، وتبجح به نتنياهو، عن انتصاراتٍ في حرب الـ12 يومًا، كان محض كذبٍ وأوهام، وإلّا ما الذي استجدّ حتّى تحتاج إلى حربٍ جديدة في غضون ستة أشهر، على طرفٍ ادعيت أنّك هزمته ودمّرته.
لذلك فإننا في المنطقة العربية، يجب أن ندرك أنّ الحرب على إيران، هي عدوانٌ على الجميع، وإيران اليوم بغضّ النظر عن كلّ الخلافات، أكانت حقيقية أم مفتعلة، هي الحصن الأخير للمنطقة العربية كلها، لأنّ ما ينتظرنا جميعًا خلف غبار إسقاط إيران، هو الاستباحة التامّة والشاملة، ولن يُنظر لرجال العرب قبل نسائهم إلّا كسبايا.
وبما أنّ هذا العدوان المتوقع، قد يكون آخر الحروب، وأنّ نتائجه ستؤثر على المنطقة والعالم لعقودٍ طويلة، فلا يجب أن يتخلف الشارع العربيّ عن القيام بواجبه، وأن تكون له المساهمة الفعالة في مستقبله، وقد يكون هذا من قبيل الأمل الكاذب، ولكن التاريخ لا ينسى، وكما قال أمل دنقل"ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس) فوق الجباه الذليلة".
لأنّ إيران لو حذت حذوّ الأنظمة العربية ذات (الأصابع الخمس)، لأصبحت هي شرطيّ المنطقة، كما كان حال إيران الشاهنشاهية، ولتغنّى ترامب بقادتها وجيشها ونفطها طويلًا، ولو طلب حينها قادة إيران "المتأسرلون" من ترامب، فرض التشيّع على الجميع لفعل، ولرأينا شيوخ الفتنة يركعون للشاه، ولرأوه في منامهم يصلي مع النبيّ أو يؤمه.
لكن إيران الجمهورية الإسلامية اختارت أن تدافع عن نفسها، وتناصر القضايا العربية، وعلى رأسها قضيتهم المركزية، قضية فلسطين، والمفارقة أنّ أنظمة (الأصابع الخمس) العربية، كانت وما زالت مشكلتهم مع إيران، هي دعمها المطلق واللامشروط للقضية الفلسطينية، فكانوا يريدون فلسطين مرثيةً في قصائدهم، وأطلالًا أندلسية يبكونها بحنينٍ كاذب، لا قضيةً مصيرها سيجعل منهم عبيدًا أو سادة.
إيران أتقنت وتتقن الدفاع بكفاءة، كذلك وبعد تجربة حرب الـ12 يومًا، تعلمت كيف تتقن الاستعداد والجهوزية الدائمة للحرب، وستثبت إيران مجددًا أنّ الجعجعة لا تنتج قمحًا، وأنّ ضجيج الأساطيل وحاملات الطائرات ليس كافيًا لمواجهة دولة أتقنت فنّ الصبر، وأيقنت أنّ النصر صبر ساعة.