اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بعد إلغاء رحلاتها الى الأراضي المحتلة.. العدو يحاول تهدئة شركات الطيران

مقالات

في الولايات المتحدة.. الأموال لحرب بلا نهاية والشعب يتجمّد ويجوع
مقالات

في الولايات المتحدة.. الأموال لحرب بلا نهاية والشعب يتجمّد ويجوع

92

محمد حمود

تولي حكومة الولايات المتحدة باستمرار أهمية للهيمنة العسكرية وتمويل الصراعات الخارجية على حساب البقاء الأساسي لمواطنيها. ففي الوقت الذي تُحاضر فيه الوكالات الفيدرالية حول حقوق الإنسان، يكشف الواقع الداخلي في الولايات المتحدة صورة مختلفة تمامًا، صورة تتسم بتفشي التشرد، والإدمان، والإهمال المنهجي. 

تشير بيانات صدرت بداية هذا العام عن مؤسسة ConsumerShield (حماية المستهلك) إلى أن أكثر من 770 ألف أميركي يعيشون حاليًّا دون مأوى، وهو أعلى رقم يُسجَّل على الإطلاق، ودليل صارخ على انهيار شبكة الأمان الاجتماعي.

تستمر هذه الأزمة رغم الانفاق الفيدرالي غير المسبوق. ووفقًا لوزارة الخزانة الأميركية، أنفقت الحكومة الفيدرالية نحو 1.83 تريليون دولار في الربع الأول وحده من السنة المالية 2026. ومن هذا المبلغ، يُخصص ما يُقدَّر بنحو 15% - أي أكثر من 1.48 تريليون دولار - لما يُسمى "الدفاع الوطني"، في حين لا يُوجَّه سوى نحو 2% للتعليم، وتدريب القوى العاملة، والخدمات الاجتماعية. ويعكس هذا الاختلال الصارخ تفضيلًا للعسكرة على حساب رفاه الإنسان، ضمن إطار سياساتي يتسامح مع الحرمان الداخلي بينما يُغذّي حروبًا دائمة في الخارج، تاركًا ملايين الأميركيين يكافحون - وفي كثير من الحالات يموتون - في شوارعهم.

الكارثة البيئية 

لم يتجلَّ هذا الإهمال بوضوح أكبر مما حدث خلال عاصفة الشتاء الكارثية "فيرن"، التي اجتاحت الولايات المتحدة وأودت بحياة ما لا يقل عن 30 شخصًا وقطعت الكهرباء عن ملايين المواطنين. 

وأكدت تقارير الغارديان العثور على خمسة أشخاص على الأقل موتى في شوارع مدينة نيويورك وحدها، وقد تجمّدوا في ظلال ناطحات السحاب الفاخرة. 

وتُبرز هذه الوفيات، التي كان من الممكن تفاديها بالكامل، حكومةً أكثر انشغالًا بإسقاط قوتها في الخارج من حماية شعبها من كوارث بيئية متوقعة. ففي الوقت الذي كان فيه المواطنون الأميركيون يتجمدون حتّى الموت، واصلت الحكومة الفيدرالية تسهيل نقل أسلحة متطورة إلى صراعات خارجية، وهو خيار سياسي يرى منتقدوه أنه يُقدّم سفك الدماء في الخارج على حفظ الأرواح في الداخل.

مليارات للحروب الخارجية وفُتات للبقاء

يصبح حجم الانفاق العسكري الأميركي أكثر صدمة عند مقارنته برفضه تمويل حلول محلية للإسكان والصحة. ووفقًا لمعهد "كوينسي"، قدمت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار كمساعدات عسكرية مباشرة لـ"إسرائيل" منذ أواخر عام 2023، ممولةً حملة وصفها مراقبون دوليون بأنها إبادة جماعية في غزّة. هذا الرقم لا يشمل عشرات المليارات الإضافية من صفقات الأسلحة المستقبلية التي تمت الموافقة عليها بالفعل، ما يضمن استمرار آلة الحرب لسنوات قادمة. في المقابل، يواصل مشروع الموازنة الفيدرالية لعام 2026 توسيع مخصصات الجيش، بينما تحصل البرامج المحلية المعنية بالتعليم ومكافحة الإدمان على تمويل هامشي فقط. 

كما تُقدّر دراسة تكاليف الحرب بجامعة براون أن نحو 8 تريليونات دولار أُنفقت على صراعات ما بعد 11 أيلول/سبتمبر، ما يُظهر تفضيلًا مستمرًا للانخراط الخارجي على حساب الاحتياجات الداخلية الملحّة.

وفي الموازنة نفسها، تجاوز التمويل التقديري لما يُسمى وزارة الحرب - المعروفة سابقًا بوزارة الدفاع - حاجز التريليون دولار، بزيادة قدرها 13.4% عن العام السابق. وفي تناقض صارخ، طلب المعهد الوطني للصحة السلوكية أقل من مليار دولار لأبحاث مكافحة المخدرات والإدمان، في وقت لا تزال فيه أزمة الفنتانيل تحصد أكثر من مئة ألف روح أميركية سنويًا.

السجن والإهمال وعنف الدولة

يُغذّي هذا الهوس المالي بالصراع مكانة الولايات المتحدة بوصفها رائدة عالميًا في السجن الجماعي والتخلّي الاجتماعي. فبحسب قاعدة بيانات السجون العالمية، تحتجز الولايات المتحدة 20% من سجناء العالم رغم أنها لا تمثل سوى 5% من سكانه. ومع معدل سجن يبلغ 531 شخصًا لكل 100 ألف نسمة، تعاقب الولايات المتحدة سكانها بمعدلات تفوق بكثير العديد من حلفائها الأوروبيين. وبدلًا من الاستثمار في التعليم - الذي يُقدِّر أنه يخلق 13 وظيفة لكل مليون دولار يُنفق - تُواصل الحكومة دعم نظام عقابي يستهدف الفقراء والمدمنين بشكل غير متناسب.

إلى جانب التمويل، تتجاهل الحكومة الأزمة الأخلاقية الأعمق التي تُلحق الضرر بأكثر الفئات هشاشة. ويقدِّر مكتب برامج العدالة أن مئات الآلاف من الأطفال يتعرضون للإساءة سنويًا، إلا أن الاستجابات تركز على العقاب بدل الوقاية أو العلاج. وبينما تتدفق المليارات إلى الدفاع، تُهمل الأسباب الجذرية للانهيار الاجتماعي، مع تفضيل القاذفات على إعادة التأهيل النفسي.

هذه الازدواجية تتكرّس في تعامل الدولة العنيف مع الاحتجاجات. فخلال تظاهرات حديثة للمطالبة بالحقوق المدنية، أفادت ACLED بمقتل متظاهرين اثنين على الأقل وإصابة العشرات بجروح خطيرة على يد قوات الأمن. هذا التناقض - إدانة القمع في الخارج بينما تُلطَّخ الشوارع الأميركية بدماء من يطالبون بإعادة توجيه الأموال العامة من الحرب إلى الرفاه - يبقى شاهدًا حيًا. وطالما استفادت الحروب الخارجية والعسكرة من النصيب الأكبر من الخزانة الوطنية، سيظل المواطن الأميركي شأنًا ثانويًا في بلده نفسه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة