إيران
اهتمت الصحف الصادرة اليوم الخميس 29 كانون الثاني/يناير 2026 بالتوترات التي تشهدها المنطقة لا سيما الحرب الشرسة في الفضاءات الإعلامية على إيران، والتهديدات بالحرب العسكرية عليها، وركزت الصحف على السيناريوهات المحلية والإقليمية والعالمية المتوقعة.
الحرب ضدّ إيران أكثر تكلفة من أي وقت مضى
كتبت صحيفة إيران: "وسط ضجة إعلامية وتكهنات مستمرة حول احتمال نشوب صراع عسكري شامل ضدّ إيران، فإن ما يجري في غرف العمليات ودوائر صنع القرار الإستراتيجي الكلي يُمثل خروجًا كبيرًا عن عناوين الأخبار المثيرة. إذا نظرنا إلى المشهد من منظور منطق القوّة البارد، يتضح أن العقبة الرئيسية أمام أي عمل عسكري مباشر على المدى القريب ليست ببساطة توازن الأسلحة التقليدية، بل شيء أكثر تعقيدًا وحسمًا: التكاليف الباهظة للغموض.
على الرغم من خطابها السياسي الحاد، فإن الحكومات والقوى الكبرى بطبيعتها فاعلة حذرة. فهي لا تلجأ إلى الخيار العسكري إلا عندما تستطيع التنبؤ بدرجة عالية من اليقين بردود فعل الطرف الآخر، ومسار تصعيد الأزمة، ونهاية الصراع. وهنا تحديدًا تتشكّل معضلة الأمن الإيراني؛ حيث لا يتناسب نموذج طهران السلوكي مع أطر إدارة الأزمات الكلاسيكية، وقد أصبح هذا الغموض تحديدًا رادعها الأكثر فعالية.
يتمثل التحدّي الأساسي الذي يواجه المخطّطين العسكريين الغربيين وبعض الفاعلين الإقليميين في أن إيران لا تتبع عقيدة عسكرية خطية وقابلة للنمذجة. في هذا السياق، لا تنتهي الاستجابة لهجوم محدود بالضرورة برد فعل متكافئ أو دفاعي بحت.
في الحسابات الحالية، يواجه الطرف الآخر صندوقًا أسود في عملية صنع القرار لدى طهران؛ صندوقًا تتعدد فيه الخيارات - من ضبط النفس التكتيكي إلى التوسع الأفقي للصراع - في آن واحد.
هذا الغموض يجعل من المستحيل ضمان بقاء الهجوم المحدود عند نفس المستوى. بالاعتماد على شبكة نفوذها الإقليمي وأدواتها غير المتكافئة، تستطيع إيران توسيع نطاق التوّتر جغرافيًا إلى ما وراء ساحة المعركة الأولية واستهداف المصالح الحيوية للطرف الآخر في مناطق أكثر هشاشة.
[...] إن المخاوف بشأن ردود الفعل الإيرانية المبتكرة وغير التقليدية، والتي قد تؤثر على تدفقات الطاقة، وأمن الممرات المائية الدولية، أو استقرار الأسواق العالمية، تدفع بتكلفة الحرب إلى ما هو أبعد من النطاق المقبول.
عندما لا تستطيع دولة ما التأكد من أن الصراع سيظل محصورًا في أهداف عسكرية بحتة، ومن المرجح أن يغير قواعد اللعبة، فإن المنطق الإستراتيجي يقتضي التخلي عن الخيار العسكري. من هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الوضع الراهن كدليل على سلام دائم. ما حال دون اندلاع الحرب هو نوع من التوازن القائم على الخوف والغموض؛ وضع يتجنب فيه الطرف الآخر الدخول في نفق مظلم ذي نهاية مجهولة، ويكتفي، بدلًا من المواجهة المباشرة، بأدوات الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي.
طالما استمر هذا الغموض في أسلوب وتوقيت وشدة رد إيران، فإن احتمال اندلاع حرب شاملة على المدى القريب سيتلاشى أمام حسابات الربح والخسارة العقلانية".
خلل في النظام الليبرالي
كتبت صحيفة وطن أمروز: "وسط غبار المنافسات الرمزية والرسائل الإعلامية الموجزة، فإنّ ما يستحق التأمل ليس فعلًا واحدًا، بل التأمل الجماعي في مفهوم يُسمع في اللغات الرسمية الغربية اليوم: اعتراف ضمني بنهاية النظام الدولي القائم على القواعد الذي كان محور رؤية الحلفاء الغربيين وصنع سياساتهم بعد الحرب العالمية الثانية.
ينبغي تفسير تصريحات مارك كارني في قمة دافوس وما تلاها من تأملات في العواصم الأوروبية لا على أنها مجرد احتجاجات عابرة، بل كإعلان عن صحوة متأخرة؛ صحوة تُظهر أن ما كان يُقبل لعقود على أنه سردية مُرضية حول الهيمنة الأميركية لم يعد اليوم ضمانًا للأمن والاستقرار، بل أصبح هو نفسه مصدرًا للشك.
ما يقوله رئيس الوزراء الكندي ليس مجرد انتقاد لدونالد ترامب أو لحقبة معينة من السياسة الأميركية، بل هو اعتراف صريح بانقطاع في النظام العالمي الذي وفّر الأمن والازدهار والمعنى للقوى الغربية المتوسطة لعقود.
[...] إن الانتقادات التي نسمعها من القادة الغربيين يتم التعبير عنها بشكل عام من داخل النظام الليبرالي، من موقع أصحاب المصلحة الساخطين؛ أي أنهم يريدون إدارة أفضل وتوزيعًا أكثر منطقية للتكاليف، وليس انهيار أو إعادة تعريف كاملة لهيكل السلطة. بمعنى آخر، ينصبّ الجهد المبذول اليوم على إعادة إنتاج الهيمنة في ثوب جديد أو تقليل الهشاشة ضمن النظام القديم نفسه؛ وهو إطار محافظ يهدف إلى إعادة إرساء الأمن والازدهار في وضع لم تعد فيه القواعد توفر الضمانات نفسها كما في السابق. ومن منظور مستقبلي، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات متناقضة ولكنها واقعية. السيناريو الأول هو إعادة التكامل بقيادة أميركية: في هذا الاتّجاه، تُنشئ الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون آليات توافقية لإعادة توزيع التكاليف وتوضيح القواعد، وتقبل أوروبا وكندا رسميًا تبعيتهما المنهجية؛ وستكون النتيجة قصيرة المدى لهذا السيناريو استقرارًا أكبر، ولكن مع استمرار عدم المساواة الهيكلية. أما السيناريو الثاني فهو الاستقلال الإستراتيجي الإقليمي: حيث تستثمر أوروبا والجهات الفاعلة الوسيطة، مثل كندا، استثمارات ضخمة في القدرات الدفاعية والبنية التحتية الحيوية وسلاسل التوريد المحلية، وتحاول تقليل اعتمادها على القوّة المهيمنة من خلال تحالفات قائمة على قضايا محدّدة ودبلوماسية متعددة الأقطاب؛ وهذا المسار المكلف، ولكنه قد يكون طويل الأجل، يسمح بظهور هيمنة إقليمية ناعمة. السيناريو الثالث هو الانهيار المُدار للنظام، وهو وضعٌ يؤدي فيه التفكك النسبي للقواعد الدولية وتراجع الآليات متعددة الأطراف إلى تنافسات محلية وهشاشة متزايدة تُكبّد الاقتصاد والأمن تكاليف باهظة".
يد إيران على الزناد
كتبت صحيفة كيهان: "إن مقامرة رئيس البيت الأبيض الجديدة بإرسال أسطول حربي إلى المنطقة ليست دليلًا على القوّة، بل هي اعتراف بمأزق واشنطن الإستراتيجي أمام إرادة المقاومة الصلبة؛ فإيران وحلفاؤها يملكون الآن زمام المبادرة، فبمجرد خطأ من العدو، سيقطعون شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز، ويدفنون عظمة السفن الأميركية الباهظة الثمن في أعماق الخليج.
بعد الهزيمة المخزية في حرب الأيام الاثنتي عشر، وفشل التحريض الأخير الذي يهدف إلى قلب النظام وتقسيمه، لجأت واشنطن و"تل أبيب" مجددًا إلى تكتيك التهديد العسكري البالي. في هذه الأيام، تُضخّم وسائل الإعلام الأجنبية المستأجرة والناطقة بالفارسية، بالتنسيق مع غرفة عمليات واشنطن، وجود حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" في المنطقة، ربما في محاولة يائسة لإعادة بناء صورة واشنطن الهزيلة. لكن الواقع الميداني أبعد ما يكون عن هذه الصورة الإعلامية المبالغ فيها. إيران الإسلامية، التي شهدت ساحات المعارك وحملات العقوبات، ليست اليوم في أوج قوتها العسكرية فحسب، بل إن يد إيران وحلفائها على الزناد، وسحبه يعني اختفاء الأسطول والقواعد الأميركية من خريطة المنطقة، وارتفاعًا هائلًا في أسعار النفط في الأسواق العالمية. اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يُعدّ مضيق هرمز أداة ضغط إستراتيجية لطهران لإرضاء من يُنصّب نفسه عرابًا للقرية العالمية!
[...] خلافًا للدعاية الغربية التي تُصوّر أي إجراء من جانب إيران في مضيق هرمز على أنه انتهاك للقانون، فإنّ قراءة متأنية للاتفاقيات الدولية تُظهر أن طهران تمتلك أساسًا قانونيًا كاملًا لإغلاق هذا الممر المائي. مع ذلك، ربما لا يملك المحامون والمنظمات القانونية الغربية، التي تُعتبر أدواتٍ في يد أميركا، الشجاعة لإعادة قراءة هذه الاتفاقيات".