مقالات
باحث في الشؤون اللبنانية والسورية
ليس دقيقًا على الإطلاق هذا المصطلح "الحرب الأميركية - الصهيونية على إيران"، الذي يستخدمه بعض الإعلام وسواه. فالواقع يؤكد من خلال الشواهد التاريخية الحديثة والراهنة معًا، أن الجمهورية الإسلامية في حربٍ دائمةٍ مع قوى الاستكبار، منذ انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني، في العام 1979 حتّى اليوم. فقد بدأت الحرب على إيران، يوم شنها النظام العراقي السابق، في صيف العام 1980، التي استمرت نحو ثمانية أعوام، تبعها بنحو عام موجة كبيرة من جرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال لكبار القادة والمسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي، يوم تعرض لمحاولة اغتيالٍ فاشلةٍ في أواخر حزيران من العام 1981، عندما كان يقيم الصلاة في مسجد "أبو ذر" جنوبي طهران. أضف إلى ذلك تنشيط النظام العراقي السابق بقيادة صدام حسين، لجماعة "مجاهدي خلق" الإرهابية، التي اتّخذت من العراق مقرًا لها، لضرب الاستقرار الإيراني، طوال حقبة حرب صدام على الجمهورية الإسلامية. لكنّها خرجت منها منتصرة، ورغم هذه الحروب التي شنت عليها، إلا أنها لم تثنها عن دعم مختلف حركات المقاومة والتحرر في المنطقة والعالم، وفي مقدمها المقاومتان الفلسطينية واللبنانية، وكان ثمرة هذا الدعم تحرير لبنان من الاحتلال الصهيوني في أيار من العام 2000، ثمّ هزيمة الكيان الصهيوني، في عدوان تموز 2006، وتحرير عميد الأسرى العرب الشهيد القائد سمير القنطار ورفاقه من معتقلات العدو، بالإضافة إلى عشرات جثامين الشهداء، التي كانت محتجزةً لدى العدو. يذكر أيضًا أن واشنطن هدّدت بضرب إيران وإسقاط الدولة فيها، غداة احتلال القوات الأميركية للعراق في العام 2002، غير أن الجمهورية الإسلامية نجحت في الالتفاف على هذا الاحتلال، عبر توجيه ضربةٍ قاسيةٍ، لأحد أبرز أدواته في المنطقة، من خلال تقديم كلّ الدعم للعراق وسورية، لتطهيرهما من تنظيم "داعش" الإرهابي، الذي حاول النيل من مكونات محور المقاومة في المنطقة كلل، في شكلٍ خاص.
وعندما سقط الوكيل أي "داعش" وأخواته، تدخل "الأصيل" أي الثنائي "الأميركي - الصهيوني"، الذي دمر سلاح الجيش السوري، في إثر سقوط الدولة في سورية، في الثامن كانون الأول 2024. ثمّ بعد ذلك، شن هذا "الثنائي" عدوانًا على إيران، لضرب قدرتها الصاروخية، وإنتاجها للطاقة النووية لأغراضٍ سلميةٍ، ومنعها من دعم حركات التحرر في العالم، وذلك في حزيران الفائت، واستمر العدوان من 13 حزيران حتّى الـ 24 منه، وانتهى بفشل أهدافه، لا بل نجح الجيش الإيراني في ضرب أهدافٍ إستراتيجية في عمق الكيان الغاصب. ناهيك عن الحصار الاقتصادي الأميركي الخانق على الجمهورية الإسلامية، منذ انتصار الثورة. رغم ذلك لم تتراجع عن التمسك بحقوقها الدفاعية، وتطوير قدراتها في مجال الطاقة والتكنولوجيا وسواها، ودعم المستضعفين في الأرض. وهذا كله بفضل صبر وثبات الشعب الإيراني، وتمسهك بحقوقه، وإيمانه بقيادته وولائه لها، وعلى رأسها القائدان الإمامان الخميني والخامئني.
بالانتقال إلى المرحلة الراهنة، فقد نجحت الأجهزة الأمنية الإيرانية في كشف الأدوار الخارجية، في محاولة تقويض الاستقرار في البلاد، بخاصةٍ الدورين الأميركي والصهيوني، من خلال تنظيم "حركات " احتجاج على تفاقم الأزمة الاقتصادية" في إيران، "وفي وقتٍ قصيرٍ، انكشفت حقيقة هذه "الاحتجاجات"، ليتبيّن أنها أعمال قتل وإجرام وتخريب للمقامات الدينية وللمقار الرسمية... وذلك لضرب الاستقرار وزعزعة الأمن القومي في الجمهورية، غير أنها تخطت مرحلة الخطر، ولكن كان الثمن كبيرًا، فقد بلغ كامل حصيلة ضحايا هذه الأعمال التخريبية 3117، جلهم من رجال الأمن والأبرياء، ونحو 600 من المخربين. كذلك نجحت إيران بالتعاون مع حليفتيها روسيا والصين في إفشال الحرب السيبرانية على مختلف قطاع الاتصالات في الجمهورية.
وفي الصدد، يكشف خبير في الشأن الإيراني، أن واشنطن و"تل أبيت"، تحاولان تحريك الخلايا المسلحة من الانفصاليين العرب والتركمان والأفغان والألمان وسواهم، في حال أقدمتا على شن حرب صاروخية وجوية وبرية على الجمهورية الإسلامية.
بناء على ما تقدم، ووفقًا للمعطيات والوقائع والشواهد التاريخية المذكورة آنفًا، فإن لدى إيران الصبر الإستراتيجي والخبرة في إدارة الحروب الطويلة، والتعامل مع العمليات الإرهابية والتخريبية، كالحرب مع نظام صدام (ثماني سنوات)، ومطاردة "مجاهدي خلق". وهنا يطرح هذان السؤالان، هل لدى الإدارة الأميركية الباع الطويل والقدرة على الدخول في حربٍ طويلة الأمد مع الجمهورية الإسلامية؟. كذلك ألم تأخذ واشنطن العبرة من فشل الاتكال على جماعات مماثلة لـ "خلق" و"داعش" وسواهما، كي تتكل اليوم على بعض الانفصاليين العرب والتركمان والألمان والأفغان وسواهم في حربها على إيران؟