مقالات
شهدت السياسة الأميركية تجاه إيران خلال السنوات الأخيرة سلسلةً من التحولات الاستراتيجية التي ارتبطت بشكل وثيق برؤية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لموازين القوة في "الشرق الأوسط". فقد قامت هذه السياسة إلى حد كبير على مبدأ "الضغط الأقصى"، وهو نهج اعتقد صانعو القرار في واشنطن أنه قادر على إجبار طهران على تغيير سلوكها الإقليمي والقبول بتنازلات استراتيجية واسعة. غير أن التطورات الأخيرة في المنطقة، ولا سيما مع تصاعد التوترات العسكرية في الخليج والحرب المفروضة على إيران، كشفت عن مجموعة من الأخطاء العميقة في التقدير وقعت فيها الإدارة الأميركية وحلفاؤها، وفي مقدمتهم حكومة الكيان الصهيوني.
تتمثل الإشكالية الأساسية في أن فريق الأمن القومي الأميركي أخطأ في تقييم ثلاثة عناصر رئيسية في الحالة الإيرانية، وهي القدرة العسكرية، والإرادة السياسية، ومستوى الصمود الاجتماعي.
قبل اندلاع المواجهة الحالية مع إيران، كانت واشنطن تعمل بالتنسيق مع بعض الدول العربية المنتجة للطاقة على زيادة إنتاج النفط بهدف تقليل الصدمة التي قد يتعرض لها السوق العالمي في حال حدوث تصعيد عسكري. غير أن الحسابات الأميركية افترضت سيناريو "الانتصار السريع"، وهو افتراض تأثر إلى حد كبير بالسردية التي روج لها العدو "الإسرائيلي" حول ضعف قدرة إيران على الرد العسكري الفعّال، في حين كشفت التطورات الميدانية أن طهران كانت قد استوعبت دروس المواجهات السابقة، وخصوصًا المواجهة المحدودة التي استمرت اثني عشر يومًا في حزيران 2025، وعملت على تطوير استراتيجيات ردع غير تقليدية.
تجلّى ذلك بوضوح في استخدام إيران لموقعها الجيوسياسي الحساس في منطقة الخليج، فوجودها على ضفاف مضيق هرمز يمنحها قدرة استراتيجية على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
تصاعد العدوان العسكري الأميركي والسيطرة الإيرانية على المضيق أديا إلى ارتفاع المخاطر الأمنية في هذا الممر البحري الحيوي، ما دفع العديد من شركات الشحن وناقلات النفط إلى التردد في العبور في هذه النقطة المشتعلة، الأمر الذي انعكس سريعًا على أسعار الطاقة العالمية. فقد ارتفع سعر النفط الخام بشكل ملحوظ، وتزايدت المخاوف في الأسواق من احتمال حدوث اضطرابات أوسع في إمدادات النفط.
لم يقتصر التأثير على سوق الطاقة فحسب، بل امتد أيضًا إلى سلاسل الإمداد العالمية. فالمخاوف من توسع نطاق الصراع دفعت شركات التأمين البحري في أوروبا إلى إعادة تقييم التغطية التأمينية للسفن التي تعبر المنطقة، وهو ما زاد من تكلفة النقل البحري وألقى بظلال من عدم اليقين على التجارة الدولية. كما أن احتمال اتساع نطاق التوتر ليشمل ممرات استراتيجية أخرى مثل باب المندب والبحر الأحمر قد يؤدي إلى اضطراب أوسع في حركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
هذه التطورات كشفت عن أحد أهم أوجه القصور في استراتيجية "الضغط الأقصى"، وهو تجاهل البعد الجيوسياسي للموقع الإيراني. فإيران لا تمثل مجرد دولة خاضعة للعقوبات الاقتصادية، بل تقع في قلب شبكة من الممرات البحرية الحيوية والبيئات الجيوسياسية المعقدة، وبالتالي فإن أي محاولة للضغط العسكري أو الاقتصادي عليها تحمل في طياتها مخاطر انعكاسات عالمية، وهو ما يجعل كلفة التصعيد مرتفعة بالنسبة لجميع الأطراف.
إلى جانب البعد الجيوسياسي، برز عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الإيراني. فقد افترضت الإدارة الأميركية أن الضغوط الاقتصادية القاسية ستؤدي إلى إضعاف التماسك الداخلي وإجبار النظام السياسي على تقديم تنازلات كبيرة، غير أن التجربة أثبتت أن التهديد الخارجي غالبًا ما يؤدي إلى نتيجة معاكسة في الحالة الإيرانية، حيث يعزز الشعور بالهوية الوطنية ويزيد من مستويات التضامن الداخلي في مواجهة الضغوط الأجنبية.
وبعيدًا عن الخوض في فشل التقدير الأميركي في جرّ دول الخليج إلى حرب بالنيابة مع إيران وما له من أبعاد إقليمية ودولية، يظهر عامل آخر ساهم في إضعاف الاستراتيجية الأميركية تمثل في غياب الإجماع الدولي. فقد أدى انخراط واشنطن في الحرب دون رؤية واضحة أو حجة مقنعة إلى تراجع مستوى الثقة الدولية في السياسة الأميركية، حيث تبرأت دول أوروبية من الحرب، تاركة الساسة في واشنطن وكيان الاحتلال يواجهون تداعيات الحرب مع إيران بشكل منفرد.
في ضوء هذه العوامل مجتمعة، يمكن القول إن سياسة "الضغط الأقصى" لم تحقق الأهداف التي وضعتها إدارة ترامب. فبدلًا من إجبار إيران على تقديم تنازلات استراتيجية، أدت هذه السياسة إلى تعقيد البيئة الأمنية في الشرق الأوسط وزيادة المخاطر على أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وكشفت التجربة أيضًا أن التعامل مع دولة تمتلك عمقًا تاريخيًا وموقعًا جيوسياسيًا محوريًا مثل إيران يتطلب فهمًا أكثر واقعية لطبيعة التوازنات الإقليمية والدولية.