مقالات
تقف العلاقة الشائكة بين طهران وواشنطن اليوم عند تخوم معادلة صفرية يغلفها جمود استراتيجي يمكن تسميته بحالة اللا اختراق واللا انهيار، حيث يصر الرئيس ترامب على إبقاء النوافذ الدبلوماسية مواربة بانتظار لحظة اقتناص سياسي مواتية، بينما تدير إيران المشهد بنَفَس طويل معتبرة أن فرص التفاوض لم تستنفد بعد عبر قنوات خلفية دؤوبة تسعى لتفكيك العقد المستعصية.
والمفارقة الصارخة هنا هي أن البرنامج النووي الذي لطالما كان المحرك الأساسي لم يعد يمثل العقبة الجوهرية، إذ كشفت شهادة المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش أن طهران قدمت قبيل الحرب الأخيرة حزمة مقترحات تضمنت تنازلات غير مسبوقة، ومع ذلك بقي الحذر الخليجي حاضرًا في قراءة الطموح الإيراني، وهو ما عبر عنه قرقاش بوضوح حين أشار إلى أن إيران تتصرف الآن كدولة عظمى، فكيف إذا امتلكت سلاحًا نوويًا؟
هذا التساؤل يعكس الجوهر الحقيقي للصراع الذي انتقل بوضوح من المختبرات التقنية إلى التوازنات الجيوسياسية العميقة. وفي هذا السياق المتأزم، برز التحرك الإيراني نحو موسكو كخطوة التفافية لتعزيز أوراق القوة، حيث شهدت سانت بطرسبرغ في 27 أبريل 2026 لقاءً مفصليًا بين فلاديمير بوتين وعباس عراقجي، أكدت فيه روسيا التزامها المطلق بالشراكة الاستراتيجية وتنسيق المواقف تجاه اليوم التالي في المنطقة. وهو التنسيق الذي يمنح إيران ثقلًا إضافيًا في مواجهة التعنت الأميركي، خاصة في ملف مضيق هرمز الذي يمثل العصب الحيوي للنظام الاقتصادي العالمي، فإيران تدرك أن تحويل هذا المضيق إلى مساحة سيادة قابلة للإدارة المباشرة ليس مجرد ورقة أمنية، بل هو محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك البحري العالمي، ما يفسر التصلب الأميركي الواضح، فالتنازل في هرمز لا يعني خسارة أمنية فحسب، بل هو اعتراف رسمي بميزان قوى دولي جديد يتجاوز حدود الخليج.
أما العقدة المركزية فتتجلى في الساحة اللبنانية، حيث تستميت "إسرائيل" لفك ارتباط هذا المسار عن العمق الإيراني، ساعية لتحويل لبنان إلى ساحة معزولة يسهل إخضاعها وتفكيك منظومات الردع فيها، في مقابل إصرار طهران على أن لبنان يمثل ركيزة بنيوية في أمنها القومي وحائط صد لا يمكن التفريط به.
وهذا الكباش السياسي يترجمه الميدان المشتعل بضراوة لا نظير لها، فبعد 48 ساعة من العمليات النوعية والقاسية التي نفذها حزب الله ضد جيش الاحتلال، انفجرت لغة التهديد "الإسرائيلي" على لسان يسرائيل كاتس الذي لوح بحرق لبنان بأكمله، وهي تصريحات تعكس في جوهرها ذعرًا من تآكل قوة الردع "الإسرائيلية" وارتباكًا في الحسابات الميدانية أمام ضربات المقاومة المركزة التي وصلت أصداؤها إلى عمق الجليل.
وما زاد من هستيريا الاحتلال هو ما يشهده الميدان في بنت جبيل والطيبة، حيث تحولت هاتان القريتان إلى مقابر حقيقية لنخبة الألوية "الإسرائيلية"، إذ تدور هناك مواجهات ضارية من مسافة صفر، تمكنت خلالها المقاومة من نصب كمائن قاتلة خلف خطوط العدو، ما أدى إلى تكبيد قوات الاحتلال خسائر فادحة وصفت بالأقسى منذ بدء العمليات البرية، حيث تتحدث تقارير إعلامية "إسرائيلية" عن أيام سوداء عاشها الجيش في قرى الحافة الأمامية، مشيرة إلى سقوط العشرات بين قتيل وجريح في صفوف المظليين والكوماندوز، وتدمير ما لا يقل عن 12 آلية عسكرية بين دبابات "ميركافا" وجرافات محصنة خلال الساعات الأخيرة فقط، وهو ما يفسر حالة الإحباط التي تسود الأوساط العسكرية في "تل أبيب".
هذا التخبط العسكري "الإسرائيلي" يوازيه تصدع حاد في الجبهة الداخلية، حيث بلغت أزمة الثقة ذروتها برفض رؤساء مستوطنات الشمال الانصياع لتقييمات الجيش، وقرارهم المستقل برفع مستوى الخطر وتعطيل المدارس، معتبرين أن تطمينات المؤسسة الأمنية ليست سوى بيانات للاستهلاك الإعلامي لا تحميهم من المسيَّرات الانقضاضية وصواريخ المقاومة التي تنهال على رؤوسهم.
وفي محاولة للهروب نحو الأمام، يسعى كاتس لتحويل الإخفاق في كسر إرادة المقاومة إلى ضغط سياسي داخلي عبر التهديد بالعقاب الجماعي الشامل، وكأن تل أبيب تطلب من بيروت تحقيق ما عجزت هي عن تحقيقه بآلتها الحربية التي تترنح تحت ضربات المقاتلين في بنت جبيل والطيبة.
فالإعلام العبري لم يعد قادرًا على إخفاء حقيقة الاستنزاف الحاصل، حيث بدأت ترتفع الأصوات التي تتساءل عن جدوى الاستمرار في معركة برية تبتلع الجنود والآليات دون تحقيق أي هدف سياسي أو عسكري ملموس، بل إن بعض التقارير الأمنية "الإسرائيلية" بدأت تحذر من أن المقاومة نجحت في استدراج الجيش إلى حرب استنزاف طويلة الأمد خلف خطوط الدفاع، ما يجعل أي تقدم إضافي مغامرة غير محسوبة العواقب.
إن المشهد الإقليمي اليوم يتجاوز كونه مجرد صراع على نفوذ محلي، بل هو مخاض عسير لولادة نظام إقليمي جديد، فبينما تفاوض إيران من موقع المتمسك بأوراقه الميدانية والتحالفية مع موسكو، تحاول واشنطن خفض التصعيد دون دفع ثمن الاعتراف بالمتغيرات الجيوسياسية الكبرى.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز "إسرائيل" كعقبة دائمة أمام أي تسوية لا تضمن هيمنتها المطلقة، ما يجعل الجبهة اللبنانية هي المختبر الحقيقي الذي ستحدد نتائجه هوية المنطقة لسنوات طويلة، فالتفاوض اليوم لم يعد على تفاصيل فنية، بل على من يملك حق رسم الخرائط السياسية والأمنية في شرق متوسط مضطرب ومثقل بطموحات القوة وصراعات الوجود، حيث يثبت الميدان يومًا بعد يوم أن لغة النار هي التي تكتب المسودات النهائية للاتفاقيات المرتقبة، وأن صمود بنت جبيل والطيبة ليس مجرد دفاع عن جغرافيا، بل هو كسر للإرادة "الإسرائيلية" التي حاولت فرض اليوم التالي بقوة السلاح فاصطدمت بحائط من الصخور البشرية التي لا تنكسر.