اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي عمليات المقاومة الإسلامية ليوم الجمعة 12 حزيران/يونيو 2026

مقالات

دلالات مواقف المرجعية من أحداث 2006 و2014
🎧 إستمع للمقال
مقالات

دلالات مواقف المرجعية من أحداث 2006 و2014

110

كاتب من العراق

في مثل هذه الأيام، قبل اثني عشر عامًا، قال معتمد المرجعية الدينية، الشيخ عبد المهدي الكربلائي، من على منبر صلاة الجمعة في الصحن الحسيني الشريف: "إنّ العراق وشعب العراق يواجهان تحديًا كبيرًا وخطرًا عظيمًا، وإنّ الإرهابيين لا يستهدفون السيطرة على بعض المحافظات كنينوى وصلاح الدين فقط، بل صرّحوا بأنّهم يستهدفون جميع المحافظات، ولا سيّما بغداد وكربلاء المقدسة والنجف الأشرف، فهم يستهدفون كلّ العراقيين وفي جميع مناطقهم، ومن هنا فإنّ مسؤولية التصدّي لهم ومقاتلتهم هي مسؤولية الجميع، ولا تختصّ بطائفة دون أخرى أو بطرف دون آخر".

وكانت هذه العبارات المقتبسة من نصّ بيانٍ طويلٍ للمرجعية الدينية المتمثلة بالمرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد علي السيستاني، الذي أعلن فيه فتوى "الجهاد الكفائي"، قد عكست في حينه مستوى الخطر المحدق بالبلاد، في الوقت ذاته الذي رسمت فيه خارطة الطريق والمسارات الصحيحة لمواجهة ذلك الخطر ودرئه عن البلاد، بعدما اجتاحت عصابات "داعش" التكفيرية عدة مدن ومناطق مختلفة، وارتكبت جرائم بشعة ومروعة ضد أبناء الشعب العراقي، بصرف النظر عن انتماءاتهم وتوجهاتهم.

وعلى العكس من ذلك الموقف، كانت المرجعية الدينية قد شددت على التهدئة وتجنب الفتنة، حينما تعرّض مرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام في مدينة سامراء لعملٍ إرهابي أواخر شهر شباط/فبراير من عام 2006، إذ وجّهت المرجعية أتباعها وأنصارها وعموم أبناء الشعب العراقي لضرورة ضبط النفس وعدم الانسياق وراء الفتنة الطائفية التي خططت لإشعالها جهات خارجية وداخلية، وبالفعل كان لتوجيهاتها الأثر الكبير في تطويق الفتنة وحقن الكثير من الدماء، وحفظ الكثير من الأرواح، ليس من أتباع المذهب الشيعي فحسب، وإنما من أتباع مختلف المكونات الدينية والقومية والطائفية والعشائرية في العراق.

لماذا اتخذت المرجعية الدينية ذلك الموقف حينذاك، بينما سارعت في صيف عام 2014 إلى إصدار فتوى الجهاد الكفائي بعدما اجتاحت عصابات "داعش" الإرهابية محافظة نينوى ومدنًا أخرى؟

هنا لا بد من الإشارة إلى جملة أمور تشكل، في إطارها العام، إجابةً عن التساؤل المطروح.

الأمر الأول هو أن ما حصل في محافظة نينوى في حينه مثّل تطورًا مقلقًا وخطيرًا؛ لأنه من جانب استهدف ثاني أكبر محافظة عراقية، ولم يستهدف مكونًا اجتماعيًا معينًا، بل إن تنظيم "داعش" أعلن بكل وضوح وصراحة أن هدفه احتلال بغداد وكربلاء والنجف وغيرها من محافظات العراق.

أما الأمر الثاني فتمثّل بالطريقة الدراماتيكية السريعة التي سيطرت من خلالها الجماعات الإرهابية التكفيرية على مختلف مناطق نينوى، وراحت تتوجه إلى مدن ومناطق أخرى، في مقابل تراجع وانسحاب غير مفهوم وغير متوقع لقطعات الجيش، الأمر الذي أشر، بشكل أو بآخر، إلى وجود مؤامرة خارجية بأدوات داخلية استهدفت تدمير العراق وإخضاعه للجماعات الإرهابية، وإغراقه مرة أخرى في مستنقع الفوضى الأمنية.

والأمر الثالث هو أن الجماعات الإرهابية التكفيرية، التي أعلنت أن أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام هم هدفها الأساس، لم تستثنِ المكونات الأخرى، ولا سيّما المسيحيين والإيزيديين وغيرهم، في نينوى وخارجها، والممارسات الإجرامية التي قام بها الإرهابيون بعد سيطرتهم على تلك المحافظة أثبتت وأوضحت حقيقة أهدافهم ومخططاتهم التدميرية الإجرامية.

أما الأمر الرابع، فتمثّل في عدم تبلور مواقف وتوجهات سياسية موحدة ومنسجمة تتجاوز الشعارات النظرية التي رددتها شتى الزعامات والشخصيات السياسية، في الوقت ذاته الذي أخذت فيه حالة من الاستياء والإحباط والخوف والقلق تدب في نفوس شرائح ومكونات اجتماعية عديدة.

هذه الأمور، وربما غيرها، هي التي دفعت المرجعية الدينية إلى إصدار الفتوى التاريخية، التي اتفق الكثيرون من الساسة والمراقبين وعموم النخب على أنها مثّلت رسالةً بليغة وقوية موجهةً إلى كل المكونات وكل الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، وأنها جاءت في الوقت المناسب.

ولا شك أن النقطة المهمة والجوهرية في هذا الجانب تمثلت في أنه ما بين سيطرة تنظيم "داعش" على محافظة نينوى في التاسع من حزيران/يونيو 2014، وحتى صدور فتوى المرجعية الدينية في الثالث عشر من ذلك الشهر، كانت الأمور تتجه إلى حافات خطيرة بوتيرة متسارعة جدًا، ولم يبقَ شيء يبعث على التفاؤل، لأن الفزع والرعب والاضطراب كانت سيدة الموقف. ولكن ما إن صدرت فتوى المرجعية حتى راحت المعطيات تتبدل شيئًا فشيئًا وبصورة واضحة وملموسة، بحيث شكّلت الفتوى نقطة تحول وانعطافة كبرى في مسار الصراع مع الجماعات الإرهابية. إذ إنها عززت الروح المعنوية لدى الكثير من عناصر القوات العسكرية والأمنية الحكومية، وهو ما ساهم، إلى جانب تعديل الخطط العسكرية وتغيير القيادات الميدانية، في إيقاف تمدد الجماعات الإرهابية. وأكثر من ذلك، أخذت تلك الجماعات تتلقى ضربات قاصمة من قبل تشكيلات الجيش العراقي، ولا سيّما طيران الجيش وقوات النخبة.

والمسألة الأخرى هي أن الفتوى أدخلت عنصرًا جديدًا في معادلات الصراع، ألا وهو العنصر الجماهيري المعروف بولائه وطاعته للمرجعيات الدينية على مر التاريخ، من خلال تشكيل الحشد الشعبي، وخصوصًا في المنعطفات الحرجة والحساسة.

وأي مراجعة تاريخية سريعة تؤكد ذلك؛ ففي عام 1911 أصدر المرجع الديني الشيخ الخراساني فتوى الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي لليبيا، وكان لتلك الفتوى تأثير كبير في مجريات الأحداث آنذاك. وفي عام 1948 أصدرت المرجعية فتوى أسقطت معاهدة بورتسموث سيئة الصيت التي أبرمتها الحكومة العراقية مع بريطانيا. وكانت هناك فتوى أخرى بدعم الشعب الفلسطيني ورفض إقامة دولة "إسرائيل"، وفي عام 1967 أصدرت المرجعية الدينية المتمثلة بالإمام السيد محسن الحكيم فتوى بدعم المقاومة الفلسطينية وجواز دفع الحقوق الشرعية لها.

وهناك فتاوى أخرى مثّلت محطات مهمة، وكانت انعكاسًا لعمق مكانة وتأثير المرجعيات الدينية وطبيعة مواقفها التاريخية المشرفة في الدفاع عن القضايا المبدئية.

وليس غريبًا أن نجد أعدادًا كبيرة جدًا من الناس قد استجابت لدعوات وأوامر المرجعية الدينية، وتدفقت إلى مراكز التطوع لتشكل نواة تأسيس الحشد الشعبي فيما بعد. وأكثر من ذلك، فإن شرائح اجتماعية واسعة من عناوين قومية ودينية ومذهبية متعددة تفاعلت إلى حد كبير مع فتوى المرجعية الدينية؛ لأنها رأت فيها مخرجًا حقيقيًا للأزمة، ولأنها كانت - وما زالت - تثق بصدق مواقف المرجعية ومنهجها الأبوي في التعامل مع كل العراقيين، وحتى غير العراقيين، عندما يتعرضون للمحن والأخطار، كما حصل مع إيران ولبنان اللتين تعرضتا للعدوان الأميركي-الصهيوني عدة مرات خلال هذه الأعوام.

الكلمات المفتاحية
مشاركة