نقاط على الحروف
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
لو طُلب إليك إيجاد الفروق السبعة بين تصريح وزير الحرب "الإسرائيلي": "أصدرتُ التعليمات لتدمير كل البنى التحتية لحزب الله في المنطقة الأمنية جنوب لبنان"، وبين تصريح الرئيس الأميركي: "إيران أبلغتنا أنّها في حالة انهيار"، ستُجهد نفسك ثم ينالك العجز. ولكن لو طُلب إليك إيجاد المتشابهات، فلن تبذل جهدًا يُذكر لتجد التشابهات والتطابقات.
يتشابه التصريحان في منطلقات الانفصال عن الواقع، ويتشابهان في التعبير عن العجز المطبق، ويتطابقان في الكوميديا السياسية. وزير حرب، بعد سبعة عشر شهرًا من استباحة الجنوب، منها خمسة عشر شهرًا بشكلٍ منفرد ودون أي مواجهة أو ردّ فعل، يصدر تعليماتٍ بالتدمير، مع أنّ المنطقي أن تكون هذه التعليمات قبل الطلقة الأولى وقبل بدء الحرب.
أما ترامب، الذي يمتاز بالثرثرة والفم الكبير، وليس من عاداته الصمت، فيصمت صمت القبور لأربعة أيام على الخطة الإيرانية لإنهاء الحرب، ثم يفتح فاه الكبير ويثرثر بأنّ إيران أبلغته أنّها تنهار، رغم أنّ قراءة الخطة الإيرانية تعطيك انطباعًا أنّها صيغت لتُرفَض، وأنّ قبولها أميركيًا يعني استسلامًا محضًا.
وبما أنّ افتراض المستحيل ليس مستحيلًا، فلنفترض أنّ إيران تريد الاستسلام للمشيئة الأميركية؛ عندها ستقبل ببساطة الشروط الأميركية دون الاضطرار لإبلاغ ترامب أنّها تنهار. ولو حدث ذلك فعلًا، لرأينا جنود المارينز في ميدان انقلاب أو شارع آزادي في طهران.
إنّ هذه اللغة الكاريكاتورية المتشابهة في التصريحين آنفي الذكر تنمّ عن العجز وانعدام الخيارات، وإنّ هذا العجز ليس من النوع القابل للاستدراك، لذا يُستعاض عنه بالاستعراضات الفموية والهلوسات اللسانية، التي ليس بمقدورها تغيير الوقائع الميدانية.
فالولايات المتحدة ترزح تحت وطأة الخيارات الحرجة: بين معاودة العدوان على إيران بكل ما يحمله ذلك من مخاطر معلومة وغير معلومة، وبين قبول الشروط الإيرانية بكل ما لهذا الخيار من مخاطر معلومة وغير معلومة، وخيارٍ ثالث بالمراوحة بين اللا حرب واللا سلم بكل ما يترتب عليه من مخاطر معلومة وغير معلومة. وكلها، في المضمون، خيارات تتأرجح بين الموت البطيء والانتحار.
بينما "الكيان"، حتى اللحظة، لا يزال عالقًا في حفرةٍ لبنانية بلا قرار؛ زجّ بـ"جيشه" لتأمين مستوطنات الشمال، فوجد أنّه لا يستطيع حماية "جيشه"، وجاء لاستئصال حزب الله، فأصبح حزب الله أكثر مراسًا، ثم تواضع في أهدافه فاكتفى بهدف إبعاده من جنوب الليطاني، فإذا بالحزب يقاتل على الحافة الأمامية.
وأصبح حزب الله في طور إعادة ميزان الردع الذي اختلّ في معركة أولي البأس، بعد أن كان "الكيان" يظنّ أنّه ميزانٌ كُسر للأبد. وهذا ما سلّط عليه الضوء تقريرٌ في صحيفة "معاريف" العبرية، حيث خلص إلى أنّ "حزب الله عاد إلى معادلات الردع السابقة، وعادت "إسرائيل" إلى ما قبل 7 تشرين أول/أكتوبر".
ولكن بما أنّ "الكيان" لا يملك من أمره شيئًا، كذلك لا يملك من خيارٍ إلا المزيد من التورّط في لبنان. وبما أنّه تورّطٌ يصاحبه عجزٌ عن تحقيق الأهداف، يلجأ إلى العبث بالداخل اللبناني عبر إغواء الرسمية اللبنانية بمفاوضاتٍ مباشرة تؤدي إلى شروخٍ داخلية عميقة يصعب التئامها. وسيظل يضغط بهذا الاتجاه طالما وجد آذانًا صاغية في داخل لبنان.
يبدو أننا نعاصر حاليًا مرحلةً لا توسط فيها، أي أنّ الوقائع لا تسمح لأطراف الصراع بوجود منطقةٍ وسطى يلتقي عليها الجميع لتبريد ساحات الصراع، خصوصًا أنّ الولايات المتحدة تريد كل شيء رغم عجزها الميداني، وتريد كذلك منح "الكيان" كل شيء رغم ترهّله ميدانيًا. لذا ستظل الجرائم الموصوفة هي السمة الغالبة على سلوك أميركا وربيبتها، لأنّ العجز يصوّر لهم توهمًا أنّ جرائم الحرب هي السلاح الأكثر فتكًا.