اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الصحف الإيرانية: خطة البحار الأربعة ومفاجأة قاعدة السلطي

مقالات مختارة

من إسناد غزة إلى «أولي البأس» و«العصف المأكول»: قراءة في رواية المقاومة
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

من إسناد غزة إلى «أولي البأس» و«العصف المأكول»: قراءة في رواية المقاومة

46

علي جابر - صحيفة الأخبار
في 7 تشرين الأول 2023، بدأ «طوفان الأقصى»، الذي كان حقاً للشعب الفلسطيني، وفي غزة خاصة بعد حصار وتجويع واغتيال وقتل وتدمير استمر كل ذلك 15 عاماً وهو موت بطيء يتهدّد الشعب الفلسطيني وقضيته. وقد أحدث «الطوفان» صدمة عميقة في الكيان الصهيوني وتحدّياً مصيرياً، ما دفع إلى تغيير العقيدة الأمنية والعمل تحت سقف الخطر الوجودي للكيان الصهيوني، فخاض الصهاينة الحرب بأقصى درجة من الوحشية والإجرام والإبادة، وساعدهم اجتماع وتأييد الولايات المتحدة الأميركية التي اعتبرت نفسها شريكاً كاملاً لإسرائيل وسائر الدول الغربية وتواطؤ بعض الحكومات العربية خصوصاً المُطبِّعة.

كان أمام المقاومة في لبنان ثلاثة خيارات: إمّا التفرّج على ما يجري كما هو الموقف العام السائد، أو الانخراط الكامل في المعركة إلى جانب المقاومة الفلسطينية باعتبارها معركة واحدة ضد العدو الواحد، أو الإسناد ضمن خطة عمل مُحدّدة تُحدِث إشغالاً لجيش العدو على امتداد جبهة الشمال ويخفّف من ضغط العدوان على غزة.

لم يكن هناك مجال للسكوت والتفرّج على مجازر غزة ومظلومية الشعب الفلسطيني لأنه موقف يتنافى مع الالتزام الديني والأخلاقي والإنساني، رغم إدراك المقاومة وحزب الله أنه ستكون هناك انتقادات واعتراضات واسعة من قوى اليمين اللبناني في الداخل على التدخل في هذه الحرب بسبب الاختلاف الجوهري في الرؤية والاصطفاف؛ فاليمين اللبناني يرى نفسه منحازاً إلى الغرب ولا مشكلة جوهرية لديه مع العدو "الإسرائيلي" بل لا تعنيه القضية الفلسطينية ويتناسى كل الاعتداءات "الإسرائيلية" منذ تأسيس الكيان الصهيوني على لبنان، في حين أن المقاومة تراه عدواً يهدّد الوطن والوجود والأرض والإنسان.

وناقشت الأوساط القيادية السياسية والعسكرية في حزب الله حدود التدخل في حرب غزة بعد الاتفاق وعدم جواز السكوت لأن المقاومة في لبنان تقدّم نفسها على أنها النموذج المقاوم للكيان الصهيوني والمدافعة عن بلدها والمستنهض لقوى المقاومة في المنطقة، فكيف يجوز لها السكوت؟! فضلاً عن أن هناك أراضيَ ما زالت تحت الاحتلال، والتهديد "الإسرائيلي" للبنان ما زال مستمراً.

وكان هناك رأيان:

الأول، منشؤه قيادة غزة يدعو إلى اغتنام الفرصة وفتح الجبهة وتنفيذ الخطط العسكرية الموضوعة، وحينها تتحوّل هذه الحرب إلى حرب فاصلة قد تتوسع لتشمل كل محور المقاومة وتكون الفرصة التاريخية لتوجيه ضربة قاضية للكيان الصهيوني قد تنهي وجوده أو على الأقل تضعفه إلى درجة كبيرة. وكان أصحاب هذا الرأي يرون الأجواء السياسية والظروف مؤاتية لأسباب عديدة منها تعاطف الشعوب العربية والإسلامية وحماستها لمعركة غزة والإرباك الكبير الحاصل لدى القيادة "الإسرائيلية".

والرأي الثاني، كان يتمهّل ولا يرى عناصر الحرب الشاملة ضد العدو مكتملة مضافاً إلى الحسابات الداخلية والخشية من ردات فعل عنيفة تهدد حاضنة المقاومة، لذا كان يميل إلى فتح مواجهة محددة بمواقع الاحتلال في الأراضي اللبنانية وتصعيد الضربات المحسوبة مع كل تصعيد "إسرائيلي"، ما يؤدي إلى مشاغلة العدو في الشمال عن حشد قوته كاملة ضد غزة، وهو ما كان يراه الشهيد السيد حسن نصرالله وكانت الغلبة للرأي الثاني وهكذا كان.

تُظهِر هذه الوقائع أن القرار كان لبنانياً تحت عنوان إسناد غزة والدفاع عن لبنان باعتبار الكيان الصهيوني عدواً مشتركاً وخطراً يتهددان الشعبين اللبناني والفلسطيني، ولم يكن بإملاء إيراني كما زعم البعض، بل لم يكن منطلقاً من تنسيق مع القيادة الفلسطينية لـ«حماس» في غزة، وقد أثبت الوقائع أن مبادرة «طوفان الأقصى» كانت قراراً للمقاومة في «حماس» في غزة وحدها.

خلال الفترة الممتدة بين 7 تشرين الأول 2023 عند بدء الرد "الإسرائيلي" على «الطوفان» وصيف 2024 كانت المواجهات الحدودية مع لبنان تتصاعد، وتبيّن أن الإسرائيلي كان بصدد عدوان واسع على لبنان متزامن مع عملياته في غزة حتى ولو لم تبدأ المقاومة في لبنان عملية الإسناد، باعتراف رئيس الأركان "الإسرائيلي" هرتسي هاليفي، ما أسقط عنصر المباغتة ضد المقاومة التي كانت مستعدة لكل الاحتمالات.
تمكّنت الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" و«الموساد» أن تغتال القيادات الميدانية ثم قيادات الصف الأول ثم الثاني، وتدمير منشآت صاروخية ودفاعية عديدة، وصولاً إلى اغتيال قائد أركان المقاومة السيد محسن شكر وقائد «قوة الرضوان» إبراهيم عقيل، خلال أيام شهر أيلول، بسبب الخرق الأمني الذي أكدت الجهات الأمنية في حزب الله أنه تكنولوجي بالدرجة الأولى.

بطبيعة الحال، أحدث الاستهداف المُمنهج والسريع ضعفاً في قدرات المقاومة وإرباكاً في عملية القيادة والسيطرة والرد على هذه الاستهدافات، إلى أن كان يوم 27 أيلول 2024 عندما اغتال العدو الأمين العام لحزب الله الشهيد السيد حسن نصر الله، والتي كانت ضربة قاصمة الظهر، ثم جاء بعده بأيام اغتيال الأمين العام الجديد السيد هاشم صفي الدين مع جمع من القيادات الجهادية الحاضرة في المكان نفسه.

أدّت هذه العمليات إلى حزن لم يشهده الشيعة ومحبو المقاومة من قبل وإحباط وشعور بالانكسار لدى الكثيرين. وحينها، كان السؤال عند بعضهم هل انتهى حزب الله ومعه المقاومة، وأي قيادة يمكن لها أن تمسك بالأمور وتكمل المواجهة بأقل الخسائر؟
لم يكن أحد يتوقع ظهور قيادة جديدة تحمل كل هذا العبء وهذه المسؤولية وجمهور المقاومة من حزب الله وحركة أمل يعاني التشرد والنزوح من الجنوب والبقاع والضاحية. لم يكن الوضع خالياً من ثوابت أسّسها الشهيد نصر الله على مدى عقود: أولها وحدة الصف الشيعي (وتفويض الرئيس نبيه بري بالتفاوض السياسي) والعمل على حفظ المقاومة وحاضنتها والدفاع عن لبنان. وهي ثوابت بنى عليها الأمين العام الجديد لحزب الله الشيخ نعيم قاسم خطته. وهو الذي تولى القيادة في ذروة حرب ضروس تخاض فيها معركة تغيير الشرق الأوسط. وقد وصف الشيخ نعيم قاسم الأيام العشرة الأولى من ولايته بأنها كانت أيام الزلزلة.

سرعان ما انتظم الوضع التنظيمي، خصوصاً الوضع الجهادي للمقاومة، من جديد واستطاع إعادة الترميم والقيادة والسيطرة وأعلن عن معركة «أولي البأس» كرد على العدوان ودفاعاً عن لبنان، وقد فاجأ الشيخ قاسم الجمهور بدوره القيادي، مع شجاعة وحكمة وإدارة جيدة للمعركة، متسلّحاً بقوة استشهادية صنعت ملاحم على طول قرى الحافة الحدودية وعجز الجيش "الإسرائيلي" بخمس فرق تضمّ نخبة قواته من تحقيق تقدّم على الأرض.

كانت الكلفة عالية، لكنها ضرورية لإرغام العدو على وقف عدوانه، وقد تم التوصل إلى آلية لتنفيذ القرار الدولي 1701 ووقف شامل لإطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024. حينها توافق الثنائي الشيعي على تحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية الأمن في الجنوب وتطبيق الاتفاق الذي وقّعت عليه، وتعاون الحزب مع الجيش اللبناني إلى أبعد الحدود في مهمته جنوب الليطاني.

أمّا بنيامين نتنياهو الذي رفع شعار «إسرائيل الكبرى والشرق الأوسط الجديد»، فلا يناسبه تقييد حركة الجيش "الإسرائيلي" لذا أطلق له العنان في التقدم في عمق المنطقة الحدودية والتدمير الشامل للقرى دون أن تتحرك الدول الضامنة للاتفاق ولا الحكومة اللبنانية التي حمَّلت المقاومة المسؤولية وجرّمتها، فيما واصل العدو عمليات الاغتيال لقيادات وكوادر المقاومة، ومع ذلك التزمت المقاومة، طوال خمسة عشر شهراً، بوقف إطلاق النار من جانب واحد على أمل أن تفعل الحكومة اللبنانية شيئاً، لكن كان واضحاً عدم إمكانية الوصول إلى أيّ إيجابيات.

كانت بداية العدوان الصهيوني الأميركي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية واغتيال الإمام الشهيد السيد علي خامنئي نقطة تحول كبرى في مسار الصراع، والمقاومة في لبنان معنية باغتيال السيد الخامنئي ليس كقائد وولي فحسب بل أيضاً كمرجعية دينية للشيعة في العالم وفي لبنان ولا يمكن السكوت عن هذه الجريمة، كما أنه بات من اللازم كسر الحلقة العدوانية الجهنمية التي وضع لبنان وجنوبه فيها والعودة إلى فعل المقاومة وهكذا كان في 2 آذار. وأعلن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم انطلاق معركة «العصف المأكول» دفاعاً عن لبنان وشعبها.

جاء أداء المقاومة والكثافة النارية وتغيير الأساليب والأدوات القتالية صادمةً لأوساط العدو السياسية والأمنية، وكشفت عن فشلهم في تدمير المقاومة خصوصاً مع إحكام القيادة والسيطرة على المعركة، وكانت مفاجأة المُحلّقات المُفخّخة. ثم إن المقاومة لم تتمسك بالأرض، ولجأت إلى حرب العصابات وتكبيد العدو الخسائر الفادحة واغتيال ضباطه، وفي بعض الأحيان بالمواجهة المباشرة وإجباره على التراجع كما حصل في بلدة حداثا وزوطر الشرقية وميفدون وكفرتبنيت ومجدل زون...

بعد مفاوضات صعبة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، شكّل لبنان بنداً رئيسياً فيها، ومحاولة بنيامين نتنياهو تعطيل مذكّرة التفاهم في الساعة الأخيرة عبر ضرب الضاحية الجنوبية، تمّ إعلان الاتفاق بين الطرفين فجر الأحد 14 حزيران 2026 وتمّ التوقيع الورقي عليها يوم الخميس 18 حزيران 2026 على أن يعقب ذلك مرحلة مفاوضات للوصول إلى التوقيع النهائي على الاتفاق التفصيلي. فقبل نتنياهو بالشق الإيراني، لكنه رفض الانسحاب من لبنان واستمرت الاعتداءات على القرى والتدمير ومحاولات التقدم.

وعلى ضوء الأهداف المُعلنة ورفضها التفاوض المباشر مع العدو، حدّدت المقاومة علاقتها بالرئاسة والحكومة اللبنانية بالتنسيق الكامل مع دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري لتأمين موقف وطني جامع وموحَّد يحقق هذه الأهداف التي باتت موضع إجماع.

كيف ترى المقاومة في لبنان مخرجات هذه الحرب عقب الاتفاق الأميركي الإيراني؟
أولاً: فشل العدو "الإسرائيلي" في القضاء على المقاومة في لبنان والذي كان هدفاً رئيساً له.
ثانياً: إن المقاومة في لبنان لم تحمِ الجنوب فقط بل حمت لبنان وسائر المنطقة من خطر التوسع "الإسرائيلي" نحو حلم "إسرائيل الكبرى" الذي فشل في تحقيقه نتنياهو لحدّ الآن.
ثالثاً: إن وجود المقاومة حاجة ضرورية للبنان وكل المنطقة أمام الخطر الصهيوني القائم، أمّا كيف يستمر هذا الوجود فمتروك للأيام القادمة والحوار الداخلي.
رابعاً: أظهرت هذه الحرب التركيبة الهشّة وغير المنسجمة للدولة وسلطتها وانصياعها للقوى الأجنبية والتخلّي عن العديد من الثوابت الوطنية بصورة غير متوقّعة ولم تنجح في الحفاظ على الوحدة الوطنية والتماسك في وجه العدوان، ما يستوجب إعادة النظر في ترتيب البيت اللبناني دون أن يعني ذلك دعوة إلى الانقلاب بقدر ما هي دعوة إلى تحسين وضع الدولة وأداء سلطاتها.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة