اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي العهد لا العقيدة: في المعنى السياسي لآية البراءة

مقالات مختارة

لا تفويض أميركي لـ
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

لا تفويض أميركي لـ"إسرائيل" بتصعيد المواجهة: الحرب على لبنان ليست قرار نتنياهو وحده

54

علي حيدر - صحيفة الأخبار
لا يُنظر إلى لبنان، في الحسابات "الإسرائيلية"، بوصفه مجرد امتداد لساحة المواجهة الإقليمية، بل باعتباره ساحة أمنية واستراتيجية قائمة بذاتها. وهذا ما تعكسه سياسة الحركة الصهيونية تجاهه منذ ما قبل عام 1948. ومع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، رأت "اسرائيل" أن الظروف باتت مؤاتية لتحقيق جانب من أهدافها الاستراتيجية، فتبلورت في عقيدتها الأمنية رؤية تعتبر لبنان مجالاً ينبغي إخضاعه لضبط أمني وسياسي، ومنع تحوّله إلى قاعدة تهدّد الجبهة الشمالية أو تحدّ من حرية عمل جيش العدو. ومن هنا، ترتبط الأهداف "الإسرائيلية" في لبنان برؤية أوسع تتصل بأمن الحدود، والعمق الاستراتيجي، وموازين القوى في المنطقة.

إلا أن خصوصية الساحة اللبنانية في التفكير الاستراتيجي "الإسرائيلي" لا تعنى عزلها عن التحولات الإقليمية. فقرار تل أبيب شنّ الحرب، وتحديد توقيتها وحجمها ومدّتها، يبقى وثيق الارتباط بالموقف الأميركي وبمسار المواجهة بين واشنطن وطهران، في ظل معادلات الردع التي فرضتها الجمهورية الإسلامية لحماية لبنان والحدّ من الاعتداءات "الإسرائيلية". ومن هذا المنطلق، يستدعي اللقاء بين رئيس الحكومة "الإسرائيلية" بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب أسئلة مباشرة حول انعكاساته على خيارات العدوّ تجاه لبنان.

جاء اللقاء في لحظة تجاذب بين خيارين: استئناف التصعيد العسكري ضدّ إيران، أو المضي في مسار تفاوضي يضبط الصراع. وقد سعى نتنياهو إلى ترجيح الخيار الأول، انطلاقاً من تقدير "إسرائيلي" مفاده أن الضربات السابقة لم تحقق أهدافها بالكامل، وأن منح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها سيضاعف مستوى التهديد في المستقبل.

إلا أن المعطيات العلنية لا توحي بأن نتنياهو حصل على تفويض أميركي مفتوح، من دون أن يعني ذلك استبعاد خيار التصعيد نهائياً. فقرار الذهاب إلى مواجهة جديدة يبقى محكوماً بجملة من الاعتبارات الداخلية والاستراتيجية والعسكرية والطاقوية.

صحيح أن "اسرائيل" قد ترغب بتوسيع دائرة الضغط أو الذهاب إلى حرب جديدة، إلا أن انتقالها إلى مواجهة شاملة يظل مرهوناً بسقف الغطاء الأميركي. فعندما تكون الموارد العسكرية والسياسية لواشنطن موزعة على أكثر من ساحة، وتبدي الإدارة الأميركية تردداً في الانخراط في حرب إقليمية جديدة، يصبح من الصعب على تل أبيب فتح جبهة إضافية عالية الكلفة من دون موافقة أميركية. ويزداد هذا القيد أهمية بعدما تبيّن لكل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" أن لبنان ليس جبهة يمكن حسمها عبر عملية عسكرية خاطفة، كما كان يُعتقد، بل ساحة قادرة على إرباك خياراتهما الإقليمية.

لذلك، يصعب تصور عودة "اسرائيل" إلى توسيع الحرب على لبنان بمعزل عن موقف الرئيس الأميركي، الذي يتأثر بدوره بمسار المواجهة مع إيران وبالتوازنات الإقليمية الأوسع. وبات الانتقال من سياسة الضغط المحدود إلى خيار الحرب الشاملة أكثر ارتباطاً بالقرار الأميركي مما كان عليه في السابق. ولولا هذا العامل، لوجدت واشنطن وتل أبيب في الظروف الداخلية اللبنانية والإقليمية فرصة سانحة للاستفراد بلبنان.

كما أن أي حرب واسعة لن تبقى محصورة داخل الساحة اللبنانية، بل قد تستدرج ردوداً إقليمية، وتهدد المصالح الأميركية، وتنعكس على أمن الملاحة وأسواق الطاقة، وتنسف أي مسار تفاوضي مع طهران. لذلك، كلما بقي ترامب متمسكاً باستخدام التصعيد كورقة لتحسين شروط التفاوض، لا كبوابة إلى حرب مفتوحة، ازدادت القيود المفروضة على "إسرائيل".

الانتقال من الضغط المحدود إلى الحرب الشاملة أصبح أكثر ارتباطاً بالقرار الأميركي ومسار المواجهة مع إيران

غير أن هذه القيود لا تلغي الدافع "الإسرائيلي" الذاتي. فلا تزال تل أبيب تنظر إلى المقاومة باعتبارها العقبة الرئيسية أمام مخططاتها في لبنان، وتهديداً مباشراً لها، وتسعى إلى فرض ترتيبات أمنية وسياسية في الجنوب تجعله ساحة مكشوفة.
وانطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن العامل الأبرز في كبح خيار الحرب الشاملة حتّى الآن يتمثل في استمرار لبنان ضمن أولويات الاستراتيجية الإيرانية، وفي فاعلية معادلة الردع التي أرستها طهران. فكلما ازداد اقتناع واشنطن وتل أبيب بأن توسيع الحرب على لبنان سيستدرج رداً إيرانياً مباشراً أو يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع، تراجعت فرص الإقدام على مغامرة عسكرية جديدة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الرسالة التي وجّهها قائد الجمهورية الإسلامية، السيد مجتبى الخامنئي، عندما أعاد، عملياً، ربط أي اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي بانسحاب "اسرائيل" من جنوب لبنان. وقد جاء هذا الموقف في توقيت بدا أقرب إلى خطوة استباقية لمواجهة محاولة أميركية – "إسرائيلية" للاستفراد بلبنان. ومن خلال هذا الربط، تؤكد طهران أن أي تهدئة، كما أي تسوية إقليمية، لا يمكن أن تكون انتقائية أو مجتزأة، وأن أي تصعيد في لبنان سيقود إلى تصعيد أوسع، كما أن أي مفاوضات لا يمكن أن تتجاهل الساحة اللبنانية.

وهكذا، تحاول طهران تكريس معادلة مفادها أن استقرار جنوب لبنان جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم، وليس ملفاً منفصلاً يمكن استخدامه لتعويض "اسرائيل" عن عدم تمكنها من شن الحرب التي تريدها ضدّ إيران. وكلما تعزز التوجّه الأميركي نحو منع انفلات المواجهة مع طهران، ازدادت الحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار في لبنان، تفادياً لنسف المسار التفاوضي الأوسع.

وانطلاقاً من ذلك، يبقى مسار التطورات في لبنان مرتبطاً، في المقام الأول، بمآلات المشهد الإقليمي. إلا أن "تل أبيب" لا تزال تراهن على أحد ثلاثة سيناريوهات: اندلاع مواجهة شاملة مع إيران، أو إقناع الرئيس الأميركي باستغلال انشغال طهران بتحدياتها الداخلية والإقليمية لمنح "اسرائيل" هامشاً أوسع لتصعيد عدوانها، أو استثمار حرص إيران على حماية لبنان والمقاومة لتحويل الساحة اللبنانية إلى ورقة ضغط عليها. وهذا ما يبدو أن واشنطن تتجنّبه حتّى الآن.

ويعود ذلك، في جانب أساسي منه، إلى أن طهران نجحت في ترسيخ صدقيتها في الدفاع عن المقاومة، بعدما أثبتت استعدادها لرفع مستوى المخاطرة كلما اتسع نطاق العدوان "الإسرائيلي" على لبنان.
في المحصلة، يبدو أن لقاء ترامب - نتنياهو لم يمنح "اسرائيل" تفويضاً مفتوحاً للتحرك في لبنان. ولا يزال خيار الحرب الشاملة مكبوحاً بعاملين رئيسيين: أولهما استمرار لبنان في صلب أولويات الاستراتيجية الإيرانية، وما يرتبط بذلك من معادلة ردع إقليمية؛ وثانيهما حرص ترامب على توظيف الضغط العسكري لتحسين موقعه التفاوضي مع طهران، لا للدفع نحو مواجهة شاملة في المنطقة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة