اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حرس الثورة يحذّر الدول الداعمة للعدوان: ستتلقى ردًا قاسيًّا إذا لم تعدل سلوكها

مقالات مختارة

العهد لا العقيدة: في المعنى السياسي لآية البراءة
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

العهد لا العقيدة: في المعنى السياسي لآية البراءة

59

نواف الموسوي - صحيفة الأخبار
ليست المشكلة، في كثير من القراءات التي أُسقطت على آيات القتال والبراءة في القرآن [سورة التوبة]، أنّها أخطأت في فهم لفظٍ هنا أو حكمٍ هناك فحسب؛ بل إنّها نقلت النصّ من مجاله التاريخي والسياسي إلى مجالٍ عقديّ مُطلق، فجعلت من اختلاف الدين علّةً كافية للحرب، ومن الكفر سببًا مباشرًا لإسقاط العهد، ومن الشرك عنوانًا لإباحة الجماعة المخالفة. بهذا النقل يتحوّل النصّ من خطابٍ في السياسة الشرعية، وتنظيم العلاقة بين جماعةٍ مؤمنة وخصومٍ نقضوا العهود أو ظاهروا عليها، إلى خطابٍ في الإلغاء الوجودي للمختلف. وليس هذا بالتحويل الهيّن؛ لأنّه يمسّ أصل التصوّر الإسلامي للعمران السياسي: أهو عمرانٌ قائم على العهد والوفاء والعدل، أم هو عمرانٌ قائم على الحرب المفتوحة حتى الاستسلام أو المحو؟

تأتي الآية السابعة من سورة التوبة لتضع حدًّا فاصلًا بين هذين الفهمين: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ظاهر الآية، لمن يقرأها قراءةً متأنّية، أنّها لا تلغي العهد من حيث هو عهد، ولا تجعل الشرك وحده سببًا لإبطاله، بل تميّز بين مشركٍ ناقضٍ للعهد ومشركٍ مستقيمٍ عليه. وهذه التفرقة هي لبّ المسألة. فالخطاب لا يقول: ما داموا مشركين فلا عهد لهم؛ بل يقول: كيف يكون لهم عهد بعد ما ظهر من نقضهم وغدرهم، إلا أولئك الذين عاهدتموهم فثبتوا على عهدهم، فاثبتوا لهم. معنى ذلك أنّ معيار العلاقة هنا ليس الاعتقاد مجرّدًا، بل السلوك السياسي: الوفاء أو النقض، السلم أو العدوان، الاستقامة أو الغدر.

وهذا المعنى لا تقوله قراءة حداثية متكلّفة للنص، بل يشهد له كبار المفسّرين. فالطبري يربط الآيات بسياق العهود التي نقضتها قبائل من المشركين، وبالاستثناء الذي حفظ حقّ من لم ينقض. والقرطبي يقف عند قوله تعالى: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ ليجعل الوفاء بالعهد واجبًا ما دام الطرف الآخر ملتزمًا به. وابن كثير، مع شدّته في مواضع القتال، لا يخرج عن هذا المعنى حين يقرّر أنّ الاستثناء متعلّق بمن لم يظاهر على المسلمين ولم ينقض عهده. أمّا الرازي، فيفتح الباب لفهم أوسع حين يلاحظ أن الأمر بالاستقامة لهم مُعلّق باستقامتهم، وهذا التعليق يدلّ على أن الحكم يدور مع العهد لا مع مجرّد الوصف الديني.

إنّ في الآية، إذًا، قاعدة سياسية كبرى: المخالف في الدين ليس عدوًّا بالضرورة؛ وإنما يصير عدوًّا حين يعتدي أو يغدر أو ينقض ميثاقًا. أمّا إذا دخل في علاقة عهد، واحترم شروطها، ولم يظاهر على الجماعة المؤمنة، فإنّ الوفاء له ليس ترخيصًا سياسيًّا عابرًا، بل مقتضى من مقتضيات التقوى: ﴿إن الله يحبّ المتقين﴾. وهذا الختم بالغ الدلالة؛ إذ يجعل الوفاء للمشرك المستقيم في عهده فعلًا من أفعال التقوى، لا تنازلًا عن العقيدة ولا ضعفًا في الولاء الديني. التقوى هنا ليست حماسة حرب، بل انضباط أخلاقي أمام الخصم؛ وليست انفعالًا عصبيًّا، بل حفظٌ للحدود التي جعلها الله بين القتال المشروع والعدوان المُحرّم.

من هنا يظهر الخلل في القراءة التي تختزل علاقة المسلمين بغيرهم في ثنائية الحرب والاستسلام. هذه القراءة لا ترى في الآخر إلا كفره، ولا ترى في النص إلا الأمر بالقتال، ولا ترى في التاريخ إلا لحظة الصدام. لكنها تغفل أن القرآن نفسه أقام نظامًا مُتدرّجًا للعلاقات: برّ وقسط مع غير المحاربين في قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم﴾؛ ووفاء بالعهد مع المعاهدين؛ وقتال لمن يقاتل وينقض ويظاهر. فالمنطق القرآني ليس منطق إبادة دينية، بل منطق تمييز سياسي وأخلاقي: ليس الناس سواءً في موقفهم من الجماعة المؤمنة، وليس اختلافهم في العقيدة كافيًا لجعلهم في منزلة واحدة.

ولعلّ أخطر ما فعلته بعض القراءات الفقهية المتأخرة أنها جعلت آيات البراءة ناسخةً لكل آيات السلم والعهد والبرّ، حتى كادت تجعل القرآن ذا صوت واحد لا يقول إلا القتال. وقد نبّه عدد من العلماء إلى خطورة التوسع في دعوى النسخ. فالشافعي، وهو من أوائل من ضبطوا أصول الاستدلال، لم يجعل النسخ بابًا مفتوحًا لكل تعارضٍ متوهَّم. وأبو مسلم الأصفهاني كان من أشدّ المتحفّظين على تكثير النسخ. وفي العصر الحديث، شدّد محمد عبده ورشيد رضا، كلٌّ بطريقته، على أنّ آيات القتال ينبغي أن تُقرأ في سياق العدوان والفتنة ونقض العهود، لا بوصفها إعلان حرب على العالم. وقد ذهب محمود شلتوت إلى أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، وأن القتال إنما شُرع لدفع العدوان وحماية حرية الدعوة، لا لإكراه الناس على الدين.

إنّ الإسلام السياسي بالمعنى الواسع، أي الإسلام بوصفه حاملًا لرؤية في الاجتماع والسلطة والعدل، لا يبدأ من سؤال: كيف نلغي المختلف؟ بل من سؤال: كيف ننظّم الاختلاف دون ظلم؟ كيف نحفظ الجماعة من العدوان دون أن نجعلها جماعة عدوان؟


ليس معنى ذلك إنكار وجود لحظة قتال في الإسلام، ولا تحويل النص إلى خطاب مسالمة مجرّدة لا ترى القوة ولا الصراع. فهذا تبسيط معاكس للتبسيط الأول. إنما المعنى أن القتال في التصوّر القرآني ليس هو الأصل الأنطولوجي للعلاقة مع المختلف، بل هو حكم سياسي أخلاقي مشروط: بالعدوان، أو الإخراج من الديار، أو نقض العهد، أو منع حرية الاعتقاد والدعوة. وبقدر ما يكون القتال مشروطًا، يكون السلم والعهد والبرّ ممكنةً بل واجبةً حين تنتفي شروط الحرب. هنا يتأسّس الفقه السياسي لا على عاطفة العداء، بل على ميزان الحق: من استقام لنا استقمنا له؛ ومن اعتدى رُدّ عدوانه؛ ومن سالم عومل بالسلم؛ ومن وفى وُفي له.

إنّ مفهوم العهد، في هذا السياق، ليس تفصيلًا فقهيًّا هامشيًّا، بل هو من أصول الاجتماع السياسي في الإسلام. فالنبي، منذ الهجرة إلى المدينة، لم يؤسّس جماعة المؤمنين بوصفها طائفة مُغلقة تعيش في حرب مع كل من خالفها، بل أقام صحيفة المدينة، وفيها اعتراف بتعدّد الجماعات الدينية داخل نظام سياسي واحد، مع حفظ الحقوق والواجبات، وتنظيم الدفاع، ومنع الظلم، والاحتكام إلى عقد جامع. وقد رأى كثير من الباحثين، من محمد حميد الله إلى المعاصرين من دارسي السيرة السياسية، أنّ الصحيفة تمثّل نموذجًا مبكرًا لفكرة الجماعة السياسية المركّبة، حيث لا تلغي وحدة النظام تعدّد الانتماءات الدينية.

هذا لا يعني إسقاط مفهوم الدولة الحديثة على القرن الأول الهجري، ولا تحميل النصوص ما لا تحتمل. لكنه يعني أن في التجربة الإسلامية الأولى إدراكًا عميقًا لمعنى التعاقد السياسي: الناس لا يعيشون معًا لأنهم يتشابهون في الاعتقاد بالضرورة، بل لأنهم يلتزمون نظامًا من الحقوق والواجبات، ويحترمون حدود العهد، ويمتنعون عن العدوان المتبادل. إنّ المشترك السياسي هنا لا يطابق المشترك العقدي. وهذه فكرة مركزية في بناء أي تعدّدية: أن يكون الاختلاف الديني قائمًا، لكن لا يتحوّل إلى حرب أهلية دائمة؛ وأن تبقى العقيدة مجالًا للحق الديني، بينما يكون العهد مجالًا للحق السياسي.

ولم يكن ابن تيمية، على ما يُستدعى غالبًا في خطابات التشدّد، غافلًا عن هذا التمييز. فقد قرّر في مواضع متعددة أنّ القتال ليس لمجرد الكفر، وإلا لقوتل كل كافر، وإنما لما يقع من حرابة وعدوان وصدّ. كما أن ابن القيم، في أحكام أهل الذمة، أطال في بيان أحكام العهد والذمة والأمان، وهي كلها مفاهيم لا تستقيم إذا كان الأصل حربًا مطلقة مع المخالف. فالفقه الإسلامي، حتى في صوره التقليدية، عرف مراتب للعلاقة مع غير المسلم: محارب، ومعاهد، وذمي، ومستأمن. وهذه المراتب، مهما اختلفنا اليوم في صياغتها القانونية الحديثة، تدلّ على أن المخالف لم يكن عند الفقهاء كتلة واحدة، وأن الحكم عليه كان يتغيّر بتغيّر موقعه السياسي والقانوني.

هنا نستطيع أن نفهم كيف تفتح الآية بابًا لتصوّر سياسي إسلامي يقبل التعدّدية لا بوصفها منّة من القوي على الضعيف، بل بوصفها نتيجة من نتائج الوفاء بالعهد. فالتعدّدية ليست مجرّد تسامح نفسي مع وجود الآخر، بل هي تنظيم مؤسّسي للاختلاف. والتسامح، إذا بقي عاطفة، ظلّ هشًّا؛ أمّا إذا صار عهدًا، فقد اكتسب صفة الإلزام. ولذلك فإنّ الآية لا تقول للمؤمنين: أحبّوا عقيدة المشركين، ولا تقول: سوّوا بين التوحيد والشرك في باب الإيمان؛ بل تقول: إنْ كان بينكم وبينهم عهد، واستقاموا عليه، فاستقيموا لهم. إنها تميّز بين الحق الديني والحق السياسي، بين الحكم على الاعتقاد والحكم على السلوك، بين البراءة العقدية من الشرك والوفاء السياسي لصاحب العهد.

في هذا التمييز تكمن إمكانية كبرى للفكر الإسلامي المعاصر. ذلك أن المجتمعات الحديثة، خصوصًا مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لا تعيش في فضاء ديني واحد صامت؛ بل في فضاء متنوع: مذاهب، طوائف، أديان، لا دينيون، قوميات، جماعات ثقافية، مصالح متداخلة، علاقات دولية مُعقّدة. فإذا أُدير هذا التعدد بمنطق الفرز العقدي النهائي، تفجّرت السياسة إلى حروب هوية لا تنتهي. أمّا إذا أُدير بمنطق العهد، فأمكن تحويل الاختلاف إلى انتظام: عقد مواطنة، دستور، حقوق، واجبات، منع للعدوان، مساواة أمام القانون، وحفظ للكرامة. وهذا ليس خروجًا على روح النص، بل استئناف لواحد من معانيه العميقة.

وقد أدرك فلاسفة السياسة، من هوبز إلى لوك وروسو، أن الخروج من العنف لا يكون إلا بعقد ينقل الناس من حال الخوف إلى حال النظام. لكن ما تضيفه الرؤية القرآنية هنا أنّ العقد ليس مجرّد حيلة عقلانية للنجاة من الحرب، بل قيمة أخلاقية ودينية: الوفاء بالعهد من التقوى. لذلك كان الغدر، في القرآن والسنّة، من أقبح النقائص. وفي الحديث: «آية المنافق ثلاث»، ومنها: «وإذا عاهد غدر». فالذي يغدر لا يخطئ سياسيًّا فقط، بل يسقط أخلاقيًّا. وحين يكون الوفاء للمخالف جزءًا من التقوى، يصبح الدين ضامنًا للعهد لا ناقضًا له.

إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب الوعي الديني هو أن يخلط بين الصلابة في الاعتقاد والغدر في السياسة، أو بين الولاء لله والعدوان على من لم يعتدِ. فالقرآن لا يطلب من المؤمن أن يذيب عقيدته في عقيدة الآخر، لكنه يطلب منه أن يعدل. لا يطلب منه أن يتنازل عن التوحيد، لكنه يمنعه من أن يجعل التوحيد ذريعة للظلم. لا يطلب منه أن يلغي الفوارق بين الإيمان والكفر، لكنه يمنعه من تحويل هذه الفوارق إلى رخصة حرب لا تنتهي. بهذا المعنى يكون العدل أعلى من العصبية، والوفاء أعلى من الانفعال، والتقوى أعلى من الغلبة.

من هنا ينبغي إعادة قراءة آيات البراءة قراءة سياسية تاريخية أخلاقية، لا قراءة اقتطاعية تجريدية. فقد نزلت في سياق محدّد: عهود، قبائل، نقض، تظاهر على المسلمين، صراع حول البيت الحرام، وانتهاء مرحلة من العلاقات مع جماعات غادرت التزاماتها. ومَن يقرأ الآية السابعة في موضعها يدرك أنها ليست هدمًا لفكرة العهد، بل دفاع عنها ضد من نقضها. ولو كان مجرّد الشرك سببًا لإلغاء العهد لما كان للاستثناء معنى، ولا لقوله: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ وظيفة، ولا لختم الآية بالتقوى دلالة.

إنّ الإسلام السياسي بالمعنى الواسع، أي الإسلام بوصفه حاملًا لرؤية في الاجتماع والسلطة والعدل، لا يبدأ من سؤال: كيف نلغي المختلف؟ بل من سؤال: كيف ننظّم الاختلاف دون ظلم؟ كيف نحفظ الجماعة من العدوان دون أن نجعلها جماعة عدوان؟ كيف نقيم الولاء للعقيدة دون أن نهدم العهد مع الإنسان؟ كيف نجعل القوة في خدمة الحق لا في خدمة الهوى؟ هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تُستعاد اليوم في مواجهة قراءتين متقابلتين: قراءة تريد تحويل الإسلام إلى حرب دائمة، وقراءة تريد نزعه من كل قدرة على الدفاع عن الجماعة. والآية تردّ على القراءتين معًا: فهي لا تلغي القتال حين يوجد العدوان، ولا تلغي العهد حين توجد الاستقامة.

في الخلاصة، تكشف الآية أن العلاقة مع المشركين، ومع المختلفين عمومًا، لا تُبنى على العقيدة وحدها، بل على الموقف العملي من العهد والعدوان. من حارب حورب، ومن سالم سُولم، ومن استقام على عهده وُفي له. وليس هذا حكمًا ظرفيًّا بلا أفق، بل قاعدة في السياسة الشرعية: الشرعية لا تكون في القتال إلا بقدر ما يكون دفاعًا عن حق، ولا تكون في السلم إلا بقدر ما يكون وفاءً بعهد. ولذلك فإنّ التصوّر الإسلامي الأعمق للعلاقة مع المختلف ليس تصوّر إبادة ولا استسلام، بل تصوّر تعاهد: أن يبقى الاختلاف قائمًا، وأن تمنع السياسة تحوّله إلى ظلم؛ أن يبقى الإيمان إيمانًا، وأن يبقى العهد عهدًا؛ وأن يكون ميزان الجماعة المؤمنة في قوتها وضعفها واحدًا: فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم.

الكلمات المفتاحية
مشاركة