مقالات
كاتب من لبنان
تحدّث رئيس الجمهورية جوزاف عون، خلال اجتماعه يوم الأربعاء 9-9-2026 مع قادة الأجهزة العسكرية والأمنية، عن الوضع الأمني في الجنوب، وتوقّف عند نقطتين تتطلبان نقاشاً يتجاوز الجانب الأمني المباشر إلى دلالاتهما السياسية والتفاوضية.
في النقطة الأولى، قال الرئيس عون – وفق ما ورد في بيان إعلامي عن القصر الجمهوري- إن "الانتشار الأمني في النبطية متصل بالتزامات الدولة اللبنانية وموقعها التفاوضي في الملف مع إسرائيل، باعتبار أن ضبط الأمن الداخلي يعزّز الموقف اللبناني الرسمي". من حيث المبدأ، لا يوجد اعتراض على بسط سلطة الدولة وتعزيز حضور مؤسساتها الأمنية والعسكرية على امتداد المناطق اللبنانية ولا سيما في الجنوب. لكن إدراج الأمر في سياق عملية تفاوضية يجعل الأمور أكثر تعقيداً عندما لا يقابلها، في الجهة الأخرى، ما يتيح للجيش اللبناني ممارسة دوره كاملاً في المناطق الحدودية أو حتى في ما يوصف بـ"المناطق التجريبية".
هنا تحديداً تبرز المعضلة: ما الذي يمكن أن يضيفه لبنان إلى رصيده التفاوضي عبر مزيد من الانتشار العسكري في المناطق غير المحتلة، إذا كانت إسرائيل تعرقل هذا الانتشار في مناطق يُفترض أن تكون خاضعة لسلطة الدولة اللبنانية؟ وماذا لو التقط العدو الإسرائيلي هذا الربط بين تحقيق الأمن في النبطية ومسار المفاوضات ليفرض التزامات إضافية لطالما تحاشى الجيش اللبناني الوقوع في فخّها شمال المناطق المحتلة؟
يمكن، في هذا السياق، التوقف عند ما يجري في بلدة المنصوري وغيرها من المناطق الجنوبية التي دخلها الجيش اللبناني ثم واجه فيها اعتداءات وعمليات إسرائيلية حالت دون تثبيت حضوره. وهذه الوقائع تطرح سؤالاً أساسياً حول سياسة "نزع الذرائع": ما الجدوى من الاستمرار في تقديم الضمانات والإجراءات من طرف واحد، إذا كان الطرف الآخر لا يتعامل معها باعتبارها مدخلاً إلى الانسحاب أو التهدئة، بل يواصل عملياته العدوانية ويتصرف كما لو أنه سيبقى في هذه المناطق لفترة طويلة مقبلة؟
والتجربة السابقة كذلك تدعو إلى الحذر. فخلال فترة وقف إطلاق النار الماضي الممتدة من أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024 إلى أواخر شباط/فبراير 2026، نفّذ الجيش اللبناني التزامات واسعة في مناطق جنوب الليطاني، حين قام بـ"واجباته" في "تنظيفها" (وفق التوصيف الرسمي)، ثم تقدَّم العدو الإسرائيلي إليها خلال هذا العام واحتلها بسهولة نسبية بعدما أخلاها الجيش بقرار سياسي. والسؤال الذي تفرضه التطورات اليوم هو ما إذا كانت الإجراءات الأمنية اللبنانية يرافقها مسار موازٍ يضمن منع إسرائيل من التوغل إلى المناطق التي ينتشر الجيش اللبناني فيها. فإذا لم تتوافر مثل هذه الضمانات، يصبح الالتزام اللبناني الأحادي معرضاً لأن يتحول من ورقة قوة للدولة إلى عنصر تستفيد منه إسرائيل ميدانياً.
النقطة الثانية التي أثارها الرئيس عون لا تقل أهمية. فقد قال إن "أمن النبطية والمناطق غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي جزء لا يتجزأ من أمن لبنان الواحد". العبارة تبدو غير مكتملة الملامح لجهة سلامة ووحدة الأراضي اللبنانية كافة، وتفتح باباً لسؤال لا يمكن تجاهله: ماذا عن المناطق التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، ما موقعها في الأولويات الرسمية؟ فإذا كانت الدولة تشدد على مسؤوليتها الأمنية في النبطية وشمال الليطاني والمناطق غير المحتلة، فمن الضروري أن يقترن ذلك في الوقت عينه بالتشديد على أن المناطق المحتلة هي أيضاً جزء لا يتجزأ من أمن لبنان الواحد، وتحريرها مسؤولية اللبنانيين وأحد العناوين المركزية لأي تحرك رسمي. ونستذكر جميعاً أن احتلال العدو للمنطقة الحدودية قبل تحرير العام 2000 شكّل جرحاً نازفاً لأمن لبنان لفترة طويلة وسبباً لحربين في العامين 1993 و1996.
ومن هذه الزاوية، يصبح غياب موقف رسمي واضح من الطروحات الإسرائيلية المتعلقة بما يسمى "الخط الرمادي" مسألة تستحق التوقف عندها. وقد سبق أن أعلن الرئيس عون قبل التوصل الى "اتفاق الإطار" رفض أي مخطط لإقامة منطقة عازلة أو تثبيت واقع الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، فلماذا لا يُستعاد هذا الموقف بوضوح إزاء الخطة الجديدة، ولماذا لا تتحول قضية منع إنشاء "حزام أمني" إسرائيلي داخل لبنان إلى بند ثابت في الموقف الرسمي؟ خاصة أن هناك خشية من أن تتحول الوقائع الميدانية التي يفرضها العدو تدريجياً إلى أمر واقع سياسي وأمني، فيما ينحصر النقاش اللبناني في كيفية إدارة المناطق الواقعة خارج خطوط الاحتلال بدلاً من كيفية إنهاء الاحتلال نفسه. مع الإشارة إلى أن المناطق التي يدور الحديث عنها اليوم ليست من إرث حرب 1967 أو اجتياحَيْ 1978 و1982 أو حرب 2006. نحن أمام مناطق فُرض الاحتلال عليها منذ فترة حديثة جداً، وبالتالي فإن تثبيت حضورها في الخطاب السياسي والإعلامي اللبناني ليس مسألة شكلية، بل جزء من منع تحويل الاحتلال الجديد إلى واقع مألوف أو قضية مؤجلة.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة ضبط الأولويات اللبنانية الرسمية. فتعزيز انتشار الجيش في المناطق المحررة لا يشكل طريقاً بالضرورة لاستعادة الأراضي المحتلة ما لم يكن جزءاً من معادلة متكاملة: انتشار الجيش في مقابل انسحاب إسرائيلي واضح، وقف اعتداءات الاحتلال في مقابل تنفيذ الالتزامات اللبنانية، وضمانات فعلية تمنع تحويل التدابير التي تتخذها الدولة إلى فرصة لتوسع إسرائيلي أو لشعور العدو بالأمن في المناطق التي يسيطر عليها للقيام بأعمال تفجير وجرف واقتلاع للبنى التحتية، كما يحصل اليوم في ظل وقف النار.
المشكلة، حتى الآن، أن السقف التفاوضي اللبناني يبدو أدنى بكثير من مستوى التحولات الجارية على الأرض. ويزداد القلق عندما يقترب جدول الأعمال الرسمي من التفاعل مع المطالب التي تفرضها "إسرائيل"، بدلاً من السعي لفرض جدول أعمال لبناني يبدأ من أولوية الانسحاب واستعادة الأرض ووقف الاعتداءات.
فالجيش يمكن أن ينتشر، والدولة تستطيع أن توسع حضورها الأمني، لكن الانتشار وحده لا يحرر أرضاً، و"نزع الذرائع" (مع التحفظ على الذرائع التي تشكل تدخلاً في صميم القرار اللبناني) لا يجدي إلا عندما يؤدي فعلاً إلى إزالة الاحتلال لا إلى تثبيت خطوطه.
أما أن يُربط تحرير الأراضي اللبنانية بتراجع إسرائيلي طوعي، دون امتلاك أدوات تفاوضية وضغوط سياسية وضمانات تجعل هذا التراجع إلزامياً، فذلك يترك أهل الجنوب أمام سؤال مشروع: ما الذي يضمن ألا تتحول المرحلة الانتقالية الحالية إلى واقع دائم؟ ونذكر جميعاً أن المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية في تسعينيات القرن الماضي لم تسفر عن تطبيق القرار 425، فاتخذ العدو المنطقة الحدودية المحتلة رهينة، إلى أن تمكنت المقاومة من تحريرها في العام 2000.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة ليس فقط أن تثبت أنها قادرة على تعزيز انتشار الجيش في النبطية وشمال الليطاني، بل أن تثبت أيضاً أنها لن تسمح بأن تصبح الأراضي المحتلة خارج جدول الأعمال، أو أن يتحول الاحتلال المستجدّ إلى أمر واقع يُطلب من اللبنانيين التعايش معه.