مقالات
دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال
في الوقت الذي يتماهى فيه كثيرون في لبنان مع السفير الأميركي ميشال عيسى ويُقدّمون له فروض الطاعة، ليشهد لهم عند "مجنون" البيت الأبيض، جاءت رسالة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مختلفة تمامًا: لا سلاح يُسلَّم تحت الاحتلال، ولا رسائل أميركية تُنقل عبر المجلس، ولا انقسام شيعي يمكن الرهان عليه. وفي الوقت الذي اختار فيه السفير البيت الشيعي ليوجه رسالة ظنًا منه أن بإمكانه النفاذ من خلاله إلى حزب الله، وجد نفسه أمام موقف واضح لا يحتمل التأويل، عنوانه أن المجلس ليس صندوق بريد.
ولم يكن اللقاء، وفق ما يكشفه المستشار الإعلامي لنائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الإعلامي واصف عواضة لـ"العهد"، مجرد محطة دبلوماسية، بل حمل رسائل حاسمة في المضمون وردودًا صريحة من الشيخ الخطيب تجاه عيسى. فالسفير جاء بمطلب واحد: تسليم حزب الله سلاحه، فيما كان الرد أن المطلوب أولًا أن تضغط واشنطن على "إسرائيل" لتحقيق ولو خطوة واحدة على الأرض، انسحابًا من مدينة أو منطقة كبرى، عندها فقط يمكن الحديث عن فتح الطريق أمام أي مسار آخر.
وبين مطلب أميركي، وجواب شيعي لم يساوم، امتد النقاش لأكثر من ساعة، في لقاء أراد خلاله السفير الأميركي إيصال رسالة مباشرة إلى حزب الله، قبل أن يسمع من الشيخ الخطيب ما لم يكن في حساباته. وفي هذا السياق، كشف عواضة لموقع "العهد" الإخباري تفاصيل ما دار خلال اللقاء الذي تمحور حول نقطة واحدة طرحها السفير الأميركي، وهي أن على حزب الله أن يسلّم سلاحه لكي يفتح الطريق أمام الحلول والانسحاب "الإسرائيلي" -وفق زعمه- وأمام أي تقدم سيحصل، وإنه ما لم يسلم الحزب سلاحه ستبقى الأمور على ما هي عليه.
ويشير عواضة إلى أنّ سماحة الشيخ رد على ذلك بكثير من الهدوء ولكن بكثير من الحزم، ومواقفه في هذا الموضوع معروفة. جواب سماحة الشيخ الخطيب كان واضحًا جدًا لجهة أنه لا يمكن لأحد أن يسلم سلاحه في ظل احتلال، مخاطبًا السفير عيسى: "عليكم أن تدفعوا "الإسرائيليين" الى تحقيق ولو خطوة واحدة كانسحاب من مدينة أو منطقة كبرى لكي يفتح هذا الموضوع الطريق أمام الحديث مع الحزب. وهذا الموقف ليس موقف الحزب فقط وإنما هو موقف الطائفة الشيعية بكل مكوناتها، ورئيس مجلس النواب نبيه بري كان واضحًا بهذا الموضوع عندما طالب بالانسحاب من قضاء أو من منطقة كبرى".
وردًا على سؤال حول انتقاد البعض صدور تصريحات السفير الأميركي من منبر المجلس الشيعي الأعلى، يقول عواضة: "المجلس الشيعي ليس مسؤولًا عن أي كلمة قالها السفير من منبره ولا يوافق على كلامه، والحزب ردّ على هذا الكلام، ونحن كنا قد طلبنا من السفير أن لا يأتي على سيرة حزب الله والمقاومة في تصريحه، لكن ربما أسئلة الصحفيين دفعته الى مثل هذا الكلام، لكن أكرر المجلس ليس مسؤولًا عن أي كلمة قالها السفير خارج اللقاء".
هل حمل السفير الأميركي رسالة ما الى حزب الله خلال اللقاء؟ يجيب عواضة عن هذا السؤال بالقول: "قال السفير خلال اللقاء: قولوا لحزب الله أن يسلم سلاحه"، فردّ سماحة الشيخ علي الخطيب عليه وقال له: " المجلس ليس صندوق بريد ولا أنقل هكذا رسائل من هذا النوع الى أحد".
ويوضح عواضة أنّ السفير الأميركي ربما حاول خلال اللقاء أن يتقصّى ما إذا كان هناك انقسام داخل الطائفة الشيعية حول هذه المواضيع، وقد حاول جهده خلال اللقاء أن يقول إن الأميركيين لا يكنون أي عداء للطائفة الشيعية، ملمّحًا إلى أنّ أعز أصدقائه من الشيعة؛ شخص من الهرمل وآخر من بعلبك. وادعى السفير أن الأميركيين لا يكنون إلا المحبة للطائفة الشيعية، قائلًا: "لا نعتبر الطائفة الشيعية إرهابية إنما حزب الله في نظر أميركا هو الإرهابي"، وفق زعمه. وهنا أكد له سماحة الشيخ أن الموقف الشيعي واحد بين مكوناته الثلاثة؛ المجلس الشيعي، وحركة أمل، وحزب الله وكذلك البيئة الشيعية وليس هنالك أي انقسام حول هذا الموضوع.
وفي سياق حديثه، يقول عواضة، كان السفير الأميركي واضحًا أن أميركا لم تقم بأي دور ولن تستطيع الضغط على "إسرائيل" إذا لم يسلم حزب الله سلاحه. وهذا يمكن تفسيره -بحسب عواضة- أنه لن يحصل أي تقدم وأن الانتخابات "الإسرائيلية" هي التي تسيطر الآن، وأن "إسرائيل" تستعمل الجنوب ورقة، والأميركيون إما أنهم غير قادرين وإما أنهم لا يريدون الضغط على "إسرائيل". ووفق عواضة كان عيسى واضحًا بأنّ الأميركيين ليسوا قادرين على الضغط على "إسرائيل" إلا إذا سلم الحزب سلاحه.
وفي سياق آخر، وحول زيارة الشيخ الخطيب الى إيران والعراق، وصف عواضة أجواء الزيارة بالـ"ممتازة"، مشيرًا الى أن اللقاءات التي عقدت كانت مهمة جدًا، ففي إيران كان هناك لقاء مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومع كبار العلماء خاصة من هم أعضاء في مجلس الخبراء وبينهم الشيخ علي رضا عرافي الذي كان مرشحًا لمنصب "المرشد"، وقد كان لقاء جيدًا جدًا، وكذلك مع الأمين العام لمجمع التقريب بين المذاهب آية الله شهرياري. وفي العراق اجتمع الشيخ قرابة الساعة والنصف مع رئيس الوزراء علي الزيدي وكذلك مع معظم الشخصيات السياسية العراقية من رؤساء الحكومات السابقين منهم نوري المالكي وعادل عبد المهدي، والأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري ومع القيادات والمرجعيات الدينية في النجف الأشرف.
وفي هذا السياق، لا يُخفي عواضة أنّ الجميع في إيران والعراق أبدوا الاستعداد الكامل لمساعدة لبنان. "ونحن بدورنا قدمنا لهم مذكرة مكتوبة من 4 صفحات حول الوضع في جنوب لبنان والنازحين، وقد ركّز العلامة الخطيب بشكل أساسي على موضوع المساعدات ليس لإعادة الاعمار، إنما لإيواء النازحين الآن خاصة أنه خلال السنوات الثلاث الماضية صرفت الناس كل مدخراتها. وقدم سماحة الشيخ شرحًا إضافيًا الى جانب المذكرة المكتوبة وبالتالي كان الاستعداد كاملًا وهو قيد الدرس".
وحول تحريف البعض كلام الإمام المغيّب السيد موسى الصدر عن "إسرائيل" والمقاومة، يقول عواضة: "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى رفع شكوى الى النيابة العامة التمييزية حول تحريف مواقف الإمام المغيب السيد موسى الصدر وهي تُتَابع من قبل محامي المجلس، وما علمته أنّ فرع المعلومات استدعى المعني في هذا الموضوع، لكنه لم يمتثل حتى الآن وهو قيد المتابعة. بالتالي بتقديرنا أنّ هذه المواقف تنم عن جهل بعبرة كربلاء وعبرة استشهاد الإمام الحسين (ع) وعمّا نشهده اليوم أيضًا من أن العين لا تقاوم المخرز وعن جهل في قراءة هذه الملحمة التاريخية التي خاضها الإمام الحسين (ع)"، يختم عواضة حديثه.