اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي آفي سولومون: نتنياهو يدخل الانتخابات بكتلة غير موحّدة وآيزنكوت يواجه صراعات داخلية

مقالات

من
🎧 إستمع للمقال
مقالات

من "هيهات منا الذلة" إلى "مواجهة كربلائية".. لماذا يرفعهما الشيخ قاسم شعارًا للمرحلة؟

129

منذ الرابع من آذار 2026، خطب الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم 14 مرة، بينها 8 خطابات عبر الشاشة موجهة لجمهور المقاومة، و5 منها كانت ضمن إحياء مراسم عاشوراء للعام 1448 هـ. ومنذ تلك المدة إلى مطلع شهر أيلول، نشر سماحته 4 بيانات مكتوبة، ورسالتين إلى مجاهدي المقاومة الإسلامية وثالثة للّبنانيين الصامدين والمضحين.

بما مجموعه 20 كلمة (مسجلة ومكتوبة)، أطلق الأمين العام لحزب الله خلالها 7 مرات شعار "هيهات منا الذلة"، فيما استخدم 8 مرات مفهوم "الحرب الكربلائية": نحن كربلائيون، الملحمة الكربلائية، قرارًا كربلائيًا، عطاءات كربلاء، الموقف الكربلائي، روح كربلائية، مواجهة كربلائية، نحن كربلائيون.

المتابع لمسار خطابات الشيخ قاسم، يلحظ تدرجًا في ربط العدوان "الإسرائيلي" - الأميركي المتواصل على لبنان بصمود بالغ للتضحيات. وقد أشار إليها سماحته صراحةً في خطابه بتاريخ (28-08-2026) ردًا على "من يقول: خسرنا الكثير. لا، أنا أقول له: يجب أن نصحّح، نحن ضحينا الكثير ولم نخسر".

وربط الشيخ قاسم هذه التضحيات الجسام بالمسار الكربلائي الممتد منذ العام 61 هـ، قائلًا في خطاب بتاريخ (14-08-2026): "هذه الحرب هي حرب عدوانية وجودية، ولذلك واجهنا مواجهة كربلائية؛ لأننا اعتبرنا أننا أمام أحد خيارين: إما أن نسقط ونستسلم وينتصر "الإسرائيلي" علينا، وإما أن نبقى ثابتين".

فلماذا يركز الشيخ قاسم في خطاباته الأخيرة على شعار "هيهات منا الذلة"؟ ولماذا يربط بين الأحداث الحالية وتداعياتها وبين المعارك الكربلائية، أسوةً بواقعة استشهد فيها الإمام الحسين (ع) وجميع أهل بيته، وهم بأعداد قليلة أمام جمع كبير وضخم من الأعداء؟

بالتأمل في الشعار المأخوذ من خطبة للإمام الحسين (ع) يوم العاشر من المحرم، نجد أن سياق الخطاب جاء في رفض الذلة لغير الله، وأن المقصود أن يعيش الإمام ومن يسير على دربه في رحاب العزة الإلهية. وقد اتُّخذ الشعار على مدى العصور عنوانًا لرفض الظلم ونصرة المستضعفين.

المقاومة الإسلامية في لبنان، ومنذ انطلاقتها، حملت هذا الشعار في الكثير من المناسبات، خاصةً العاشورائية منها. سيد شهداء الأمة سماحة السيد حسن نصر الله لطالما ردده على المنبر، وهتف خلفه الآلاف من المشاركين في إحياء المراسم.

في خلفيات المقاومة، ارتبط هذا الشعار بمقاومة العدو "الإسرائيلي" ورفض احتلاله للجنوب، ورفض العدوان التكفيري على البقاع والتفجيرات الإرهابية التي طالت الضاحية. ولذلك رسم هذا الشعار نفسه مسارًا طبيعيًا في حركة المقاومة الإسلامية في لبنان، منذ انطلاقها وحتى التركيز عليه من قبل الشيخ قاسم كشعارٍ للمرحلة.

مهما كانت التضحيات..

في كتابه "عاشوراء - مدد وحياة"، يتحدث الشيخ قاسم عن منهج الإمام الحسين (ع) خلال أحداث عام 61 هـ. يكتب الشيخ قاسم: "إن المنهجية واضحة، فعندما يكون الخيار بين سل السيف للقتال والذلة في البيعة، لن يكون غير السيف مهما كانت التضحيات، فهو يريد العزة لهذه الأمة ولنفسه، والمؤمن عزيز فلا يمكن أن يكون ذليلًا، والمؤمن مرفوع الرأس فلا يمكن أن يكون منسحقًا أو محبطًا أو مستسلمًا أو متخاذلًا عن نصرة الحق" (صفحة 207).

الواضح في الاقتباس أن فكرة رفض الذلة وطلب العزة متلازمان، مهما كانت التضحيات. فبمنظور الشيخ قاسم، رفع الشعار اليوم وفق المرحلة الحالية مستمد من جذور تاريخية لفهم الثورة الكربلائية للإمام الحسين (ع). ولذلك يظهر جليًا في خطاباته أن مسار حزب الله اليوم هو مسار كربلائي مهما بلغت التضحيات الجسام.

في الكتاب نفسه (صفحة 158)، يعمد الشيخ قاسم إلى "منهج الإسقاط" في وصف مجاهدي المقاومة الإسلامية. يكتب: "أرأيتم كيف أصبح المجاهدون عظماء وفرضوا أنفسهم على العالم عندما باعوا أنفسهم لله تعالى؟ لأنهم قالوا ربنا الله وتخلوا عن الهوى، وأعطوا دماءهم فأصبحوا عظماء الحاضر وعظماء المستقبل وعظماء التاريخ، مثلهم كمثل أصحاب الإمام الحسين (ع) في كربلاء، حيث كانت كل النماذج حاضرة في كربلاء وهي كذلك اليوم حاضرة".

انطلاقًا من التجربة العملية للمقاومة، وربطًا بالإمكانيات المتاحة بعد معركتي أولي البأس والعصف المأكول، يضع الشيخ قاسم عنوان المعركة الكربلائية هدفًا لا فقط شعارًا. يستمد المفهوم من أن أداء التكليف الإلهي والقيام بالواجب الإنساني في مقارعة الظلم ونصرة الحق، لا تحدّهما قلة العدد أو ضعف الإمكانيات. ففي كربلاء لم يتجانس أعداد المقاتلين لينتصر الإمام الحسين (ع)، بل انتصر سبط الرسول (ص) بفكره وقضيته، ولو أسفر ذلك عن سفك دمه وسبي حرمه.

رفض المهادنة..

قد يطرح متسائلٌ سؤالًا: لماذا لا يهادن حزب الله في هذه المرحلة، ويحفظ ما بقي من مجاهديه وقادته، ويدرأ المزيد من الضغوط والخسائر المالية عن بيئته وجمهوره؟ الشيخ قاسم، في خطابه في الذكرى السنوية العشرين للانتصار في حرب تموز 2006، (14-08-2026)، وصف جمهور المقاومة بالنموذج العظيم جدًا جدًا، وقال لهم: "نحن سنموت دونكم وسنقاتل إلى آخر نقطة دم، لن نترككم، نحن معًا في خندق واحد، لا يوجد شيء اسمه أهل مقاومة ومقاومة، كلنا واحد، كلنا سنبقى في الميدان ونحن نشعر معكم ونرى أنكم أنتم عظماء".

في معركة حزب الله الكربلائية، يشترط النجاح الصمود أولًا ورفض المهادنة ثانيًا. فلو بايع الإمام الحسين (ع) في ذلك الزمان طاغية عصره يزيد، لكان سقط المشروع الإلهي، ولم يحفظ دمه، لأن دأب الطواغيت الغدر. هذه "إسرائيل" نموذجًا معاصرًا؛ خلال 15 شهرًا لم تحفظ العهود ولا التزمت باتفاق وقف إطلاق النار المنصوص عليه في العام 2024. تابعت أعمالها العدائية من استهداف المدنيين وقصف المنازل. واليوم، ورغم تسارع السلطة في كسب ودّها والتفاوض المباشر معها، ظنًا منهم أنها بذلك تدفع أذاها عن لبنان، تزداد تغطرسًا ونقضًا للاتفاقيات.

الشيخ قاسم، وفي كتابه "عاشوراء - مدد وحياة"، أورد (في الصفحة 208) أن: "بعض الناس يعتقدون أن قربهم من الظلَمة يعزهم في الحياة، ويكون لهم مقامًا عظيمًا ومهمًا... هؤلاء متوهمون إذا كانوا يظنون أنهم مع السلطان الظالم والمستكبر يمكن أن يرتفعوا أو أن يكون لهم دور أو مكانة، هؤلاء مخطئون والتجارب موجودة أمامنا".

يستعرض الشيخ في الكتاب بعض النماذج التاريخية البعيدة والقريبة، ليخلص إلى أن مهادنة الظالم لا تدفع جورًا. فربط مسار حزب الله الآن بالمقاومة الكربلائية الرافضة للمهادنة، اتصال طبيعي لفكرة قيامها. كلام الشيخ قاسم وشعار المرحلة "نحن كربلائيون"، عِزَّة في مقابل ذلة وضعف المهادنة.

سماحة الشهيد السيد حسن نصر الله لطالما أكد على هذه المواقف. ولعل أوضح ما قاله سيد شهداء الأمة في الذكرى الرابعة لاستشهاد الحاج قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس: "إن كنت ضعيفًا لا يعترف بك العالم ولا يدافع عنك ولا يبكي عليك. الذي يحميك هو قوتك وشجاعتك وقبضاتك وسلاحك وصواريخك وحضورك في الميدان فإن كنت قويًا تفرض احترامك على العالم".

عقيدة وعمل..

إن تكرار الشيخ قاسم في خطاباته الجماهيرية شعار "هيهات منا الذلة"، وتأكيده أن المعركة الحالية هي معركة كربلائية، مرتبط أيضًا بمعرفته الدقيقة بالمجاهدين. فما استبسل به المقاومون في العدوانين 2024 و2026، وما صدموا به العدو من تطوير للإمكانيات العسكرية رغم الحصار المطبق، وإذلالهم إياه على مرأى العالم بصور طائرات الـ FPV، نابع من عقيدة صلبة وعمل دؤوب.

الشيخ قاسم، المطلع على أحوال المجاهدين وتطور المقاومة العسكري منذ زمن بعيد، يعرف يقينًا قدرات هؤلاء، والروح المعنوية العالية لديهم، وإصرارهم على القتال الكربلائي حتى النصر. يقول في كتابه "عاشوراء - مدد وحياة" في (الصفحة 259): "إن أبناء الحسين هم الحسينيون بأعمالهم، وعندما نقول بأن أبناء المقاومة الإسلامية حسينيون، فنحن لا نعطيهم هذا اللقب منحة، لقد أخذوه بجهادهم وتضحياتهم وسجودهم وعشقهم للحسين وحملهم السلاح من أجل الحق ودحرهم للأعداء في سبيل الله. إنهم حسينيون بالعمل لا بالتسمية ولا بالألقاب".

كل حسينيّ العمل هو كربلائيّ الجهاد. ولذلك، رفع الشعار اليوم ليس وليد أزمة أو ضائقة آنية، بل هو تأصيل لمنهج سلكه حزب الله وجمهوره على مدى أعوام طوال. 18 عامًا من الاحتلال المذل انتهى بنصر وفتح مبين، وسنوات طوال من الحصار الأميركي وملاحقة البيئة الحاضنة، يقابله تمسك بالخط والنهج.

شعار "هيهات منا الذلة" ليس استقراءً لواقع صعب، بل هو منهاج يرسمه الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ لمرحلة حساسة دقيقة، تحتاج إلى الكثير من الصبر مع الوفير من العزم والجرأة. ولذلك ينعكس ذلك في خطاب سماحته مع الجمهور، لحظة يطلق الشعار خلف الشاشة ليقف الآلاف ويرددوا معه: "هيهات.. هيهات.. هيهات".

الكلمات المفتاحية
مشاركة