مقالات
يفرض التصعيد "الإسرائيلي" المتواصل، وما يرافقه من احتلال واعتداءات ومحاولات لتغيير الوقائع في الجنوب، مقاربةَ خيارات المقاومة من زاوية تتجاوز السؤال التقليدي عن كلفة المواجهة. فهذه الكلفة ليست افتراضية ولا تحتاج إلى كثير من الاستدلال؛ لقد عاينها لبنان والمقاومة وبيئتها بصورة مباشرة: خسائر بشرية، دمار، تهجير، استهداف للبنية العسكرية والمدنية، وضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية واسعة. وهي كلفة حاضرة في حساب القرار ولا يمكن التقليل من شأنها.
لكن التركيز الحصري عليها ينتج مقارنة ناقصة، لأنه يوحي ضمنًا بأن البديل عن المقاومة هو تجنب الكلفة. والحال أن عدم المقاومة ليس خروجًا من دائرة الأثمان، بل انتقال من كلفة ظاهرة ومباشرة إلى مخاطر تتراكم بمرور الوقت ويمكن أن تتحول إلى خسائر استراتيجية يصعب عكسها.
وعليه، فإن السؤال الأدق ليس مقدار ما ستدفعه المقاومة في حال المواجهة، بل ماذا سيحدث في حال استمرار الاحتلال والاعتداءات من دون مقاومة تفرض عليهما كلفة؟ هنا تحديدًا ينتقل النقاش من معاينة الثمن المباشر إلى تقدير النتائج التي ينتجها الامتناع عن دفعه.
تثبيت الاحتلال وتحويله إلى واقع مستقر
الخطر الأول لعدم المقاومة هو تغيير طبيعة الاحتلال نفسه. فالوجود العسكري المعادي لا يستمد استقراره من السيطرة على الأرض وحدها، وإنما من قدرته على البقاء فيها بكلفة مقبولة. ومن ثم، فإن غياب الضغط لا يترك الاحتلال على حاله، بل يمنحه فرصة الانتقال من وضع يفترض أنه استثنائي ومؤقت إلى واقع أكثر ثباتًا.
فالزمن في حالة الاحتلال ليس عنصرًا محايدًا. كل يوم يمر من دون تهديد جدي للاحتلال تبدأ الوقائع الميدانية بإنتاج وقائع سياسية: ما كان يُنظر إليه في البداية باعتباره تجاوزًا يصبح أمرًا قائمًا تجري إدارة تداعياته بدلًا من العمل على تغييره.
وهكذا لا يعني عدم المقاومة تجميد الوضع، بل يمنح الاحتلال فرصة لتثبيت نفسه.
تآكل الردع وتغيير حسابات العدو
الخطر الثاني يتصل بالردع، وهو أعمق من الخسارة الميدانية المباشرة. فالردع لا يقوم على امتلاك القوة فحسب، وإنما على اقتناع الخصم بأن لهذه القوة شروطًا لاستخدامها وأن تجاوز حدود معينة سيستدعي أثمانًا.
عندما تتكرر الاعتداءات من دون مقابل مؤثر، يبدأ الخصم بإعادة تقييم هذه الحدود. ولا يحدث التحول دفعة واحدة، بل من خلال سلسلة من الاختبارات: ضربة أوسع، اغتيال أكثر جرأة، توغل إضافي، توسع جغرافي في العمليات، أو تغيير جديد في قواعد الحركة. وفي كل مرة لا ينتج فيها الفعل كلفة مقابلة، تتغير التقديرات بشأن ما أصبح ممكنًا.
وبذلك لا يقتصر أثر عدم المقاومة على الاعتداء الذي وقع بالفعل، بل يمتد إلى الاعتداء الذي يصبح ممكنًا نتيجة عدم الرد على الاعتداء السابق. وهذه نقطة أساسية في حساب المخاطر، لأن غياب المقاومة يمكن أن يتحول بنفسه إلى عامل مشجع على مزيد من استخدام القوة.
من الاستثناء إلى القاعدة
الخطر الثالث يكمن في الطبيعة التراكمية للوقائع. فالسياسات التي يصعب فرضها دفعة واحدة يمكن فرضها بالتدرج، لأن كل خطوة منفردة تبدو أصغر من أن تستدعي مواجهة كبيرة.
وهنا تظهر إحدى المعضلات الأكثر خطورة: قد يبدو تحمّل اعتداء معيّن أقل كلفة من الرد عليه، وقد ينطبق الحساب نفسه على الاعتداء التالي، ثم على الإجراء الذي يليه. لكن جمع هذه القرارات المنفصلة يكشف نتيجة مختلفة تمامًا. فما جرى تحمّله بوصفه سلسلة من الاستثناءات يتحول في النهاية إلى قاعدة جديدة.
وبهذه الطريقة يمكن أن تتوسع حرية العمل "الإسرائيلية" من دون إعلان رسمي عن تغيير قواعد الاشتباك. القاعدة الجديدة لا تحتاج إلى اتفاق؛ يكفي أن تتكرر الممارسة من دون قدرة على منعها حتى تتحول إلى واقع فعلي.
لذلك لا يجوز قياس كل اعتداء منفردًا. القيمة الاستراتيجية لأي خطوة "إسرائيلية" تكمن أيضًا في ما تتيحه للخطوة التالية.
توسيع حرية العمل "الإسرائيلية"
ينتج عن ذلك خطر رابع يتمثل في نشوء معادلة غير متوازنة يحتفظ فيها طرف بحرية استخدام القوة بينما تصبح وظيفة الطرف الآخر محصورة في استيعابها.
وهذا يتجاوز مسألة الرد على حادثة بعينها. فحرية العمل قيمة استراتيجية بحد ذاتها. عندما يستطيع العدو اختيار التوقيت والمكان والهدف ومستوى القوة، بينما ينشغل الطرف المقابل باستمرار بتقدير ما إذا كان الرد سيؤدي إلى حرب أوسع، تنتقل المبادرة تدريجيًا إلى يد الطرف الأول.
ومع الزمن، يمكن أن يتحول الخوف من التصعيد من قيد متبادل إلى قيد أحادي: لا يمنع "إسرائيل" من استخدام القوة، بل يمنع المقاومة من الرد عليها. وعندئذ يتحقق أحد أهم أهداف الاستراتيجية "الإسرائيلية" من دون الحاجة إلى القضاء المادي على قدرات المقاومة؛ إذ يكفي تعطيل الوظيفة السياسية والردعية لهذه القدرات.
المساس بوظيفة المقاومة ومبرر القوة
وهنا يظهر خطر يتجاوز البعد العسكري إلى الموقع السياسي والاجتماعي للمقاومة. فالقوة لا تُقاس فقط بما تختزنه من صواريخ أو قدرات أو مقاتلين، وإنما بالوظيفة التي تؤديها.
صحيح أن فعل المقاومة يؤدي إلى وضع بيئتها أمام كلفة ثقيلة، وهذه حقيقة لا يمكن تجاوزها، لكن استمرار الاحتلال والاعتداءات في ظل الامتناع الطويل عن مواجهتها يفتح سؤالًا معاكسًا لا يقل خطورة: ما وظيفة القوة إذا لم تستطع التأثير في سلوك العدو أو حماية الأرض من تكريس الاحتلال؟
ومن هنا تصبح الاستراتيجية "الإسرائيلية" أكثر تعقيدًا من مجرد إيقاع الخسائر. فهي تسعى إلى وضع المقاومة بين ضغطين: أن تستخدم قوتها فتدفع بيئتها ثمنًا مرتفعًا، أو تمتنع عن استخدامها فتبدأ قيمة هذه القوة نفسها بالتآكل في الوعي السياسي والاجتماعي.
الزمن بوصفه جزءًا من المعركة
الأخطر أن مخاطر عدم المقاومة لا تبقى ثابتة. فالكلفة المباشرة للمقاومة تقع أساسًا عند استخدامها، بينما تتزايد مخاطر عدم المقاومة مع مرور الزمن.
فالاحتلال يصبح أكثر استقرارًا، والاعتداءات تصبح أكثر اعتيادية، والحدود التي كان تجاوزها مستبعدًا تصبح قابلة للاختبار، وحرية العمل "الإسرائيلية" تتسع، فيما يضيق عمليًا هامش الحركة المقابل.
وهنا يصبح الزمن جزءًا من ميزان القوة. عدم المقاومة لا يؤجل المواجهة فحسب، بل يمكن أن يغير الشروط التي ستجري فيها أي مواجهة لاحقة. ولذلك فإن المحافظة على القوة العسكرية مع خسارة الظروف التي تمنحها قيمتها الردعية لا تعني بالضرورة المحافظة على القوة بالمعنى الاستراتيجي.
من هذه الزاوية، تبدو المقارنة بين كلفة المقاومة ومخاطر عدمها أكثر وضوحًا. كلفة المقاومة ثقيلة ومعلومة ومُعاينة، ولا تحتاج إلى برهان. لكنها، على شدتها، تبقى كلفة مرتبطة بفعل يُراد منه منع الخصم من تحقيق أهدافه وفرض حدود على قدرته على تغيير الواقع.
أما عدم المقاومة فلا يلغي هذه الكلفة بقدر ما يستبدل بها مسارًا آخر من الخسائر: تثبيت الاحتلال وتوسيع نطاقه الجغرافي، وتآكل الردع، وتوسيع حرية العمل "الإسرائيلية"، وتحويل الحالات الظرفية إلى قواعد، ونقل المبادرة تدريجيًا إلى يد العدو، وصولًا إلى المساس بوظيفة القوة نفسها.
والفارق الأساسي أن هذه المخاطر لا تظهر مجتمعة في لحظة واحدة. وهذا ما يجعلها أقل إثارة للانتباه من الدمار والخسائر المباشرة، لكنه لا يجعلها أقل خطورة. بل إن طبيعتها التراكمية هي مصدر خطورتها تحديدًا: كل خطوة يمكن احتمالها منفردة، فيما يقود مجموع الخطوات إلى تغيير المعادلة التي كان يُراد الحفاظ عليها.
وبذلك لا تصبح المفاضلة بين مقاومة مكلفة وهدوء بلا ثمن، بل بين كلفة تُدفع لمنع تغيير الواقع، ومخاطر تتراكم نتيجة السماح للعدو بتغييره.
وهنا ترجح مخاطر عدم المقاومة. ليس لأن كلفة المقاومة قليلة، بل لأنها كبيرة ومعلومة، في حين أن عدم المقاومة يهدد بتحويل الخسارة من أضرار يمكن احتسابها إلى تحول استراتيجي في طبيعة الصراع نفسه. فحين يصبح الاحتلال أكثر استقرارًا، والعدوان أكثر اعتيادًا، والردع أقل صدقية، وحرية العدو في استخدام القوة أوسع، لا يكون ما جرى توفيره هو كلفة المواجهة؛ بل تكون الكلفة قد دُفعت بصورة أخرى، من الأرض والوجود والردع والموقع والقدرة على التأثير في سلوك الخصم.
لهذا فإن الخطر الأكبر لا يكمن في أن تكون المقاومة مكلفة؛ فهذا أمر معروف ومحسوم. الخطر الأكبر هو أن يصبح عدم المقاومة آلية تسمح للعدو، بالتدرج ومن دون مواجهة، بتحقيق ما عجز عن حسمه بالقوة دفعة واحدة.
ومن هنا تكتسب المقاومة معناها في حساب الكلفة والعائد: ليس بوصفها خيارًا بلا أثمان، بل بوصفها الأداة التي تحول دون أن يصبح تجنب الأثمان الآنية مدخلًا إلى خسائر استراتيجية أكبر وأكثر ديمومة.