مقالات
باحث في الشؤون اللبنانية والسورية
لا تزال السلطة اللبنانية على غيّها، فهي ماضية في طريق الانبطاح أمام العدو "الإسرائيلي"، من خلال "مسارٍ تفاوضيٍ" مباشرٍ مُلغزٍ، وسط إصرارٍ منها على التخلي عن ورقة القوة الوحيدة، أي (المقاومة)، التي وقفت وتقف سدًا منيعًا في وجه أطماع العدو، إن في الميدان، وإن في أي طاولة مفاوضاتٍ مباشرةٍ عُقدت، بتأكيدٍ من وزراء الخارجية اللبنانيين السابقين، وفي مقدّمهم الوزير الأسبق فارس بويز. والمخزي هنا بكل ما للكلمة من معنى، أن هذا الانبطاح يحصل في وقتٍ يمعن فيه العدو في قتل اللبنانيين، واستهداف المسعفين والصحافيين بشكلٍ خاص، وتدمير القرى اللبنانية بالكامل، بل محوها عن الوجود. ويؤكد أنه سيقيم خطًا أصفر في الجنوب اللبناني، أسوةً بالخط الأصفر في قطاع غزة، وصولًا إلى نهر الليطاني، أي توسيع حدود "الكيان"، على حساب لبنان، من خلال إقامة منطقةٍ عازلةٍ أو مناطق "امتصاصٍ" بذريعة حماية شمال "الكيان" الغاصب من صواريخ المقاومة ومسيّراتها. غير أن هذه الذريعة واهيةٌ جدًا، لأن العدو يدرك تمامًا أن صواريخ المقاومة الإسلامية ومسيّراتها يبلغ مداها عشرات الكيلومترات، بالتالي فإن الخط الأصفر لن يمنع وصول المسيّرات والصواريخ المذكورة إلى أهدافها.
وهنا يؤكد مرجعٌ استراتيجي أن "العدو يتذرّع بالصواريخ والمسيّرات لتوسيع احتلاله في جنوب لبنان". ويلفت إلى أن "رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو أعلنها بوضوحٍ أنه في صدد إقامة منطقةٍ آمنةٍ، وليست عازلةً، و"الآمنة" يستطيع أن يؤثر فيها ناريًا، و"الخط الأصفر" هو خط تأثيرٍ ناريٍ يمتد من الناقورة–البياضة غربًا، في اتجاه الشرق مرورًا بالخيام وشبعا وكفرشوبا، وصولًا إلى جبل الشيخ حتى السويداء". وفي هذا الصدد، أكد نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، في تصريحٍ في الأيام الفائتة، على ما أسمياه "رابطة الأخوّة العميقة التي تربط بين مواطني "إسرائيل" الدروز وأبناء طائفتهم في سورية في (السويداء)، سواء من خلال علاقاتٍ تاريخيةٍ أو عائليةٍ". ويلفت المرجع إلى أن "نتنياهو يسعى إلى دمج جنوبي لبنان وسورية، كي يكونا تحت سيطرته، بهدف تكريس هذه المنطقة ضمن حدوده الجغرافية فيما بعد، لتعزيز موقعه التفاوضي في المنطقة، وكخطوةٍ أساسيةٍ في رسم "ممر داوود" وصولًا إلى مثلث التنف الحدودي بين الأردن وسورية والعراق، بدعمٍ من الولايات المتحدة، وفي ضوء انبطاح السلطة اللبنانية"، على حد تعبير المرجع.
إذًا، عن أي حلٍ دبلوماسيٍ لا تزال تتحدث هذه السلطة؟! فها هو النموذج السوري ماثل أمام الجميع، عندما أبدت "سلطة" الأمر الواقع في دمشق استعدادها الكامل لإقامة تفاهمٍ أمنيٍ وسياسيٍ مع "الكيان"، فردّ بتوسيع احتلاله لمزيدٍ من الأراضي السورية، وصولًا إلى مشارف العاصمة دمشق. أكثر من ذلك، ورغم كل التنازلات التي قدّمتها وتقدّمها "سلطة أبو محمد الجولاني"، فقد أجرى نتنياهو جولةً ميدانيةً في المنطقة السورية العازلة التي تسيطر عليها "إسرائيل" منذ نهاية العام 2024 (أي بعد سقوط الدولة السورية)، برفقة عددٍ من المسؤولين الصهاينة، يتقدمهم كاتس، ووزير الخارجية جدعون ساعر، إضافة إلى رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير. فإلى من تستند السلطة اللبنانية في "مسارها التفاوضي" المباشر مع العدو؟ إلى "الصديق" الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أهدى الجولان السوري المحتل إلى "إسرائيل"، والذي أقام جسرًا جويًا للاحتلال في عدوانه المستمر على لبنان؟ أم من خلال إعلان العداوة لإيران التي ساندت وتساند لبنان وشعبه منذ انتصار الثورة في العام 1979، وذلك عبر قيام الخارجية اللبنانية بطرد السفير الإيراني من بيروت إرضاءً لواشنطن؟!
رغم ذلك، لم تتخلَّ الجمهورية الإسلامية عن لبنان، وهي متمسكة بالانسحاب "الإسرائيلي" الكامل من جنوب لبنان، ووقف الاعتداءات التي تطاول الأراضي اللبنانية واللبنانيين. وهذا الموقف أضحى بندًا أساسيًا في كل مفاوضاتٍ تعقدها طهران مع واشنطن، رغم استفزازات هذه السلطة لإيران وللمقاومة وبيئتها في لبنان.
في المحصلة، هل تمضي "سلطة بعبدا" في "مسارٍ تفاوضيٍ" مباشرٍ مع العدو لا يحظى بإجماعٍ لبنانيٍ؟ وبالطبع، ستكون له ارتداداتٌ خطرةٌ على الأوضاع الداخلية في لبنان. بالتالي، هل ستهدي هذه السلطة نتنياهو ما عجز عن تحقيقه بالعدوان على لبنان، عبر إقحام البلاد في صدامٍ داخليٍ، جراء نهج السلطة الانبطاحي المذكور؟