اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي قائد مقر خاتم الأنبياء: قدراتنا العسكرية تعززت وننتظر أي خطأ للعدو للرد الحاسم

مقالات

مواقف العلّامة الشيخ علي الخطيب السياسية في قراءة تحدد أبعاد الصراع الإقليمي
🎧 إستمع للمقال
مقالات

مواقف العلّامة الشيخ علي الخطيب السياسية في قراءة تحدد أبعاد الصراع الإقليمي

106

أستاذ جامعي

تمثل المواقف التي أعلنها سماحة العلّامة الشيخ علي الخطيب موقفا سياسيا واستراتيجيا متكاملا؛ يتجاوز الإطار اللبناني الداخلي ليندرج ضمن قراءة شاملة للصراع الإقليمي في جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط). 

عند التأمل في مضامين خطابِه، يمكن استخلاص عدة رسائل سياسية وفكرية أساسية؛ ومنها:

أولا- تفسير الصراع القائم حاليا في المشرق العربي والإسلامي، فضلا عن كونه صراعًا عسكريا، إلى صراع حضاري له أهدافه البعيدة. إذ يقدم العلامة الشيخ الخطيب الحرب الجارية على أنها ليست مواجهة بين دول أو قوى عسكرية فقط، هي صراع بين منطقين ومشروعين: منطِق القوة والفرض والإخضاع من جهة، ومنطق الحق والأخلاق والدفاع عن الكرامة من جهة أخرى. هي مقاربة تضفي على الصراع بعدا قِيميا وأخلاقيا يتجاوز الحدود الجغرافية والحسابات السياسية التقليدية.

ثانيا- تثبيت مكانة إيران حليفا استراتيجيا للبنان؛ يريد العلامة الخطيب، بشكره للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تأكيد أن دعم طهران للبنان وللمقاومة ليس موقفا عابرا، هو خيار استراتيجي مستمر. وفي هذا السياق يؤخذ الربط، بين أي تفاهم إقليمي وبين ضرورة أخذ المصلحة اللبنانية، بالحسبان. هنا؛ يظهر بعد سياسي مهم، إذ يدعو ضمنيا إلى إعادة النظر في العلاقات الرسمية اللبنانية- الإيرانية، وإلى تخفيف مظاهر التوتر التي سادت خلال المرحلة السابقة.

ثالثا- رفض نظرية عزل المقاومة

أبرز ما ورد، في الخطاب، أن سقوط إيران أو إضعاف المقاومة في لبنان لن يكون حدثا محليا، إنما سيؤدي- بحسب رؤيته- إلى اختلال التوازنات الإقليمية وتوسع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. ومن هنا؛ ينتقل من الدفاع عن المقاومة، كونها قضية لبنانية، إلى الدفاع عنها بصفتها عنصرًا من عناصر الأمن الإقليمي العربي والإسلامي.

رابعا- الدعوة إلى مشروع أمن إقليمي جديد

تعد الدعوة إلى تعاون أو اتفاقية دفاع مشترك، بين مصر والسعودية وتركيا وإيران وباكستان وبقية الدول الفاعلة، من أكثر النقاط أهمية في الخطاب. هو لا يدعو فقط إلى تضامن سياسي، يطرح أيضًا تصورا لنظام أمني إقليمي يقوم على التعاون الأمني والاقتصادي والعلمي والثقافي والسياسي والتّنموي بين القوى الإسلامية والعربية في مواجهة التحديات المشتركة.

خامسا- نقد السلطة اللبنانية

يحمل خطاب سماحته نقدًا واضحًا للسياسات الرسمية اللبنانية، في المرحلة السابقة والحالية. إذ إن "الخطيب" يرى أن بعض القرارات بنيت على رهانات خاطئة وتقديرات غير دقيقة لموازين القوى واتجاهات الصراع. هو يدعو إلى مراجعة وطنية شاملة؛ تقوم على أساس التواصل مع مكونات الشعب اللبناني جميعها، وإعادة ترميم العلاقة بين الدولة والبيئات التي تحملت أعباء الحرب والتهجير والخسائر.

سادسا- الانتقال من الحرب إلى الحوار الوطني

انتقد "الخطيب" رهانات السلطة السياسية اللبنانية، مطالبًا بإعادة بناء الثقة والعلاقة مع الشرائح اللبنانية الواسعة التي قدمت التضحيات خلال الحرب. لا يقتصر هذا الموقف على توجيه نقد سياسي عابر لأداء السلطة، أيضًا ينطوي على مراجعة شاملة للخيارات التي اعتمدتها الدولة اللبنانية، خلال المرحلة الماضية. إذ إن العلّامة الشيخ علي الخطيب يرى أن بعض القوى السياسية بنت حساباتها على تقديرات خاطئة لموازين القوى الإقليمية والدولية، وعلى رهانات لم تفض إلى حماية لبنان أو تعزيز موقعه. 

بناء على ذلك؛ تأتي دعوته إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة وفئات واسعة من اللبنانيين الذين تحملوا أعباء الحرب من تهجير ودمار وخسائر بشرية واقتصادية، لأن التعامل السلطوي مع أبناء هذا المكون الأساسي لم يكن صحيحًا ولا سليمًا. كما نلفت إلى مسألة مهمة وخطيرة في آن: أن الاستقرار الوطني لا يمكن أن يقوم على التهميش أو الإنكار، بل على الاعتراف بالتضحيات والشراكة الحقيقية في رسم مستقبل البلاد. كما يعكس هذا الطرح توجها نحو معالجة الانقسامات الداخلية في مقاربة وطنية جامعة تعيد وصل ما انقطع بين المؤسسات الرسمية والبيئات الاجتماعية التي دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن الوطن.

كما أكد سماحته الثوابت الوطنية، والمتمثلة في الانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة الأهالي والإعمار وإطلاق الأسرى وإطلاق حوار وطني في استراتيجية الدفاع.

يشكّل هذا البند خلاصة الرؤية السياسية التي يطرحها الشيخ علي الخطيب لمرحلة ما بعد الحرب. إذ يجمع بين المطالب السيادية والإنسانية والوطنية في إطار واحد. الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية يعدّ شرطًا أساسيًا لاستعادة السيادة الوطنية، فيما تعد عودة الأهالي إلى قراهم ومناطقهم المتضررة خطوة ضرورية لإعادة الحياة الطبيعية وترميم النسيج الاجتماعي. كذلك يبرز ملف إعادة الإعمار بوصفه استحقاقا وطنيًا عاجلاً يتجاوز البعد العمراني ليشمل إعادة بناء الاقتصاد والأمل والثقة بالمستقبل. 

أما قضية الأسرى؛ فتطرح كونها قضية كرامة وطنية وإنسانية لا يجوز تجاوزها. في موازاة ذلك، يدعو العلّامة الخطيب إلى إطلاق حوار وطني شامل في استراتيجية الدفاع الوطني، ما يتيح معالجة القضايا الخلافية الكبرى ضمن المؤسسات والحوار، ويؤسس لرؤية مشتركة توازن بين متطلبات السيادة والأمن والاستقرار الداخلي، وتمنح لبنان فرصة الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة الجامعة الموحدة القادرة والعادلة.

على الرغم من اللغة الصّارمة في توصيف الصراع، فإن الخطاب يختتم بطرح سياسي داخلي يقوم على أربعة عناوين: الانسحاب الإسرائيلي الكامل، عودة المهجرين، إعادة الإعمار وإطلاق حوار وطني في استراتيجية الدفاع الوطني. هذا يعني أن الرؤية المطروحة لا تقف عند حدود المواجهة العسكرية، إنما تسعى إلى تحويل نتائج الصمود الميداني كما يراها سماحته إلى مسار سياسي وطني يعيد تنظيم أولويات الدولة اللبنانية الجامعة الراعية القادرة العادلة الأمينة على شعبها وأرضها وقرارها الوطني المسؤول لوطن نهائي لبنيه جميعهم.

الخلاصة السياسية

يمكن القول إن خطاب الشيخ علي الخطيب يحمل ثلاث رسائل محورية:

1. الصراع الحالي ينظر إليه على أنه معركة إقليمية وحضارية، وليس مواجهة محلية محدودة.
2. إيران والمقاومة تعدان، في هذه الرؤية، ركيزتين أساسيتين في موازنة النفوذ الإسرائيلي والغربي في المنطقة.
3. لبنان بعد الحرب مقبل على نقاش داخلي كبير، في العلاقات الإقليمية واستراتيجية الدفاع وطبيعة التوازنات السياسية في الدولة.

من منظور التحليل السياسي البحت، يمثل هذا الخطاب وثيقة سياسية تعبر عن رؤية سماحته لما يجري حاليًا ولمرحلة ما بعد الحرب، وعن شكل النظام الإقليمي الذي يرى أنه يجب أن ينشأ في منطقة "الشرق الأوسط"، خلال السنوات المقبلة

الكلمات المفتاحية
مشاركة