مقالات
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
لم تعد هذه المحلّقات الانقضاضية مجرد إضافة نوعية إلى ترسانة القتال، بل تحوّلت إلى أداة كسرٍ حادّ في بنية التفوّق "الإسرائيلي"، تكشف هشاشته أكثر مما تواجهه مباشرة. فهي، ببساطتها الظاهرية، فرضت معادلة معاكسة بالكامل: كلما تعاظمت القدرات التكنولوجية لدى "إسرائيل"، اتسعت فجوة عجزها أمام تهديدات صغيرة، مرنة، وغير قابلة للاحتواء. فهي أدوات منخفضة البصمة وعالية الدقة، قادرة على إرباك منظومات الدفاع التقليدية وإعادة توزيع موازين القوة ميدانيًا.
لذلك، تجاوزت المحلّقات الانقضاضية في جنوب لبنان دورها التقليدي كوسيلة إسناد، أو عنصر مساعد في ساحة المعركة، لتتحول إلى أداة مركزية تعيد إنتاج ميدان الاشتباك وتفرض قواعده الجديدة. إذ تمثّل المحلّقات الانقضاضية (FPV) الموجّهة بالألياف الضوئية تحولًا بنيويًا في مفهوم الحرب غير المأهولة، حيث تقوم على التخلي الكامل عن البث اللاسلكي لصالح اتصال فيزيائي مباشر عبر كابل بصري فائق الرقة. هذا التحول لا يضيف ميزة تكتيكية فحسب، بل يعيد تعريف قواعد الاشتباك ذاتها، إذ تصبح المحلّقة الانقضاضية غير مرئية وغير مسموعة إلكترونيًا، ما يمنحها حصانة شبه مطلقة أمام أنظمة الحرب الإلكترونية التقليدية.
ما كشفته القناة 15 العبرية حول إطلاق عشرات المحلّقات الانقضاضية أسبوعيًا خلال المناورة البرية، يشير إلى تحول عميق في ميزان القوة، أربك المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية"، ودفعها إلى الاعتراف بتأخرها في إدراك حجم هذا التهديد وطبيعته.
ويتعزز ذلك من خلال اعتماد هذه المحلّقات الانقضاضية على بكرة ألياف ضوئية تُفك تدريجيًا أثناء الطيران، وفق تقنية "سحب الخيط" التي تمنع التشابك وتتيح الحفاظ على سرعات عالية دون التأثير على الأداء. وبفضل نقل البيانات على شكل نبضات ضوئية، تحصل المحلّقات الانقضاضية على بث فيديو عالي الدقة بزمن استجابة شبه فوري، ما يمنح المشغّل قدرة تحكم لحظية ودقة استهداف عالية، حتى في البيئات المعقدة والمغلقة.
ثلاثية الشبحية: تفكيك أنظمة الكشف التقليدية
تكمن أهمية هذا النمط من المحلّقات الانقضاضية في اجتماع ثلاث طبقات من "الشبحية" ضمن منصة واحدة:
أولًا: الشبحية الرادارية الناتجة عن استخدام مواد غير معدنية، مثل الألياف الزجاجية والكاربون فايبر، ما يقلّص البصمة الرادارية إلى حد يجعلها تُصنّف ضمن الضجيج الخلفي أو ككائن طبيعي.
ثانيًا: الشبحية الحرارية، حيث تعتمد هذه المحلّقات الانقضاضية على محركات كهربائية صغيرة لا تولّد حرارة احتراق، بينما تعمل المواد المصنّعة منها كعازل يحدّ من تسرب الحرارة إلى السطح الخارجي.
ثالثًا، وهي الأهم: الشبحية الإلكترونية الناتجة عن غياب أي انبعاث لاسلكي، ما يجعلها غير قابلة للرصد عبر أنظمة كشف الترددات. هذا التكامل بين الشبحيات الثلاث يضع أنظمة الدفاع الجوي أمام هدف لا يمكن اكتشافه مسبقًا، ولا تعقبه، ولا حتى التشويش عليه.
وإلى جانب ذلك، يضيف الحجم الصغير والسرعة العالية والقدرة على الطيران على ارتفاعات منخفضة جدًا بُعدًا بصريًا معقدًا، يجعل اكتشافها بالعين المجردة أو عبر الكاميرات أمرًا بالغ الصعوبة.
من التطوير إلى التوظيف: مسار تقني عابر للجبهات
من الناحية التقنية، تعود جذور هذه المنظومة إلى تطويرات صينية، قبل أن يتم توسيع استخدامها وتحسينها في ساحات القتال الروسية والأوكرانية، لتنتقل لاحقًا إلى بيئة جنوب لبنان بصيغة أكثر نضجًا. وقد مكّنت هذه التراكمات من رفع القدرة التدميرية للمحلّقات الانقضاضية، حيث تحمل بعض النسخ رؤوسًا متفجرة تتراوح بين 10 و20 كيلوغرامًا، فيما تصل النسخ الأحدث إلى نحو 35 كيلوغرامًا، ما يجعلها قادرة على إلحاق أضرار مباشرة بالآليات المصفحة.
أما التحول الأهم، فيكمن في كسر قيد المسافة. فبعد أن كانت هذه المحلّقات الانقضاضية محدودة بمدى قصير لا يتجاوز مئات الأمتار، أدت التطويرات الحديثة إلى رفع المدى ليصل إلى عشرات الكيلومترات، ما منحها بُعدًا عملياتيًا جديدًا يسمح بتنفيذ ضربات دقيقة من عمق آمن، مع بقاء المشغّل خارج نطاق الاستهداف.
تكتيك مضاد وإعادة إحياء حرب العصابات
لا يأتي هذا التحول بمعزل عن سياق المواجهة مع منظومات الحرب الإلكترونية "الإسرائيلية"، بل يمكن قراءته كاستجابة مباشرة لنجاح هذه المنظومات في تحييد نسبة كبيرة من المحلّقات الانقضاضية اللاسلكية التقليدية. في هذا الإطار، تبدو المحلّقات الانقضاضية السلكية كحل تكتيكي مضاد أعاد التوازن إلى ساحة الاشتباك عبر تجاوز نقطة التفوق الأساسية لدى الخصم.
كما يعكس هذا التطور نمطًا أوسع في التفكير العملياتي، يقوم على دمج تقنيات متقدمة ضمن تكتيكات أقرب إلى حرب العصابات. فإلى جانب الكمائن والعبوات، تُستخدم هذه المحلّقات الانقضاضية كأداة دقيقة لاستهداف نقاط حساسة، بما في ذلك مواقع استخبارية ومنظومات إنذار مبكر، بهدف إضعاف قدرة "الرؤية" لدى الطرف المقابل.
وفي هذا السياق، لا تُستخدم التكنولوجيا كبديل عن الأساليب التقليدية، بل كرافعة تعزّز فعاليتها وتعيد توظيفها ضمن بيئة قتال أكثر تعقيدًا.
لم يكن انتقال حزب الله إلى استخدام المحلّقات الانقضاضية الموجّهة بالألياف الضوئية خيارًا تقنيًا ترفيهيًا، بل جاء استجابة تكتيكية مباشرة لنجاح منظومات الحرب الإلكترونية "الإسرائيلية" في تحييد الجزء الأكبر من المحلّقات اللاسلكية. هذا التحول يعكس إدراكًا عمليًا لنقطة الضعف الأساسية في تلك المنظومات، والمتمثلة في اعتمادها الكامل على الإشارة الراديوية، ما يجعلها عرضة للتشويش أو الاختراق.
وتبرز فعالية هذا الخيار من خلال حوادث نوعية، من بينها استهداف مروحية إخلاء طبي بدقة عالية، في دلالة على أن هذا السلاح لا يقتصر على تجاوز التشويش، بل يمنح أيضًا قدرة تصويب دقيقة في بيئات عملياتية معقدة.
وفي هذا الإطار، لا تبدو هذه العمليات عشوائية، بل تأتي ضمن نمط تكتيكي منظم يسعى إلى تحقيق هدف محدد يتمثل في "إعماء" سلاح الجو "الإسرائيلي"، عبر ضرب أدواته الحيوية أو تقويض قدرته على العمل ضمن بيئة معلوماتية مستقرة.
دقة تدميرية عالية: المحلّقات الانقضاضية السلكية وإرباك المنظومة "الإسرائيلية"
في سياق التصعيد العسكري في جنوب لبنان، برزت المحلّقات الانقضاضية الموجّهة بالألياف الضوئية كعامل ميداني ضاغط أعاد خلط حسابات الاشتباك، ليس فقط من حيث القدرة التدميرية، بل أيضًا من زاوية تأثيرها المباشر على منظومات الرصد والتشويش.
هذه المسيّرات، التي تعمل عبر اتصال فيزيائي مغلق بدل البث اللاسلكي، نجحت في تجاوز بيئة التشويش الكثيف، ما حوّلها إلى مصدر قلق حقيقي داخل المؤسسة العسكرية، وأعاد فتح النقاش حول فعالية أدوات الدفاع التقليدية أمام هذا النمط من التهديدات.
وتشير المعطيات المتداولة في الإعلام "الإسرائيلي" وتحليلات الخبراء إلى أن هذا السلاح بات يشكّل أحد أبرز التحديات العملياتية، خصوصًا مع قدرته على استهداف الجنود والآليات المصفحة بدقة مباشرة.
ورغم أن هذه المحلّقات تمثل امتدادًا لتجارب سابقة في ساحات مثل أوكرانيا، فإن إدخال الألياف الضوئية كوسيط تحكم نقلها إلى مستوى مختلف، حيث أصبح الاتصال ثابتًا ومحميًا بالكامل من التشويش، ما أتاح دقة تصويب عالية وصلت إلى حد استهداف أنظمة المواجهة نفسها.
وفي هذا السياق، لم تعد هذه المحلّقات تهديدًا تكتيكيًا محدودًا فقط، بل تحوّلت إلى عامل صادم أرعب العدو وأعاد تشكيل معادلة الاشتباك على نحو غير مسبوق، إذ كشفت الاعترافات الإعلامية والأمنية "الإسرائيلية" عن حالة ارتباك عميق داخل المنظومة العسكرية والسياسية على حد سواء. فالعجز عن إيجاد حلول فعّالة لاعتراضها، كما أقرت به "هآرتس" و"i24News"، لا يعكس فقط قصورًا تقنيًا، بل يفضح فجوة بنيوية بين طبيعة التهديدات الجديدة وأدوات المواجهة التقليدية. وفي ظل تزايد وتيرة الهجمات، وانتقال هذه المسيّرات إلى موقع التأثير المباشر في الميدان، باتت تضرب ليس فقط الأهداف العسكرية، بل أيضًا صورة "التفوق" التي طالما روّجت لها "إسرائيل". وهنا، يتجاوز تأثيرها البعد العملياتي ليطال البنية الذهنية والسياسية لصانع القرار، حيث تتحول من سلاح منخفض الكلفة إلى أداة استراتيجية تُربك الحسابات، وتُقوّض سردية "حرية العمل"، وتضع المؤسسة "الإسرائيلية" أمام اختبار يومي لحدود قدرتها على السيطرة، في مشهد يعكس تصدعًا متزايدًا في مفهوم الردع ذاته.
استهداف منظومات القيادة: من التعطيل إلى ضرب البنية العصبية
في هذا السياق، لا يقتصر استخدام المحلّقات الانقضاضية على إصابة الأهداف التقليدية، بل يتجه نحو استهداف البنية الأكثر حساسية في المنظومة "العسكرية الإسرائيلية"، أي شبكات القيادة والسيطرة.
ويتجلى ذلك في عملية 12 نيسان/أبريل 2026، حيث استُهدفت آلية اتصالات متقدمة من طراز (THMS) في بلدة الطيبة، وهي منصة تكتيكية تشكّل عقدة مركزية ضمن منظومة (C4I) المسؤولة عن إدارة العمليات وربط الوحدات القتالية.
هذه الآلية، التي طُوّرت بالتعاون بين "وزارة الحرب الإسرائيلية" وشركة Elbit Systems، تُعد جزءًا من التحول الرقمي للجيش، إذ تؤمّن اتصالًا عالي السعة عبر أنظمة راديو متقدمة مثل (GRX-8000)، القادر على العمل بتقنيات القفز الترددي والتشفير المعقد ومقاومة التشويش.
غير أن استهدافها بمسيّرة منخفضة الكلفة نسبيًا يكشف تحولًا عميقًا في طبيعة الاشتباك، حيث تصبح المنظومات الأكثر تطورًا عرضة للاختراق عبر أدوات بسيطة لكنها دقيقة، ما يعني عمليًا نقل المعركة من تعطيل الوسائط إلى ضرب "العصب التشغيلي" الذي تقوم عليه فعالية الجيش في الميدان.
انعكاسات استراتيجية: شلل الدفاعات وتحول ميزان الردع
أدّت هذه الخصائص إلى إرباك عميق في بنية الدفاعات التقليدية، خصوصًا تلك المعتمدة على الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية. فأنظمة التشويش، مهما بلغت كفاءتها، تصبح بلا جدوى أمام منصة لا تستخدم الترددات أساسًا، فيما تفشل منظومات الكشف في رصد هدف بلا بصمة.
ينعكس هذا الواقع مباشرة على فعالية أنظمة مثل القبة الحديدية أو أنظمة الحماية النشطة للدبابات، التي صُمّمت للتعامل مع تهديدات واضحة وسريعة، لا مع أهداف صغيرة، منخفضة البصمة، وقادرة على المناورة الدقيقة واستهداف نقاط الضعف.
في المقابل، تكشف هذه المحلّقات الانقضاضية هشاشة مفهوم "العمق الآمن"، إذ يمكن إطلاقها من مسافات تصل إلى عشرات الكيلومترات، مع بقاء المشغّل في موقع محمي بالكامل. كما أن استخدامها في توثيق لحظات الإصابة بدقة عالية يضيف بُعدًا نفسيًا مضاعفًا، حيث يتحول السلاح إلى أداة ردع إعلامي إلى جانب وظيفته القتالية.
في المحصلة، نحن أمام سلاح لا يكتفي بتجاوز الدفاعات، بل يعيد تعريفها، ويفرض انتقال الصراع من مواجهة الوسائل إلى مواجهة المفاهيم التي قامت عليها تلك الوسائل.
فما يجري في الجنوب ليس فقط تطورًا تكتيكيًا، بل تحول في طبيعة الحرب نفسها. فالمسيّرات، خصوصًا الـ(FPV)، باتت أحد الأعمدة الأساسية للمعادلة الجديدة التي تمنع تثبيت الاحتلال، وتدفع نحو نمط قتال مرن، منخفض الكلفة، عالي الاستنزاف، حيث تتحول الكلفة اليومية للبقاء إلى عامل حاسم في تقرير مسار المواجهة.