مقالات
Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court
عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية
ورئيس المحكمة العسكرية السابق
إذا اندلعت مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، فلن تكون مجرد صراع ثنائي محدود، بل زلزالًا إقليميًا واسع الارتدادات. فـ"الشرق الأوسط" لا يعرف الحروب المعزولة، كلّ مواجهة كبرى فيه تتحول تلقائيًا إلى سلسلة حرائق متداخلة، حيث تُستثمر الفوضى لكشف موازين القوّة وفرض وقائع جديدة بالقسر.
الولايات المتحدة تدخل أي حرب محتملة بعقلية الهيمنة المطلقة. قواعد عسكرية تحيط بإيران، أساطيل بحرية جاهزة، وعقوبات اقتصادية تُستخدم كسلاح تدميري موازٍ للنار. في حسابات واشنطن، لا وجود لاستقرار دول مثل لبنان، ولا اعتبار لانهيارات اجتماعية أو اقتصادية. المنطقة تُدار كمساحة عمليات، لا كفسيفساء دول وشعوب.
"إسرائيل"، في هذا المشهد، ليست مجرد حليف تابع، بل محرّض أساسي على الانفجار. خطابها الأمني قائم على دفع الولايات المتحدة نحو المواجهة مع إيران، باعتبارها الفرصة الأوسع لإعادة تشكيل الإقليم بالقوّة. "تل أبيب" تدرك أن الحرب الكبرى تُربك النظام الدولي، وتخفّف القيود السياسية والأخلاقية، ما يمنحها هامشًا واسعًا للتحرك تحت غطاء الدفاع عن النفس، بينما الهدف الحقيقي هو فرض وقائع إستراتيجية وديموغرافية يصعب التراجع عنها لاحقًا.
لبنان: الساحة الأضعف في عين العاصفة:
لبنان سيكون، بلا مواربة، إحدى الساحات الأكثر عرضة للاهتزاز والانفجار. دولة منهكة، اقتصاد محطم، وانقسام سياسي حاد يجعله عاجزًا عن حماية نفسه. أي حرب أميركية - إيرانية سترفع تلقائيًا منسوب التوّتر على حدوده الجنوبية، لا لأن لبنان طرف مباشر، بل لأنه واقع في قلب معادلة الردع الإقليمي، ومكشوف سياسيًا وعسكريًا.
في هذا السياق، يصبح احتمال انخراط لبنان مرتبطًا بعامل حاسم: استغلال "إسرائيل" للفوضى الشاملة التي ستنتج عن الحرب الكبرى لشنّ حرب واسعة على لبنان، هدفها المعلن القضاء النهائي على حزب الله كقوة عسكرية وسياسية. في لحظات انشغال العالم وتشتّت القرار الأميركي، تميل "تل أبيب" تاريخيًا إلى توسيع نطاق حروبها، لا للاحتواء أو الردع، بل لمحاولة الحسم الشامل وفرض نتائج غير قابلة للرجوع.
أمام هذا السيناريو، انخراط لبنان في الحرب يصبح نتيجة هجوم مفروض، لا قرارًا توسعيًا ولا اندفاعًا اختياريًا. فترك "إسرائيل" تستثمر الفوضى لضربه ومحاولة تصفيته يعني القبول بخسارة إستراتيجية كبرى، تطال لبنان بأكمله وتعيد رسم موازين القوّة فيه لمصلحة "إسرائيل".
غزّة، في الوقت نفسه، ليست خارج هذا المخطّط. فالحرب الكبرى قد تُستخدم كغطاء لعملية "إسرائيلية" واسعة تهدف إلى تفريغ القطاع من سكانه عبر التدمير المنهجي والنزوح القسري، بينما يكون المجتمع الدولي مشلولًا ومشغولًا بمواجهة أكبر. هكذا تتكامل الساحات: غزّة أولًا، ولبنان تاليًا، ضمن منطق استثمار الفوضى لا احتوائها.
الإقليم: فوضى مدروسة ونار متعددة الجبهات:
إقليميًا، ستتدحرج النار بسرعة. الخليج تحت التهديد، الملاحة الدولية في خطر، مضيق هرمز سيغلق وأزمة نفط عالمية، أما العراق وسورية فساحتان مفتوحتان، واليمن ورقة ضغط إضافية. حرب كهذه لا تُنتج منتصرين حقيقيين، سوى شركات السلاح والطاقة، وبعض الساسة الذين يراهنون على الخراب للهروب من أزماتهم الداخلية.
أما الخطاب الأميركي عن الاستقرار وحماية الحلفاء، فلا يبدو سوى غطاء لغطرسة القوّة وإدارة الفوضى. و"إسرائيل"، من جهتها، لا تبحث عن سلام ولا عن ردع متوازن، بل عن تفوق دائم، حتّى لو كان ثمنه تدمير ما تبقّى من استقرار إقليمي ودفع المنطقة نحو حافة الانهيار الشامل.
خلاصة
حرب أميركية - إيرانية، إن وقعت، لن تبقى محصورة بين طرفين. لبنان سيكون في قلب العاصفة، لا كخيار، بل كضحية. توسّع المواجهة لن يكون نتيجة قرار منفرد، بل حصيلة مباشرة لغطرسة أميركية، وتحريض "إسرائيلي"، وفوضى تُستثمر عمدًا لإعادة رسم الخرائط بالقوّة. في هذا المشهد، تُترك الدول الضعيفة لتدفع الثمن مرة أخرى.