خاص العهد
حسن رضا شرارة
يقف مسجد جمكران على تخوم مدينة قم، لا كحجرٍ معماريٍّ فحسب، بل كعلامةٍ حيّة في وجدان كلّ مسلم، تختزن معنى الانتظار وتستدعي الأمل بوعدٍ إلهيٍّ متجدّد. هو مسجدٌ استقرّ حضوره في الذاكرة الجمعيّة بوصفه موضع تلاقي الدعاء بالرجاء، والعمل بالترقّب.
تعود قصة تأسيس المسجد إلى أواخر القرن الرابع الهجري، ويروي التاريخ أنّ حسن بن مثلة الجمكراني رأى، في ليلةٍ من ليالي شهر رمضان المبارك، الإمام المهديّ -عجّل الله تعالى فرجه الشريف- فأمره ببناء مسجدٍ في موضعٍ معيّن من قرية جمكران. منذ ذلك الحين، نما المسجد وتوسّع، وتحوّل إلى وجهةٍ أسبوعيّة لآلاف الزائرين، خصوصًا في ليالي الأربعاء، حين تُرفع الأكفّ بالدعاء، ويُقرأ دعاء التوسّل، ويتجدّد عهد الولاء للإمام الغائب الحاضر. هنا، لا يكتفي المؤمن بالرجاء، بل يجدّد التزامه بمسؤوليّته وتشبّثه بتكليفه: انتظارًا يُصلِح ولا يُعطِّل، ويُحرّك ولا يُسكِّن.
تتجاوز دلالات جمكران المكان إلى المعنى. هو رمزٌ لاستمراريّة الارتباط بالإمام- صلوات الله عليه- وتأكيدٌ أنّ الغيبة ليست انقطاعًا، بل نمط حضورٍ مختلف. في جمكران، يتعلّم الزائر أنّ الانتظار ليس فراغًا زمنيًّا، بل مشروع تهيئةٍ وبناء: تزكية للنفس وعدالة في السلوك، وثبات على نهج الحقّ والحقيقة.
لهذا، ترسّخَ مسجد جمكران في وجدان الشيعة، يتجدّدُ ذكره مع كلّ جيل، ويذكّر بأنّ الوعد قائم، وأنّ اللقاء - وإن تأخّر- ممكن، ما دام القلب يقظًا، والعمل صادقًا. في زمنٍ تتكاثر فيه الفتن، ويتكالب الجبابرة على المستضعفين، يبقى مسجد جمكران شاهدًا على أنّ الأمل عبادة، وأنّ الانتظار موقف.
على امتداد الانتظار العمليّ لا الساكن، وفي قلب مدينة قمّ المقدّسة، شهد رواق البقيع في مسجد جمكران انعقاد المؤتمر الدولي الحادي والعشرين لعقيدة المهدويّة تحت عنوان «المهدويّة ومعرفة العدو (اليهودي - الصهيوني)»؛ مؤتمرٌ أراد للانتظار أن يكون موقفًا واعيًا ومسؤوليّة، لا مجرّد ترقّب. جاء شعاره لافتًا في دلالته: «الانتظار المهدوي؛ ذو الفقار حيدر مسلولٌ على يهود خيبر»، ليؤكّد أنّ ثقافة المهدويّة ليست خطابًا غيبيًا معزولًا، بل وعيٌ تاريخيٌّ مقاوم، وبصيرةٌ في تشخيص العدو واستعدادٌ دائمٌ لمواجهة الظلم إلى أن يشرق فجر الوعد الإلهي.
وجّه آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي رسالة إلى المؤتمر؛ شدّد فيها على أنّ عقيدة ظهور المنقذ، وإن كانت مشتركة بين الأديان، هي في مدرسة أهل البيت (ع) تشكّل فكرًا تأسيسيًا مرتبطًا باستمرار الإمامة وضرورة وجود الإمام لهداية البشرية. وأكّد أنّ ما يشهده العالم من ظلمٍ وفوضى، لا سيما جرائم الكيان الصهيوني وداعميه، يبرز الحاجة إلى تربية «المنتظر الحقيقي» القائم على الإيمان بالقوة الإلهية العليا ومعرفة العدو ومخططاته لإفشال محاولات طمس ثقافة الانتظار. وختم بالدعاء لأمن إيران ودوامها قاعدةً للعاشقين والمنتظرين حتى الظهور.
كما أكّد مدير الحوزات العلميّة آية الله الشيخ علي رضا أعرافي أنّ العالم الإسلامي يحتاج اليوم إلى «مهدوية مقاومة» و«انتظارٍ رائد»، انتظارٍ يجمع بين الجاذبية العالمية والقدرة على صناعة المقاومة التي تتصدّى للاستكبار والصهيونية. وأوضح أنّ الانتظار الصحيح ليس فرديًا، بل له امتداد اجتماعي وتاريخي وحضاري. كما حدّد ثلاث رسالات للمهدوية: عرضٌ عقلاني عالمي، نقدٌ علمي للبدائل المنحرفة، وحضورٌ عملي في الميدان.
كما تحدّث عضو هيئة الرئاسة للمدرسين في حوزة قم العلمية آية الله الشيخ محسن أراكي عن السنن الإلهية السائدة على التاريخ، مؤكّدًا حتمية انتهاء المسار التاريخي بتحقق العدالة العالمية بقيادة الإمام المهدي (عج). وشرح سماحته قانوني «تبدّل النعمة» و«الاستبدال»، محذّرًا من نقض الميثاق، ومشيرًا إلى أنّ الصراع بين «التيار الناكث» و«الأمة الوفية» مستمر حتى الظهور.
شهدت هذه الدورة من مؤتمر «عقيدة المهدوية» تكريم 17 شخصية من «أنصار المهدي» في شتى المجالات، مع إزاحة الستار عن 9 مجلّات متخصصة في مجال المهدويّة. تُوّج الحفل بتوقيع كتابي «دراسة وتحليل روايات أسباب غيبة الإمام الثاني عشر» و«أحوال الذنوب والعصاة في الحكومة المهدوية»، إلى جانب سبع مجلات فصلية علمية وبحثيّة في علوم المهدوية.
هكذا، لا يبقى مسجد جمكران مجرّد وجهةٍ للعبادة، ولا تتحوّل المهدويّة إلى فكرةٍ مؤجَّلة تُرحَّل إلى آخر الزمان؛ بل يتجلّى المكان بوصفه مدرسةً حيّة، تُعيد تعريف الانتظار على أنّه وعيٌ وموقف ومسؤوليّة تاريخيّة. من جمكران، يُفهم أنّ الدعاء بلا بصيرة نقص، وأنّ الرجاء بلا عمل وهم، وأنّ الانتظار الحقّ هو ذاك الذي يُنضج الإنسان، ويُصلب الموقف، ويُبقي البوصلة متّجهة نحو العدل مهما اشتدّ الظلام.
في زمن تتشابك فيه مشاريع الهيمنة، وتُعاد فيه صياغة الوعي لتسويغ الظلم، ينهض خطاب المهدويّة المقاوِمة ليقول إنّ المستقبل ليس ملكًا للأقوى سلاحًا، بل للأصدق إيمانًا والأثبت موقفًا. هنا، يصبح الانتظار استعدادًا دائمًا، وتتحوّل معرفة العدو إلى جزءٍ من العبادة، ويغدو الأمل فعلَ مقاومة لا انسحابًا من الواقع.
من قمّ، ومن جمكران تحديدًا، يتردّد النداء القديم المتجدّد: إنّ الوعد الإلهي قائم، وإنّ الغيبة امتحان لا غياب، وإنّ الفجر لا يُولد فجأة، بل يُصنع في القلوب الواعية، والعقول البصيرة، والأيدي التي تعمل بصمتٍ وثبات. وبين الدعاء والعمل، وبين الوعي والصبر، يمضي المنتظرون… لا ليعدّوا الأيام، بل ليصنعوا المعنى، حتى يحين اللقاء.