اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي روسيا تطرد دبلوماسيًا ألمانيًا ردًا على قرار برلين وتحمّلها مسؤولية التصعيد

مقالات

عزم العدو على ضرب المركز والجبهات الناشطة
مقالات

عزم العدو على ضرب المركز والجبهات الناشطة

114

من المناسب التوقّف عند السيرة العدوانيّة لرئيس أركان جيش الاحتلال "الإسرائيليّ" إيال زامير بما تختزنه هذه الشخصيّة من ثقة صلبة لدى المستوى السياسي الحالي في كيان العدوّ وتحديدًا مع بنيامين نتنياهو، وبما يفضي الى فهم ما يدور داخل أروقة المؤسّسة العسكريّة "الإسرائيليّة" وخياراتها التوسّعيّة. 

ولهذا يشكّل البحث عن منطق تفكيره واشتغاله إزاء الجاري من الأحداث المعقّدة بكلّ مخاطرها، حبكة فهم مهمّة للاستشراف والتنبؤ؛ حيث تجمع منهجية زامير الفكريّة بين البُعد الإستراتيجي والتطبيق العملي الملموس استنادًا إلى تجربته الميدانيّة الواسعة وخلفيّته الاستخباراتيّة العسكريّة ودراسته الأكاديميّة المعمّقة؛ حيث نشر دراسة معمّقة (75 صفحة) في مايو/أيار 2022، حملت عنوان "مواجهة إستراتيجيّة إيران الإقليميّة: خطة شاملة طويلة الأجل"، بعد استغراقه عامًا كاملًا كزميل عسكريّ زائر في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" (مركز أبحاث مؤثّر في دوائر السياسة الأميركيّة) إذ أن أفكاره محل اهتمام وتقدير من النخب الأمنيّة الأميركيّة.

خدم إيال زامير في جيش العدوّ منذ عام 1984. تدرّج في الرتب العسكريّة وشغل مناصب قياديّة عالية، وعُرِفَ عنه تأييده للحرب البريّة التقليديّة وتقوية قدرات سلاحي المدرّعات والصواريخ. يوصف بأنه "منهجيّ ومنضبط". قام بإعادة بناء هيكلة داخليّة لجيش العدوّ على ضوء مراجعة الدروس بعد عمليّة طوفان الأقصى المظفّرة (7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023)، معلنًا عن خطّة لدمج هذه الدروس في عمل الجيش "الإسرائيليّ" للسنوات القادمة، حائزًا على ثقة قادة سياسيّين من أطياف مختلفة. 

إستراتيجيّات زامير في الحرب على إيران 

بما يتصل بالجمهوريّة الإسلاميّة في إيران وجبهة المقاومة، ينطلق زامير من دراسة جذور الصراع الأيديولوجيّة/ العقائديّة والتاريخيّة معتبرًا أن التهديد نشأ مع ثورة 1979، رافضًا التعامل مع هذا التهديد على حد وصفه كسلسلة أزمات منفصلة، داعيًا لإستراتيجيّة متراكمة تستغل نقاط ضعف إيران الداخليّة (كالأزمة الاقتصاديّة والانقسامات المجتمعيّة) حتّى تبلغ "الانهيار والتفكّك".

يرى زامير أن إيران تسعى للهيمنة وتصدير الأيديولوجيا، وأنها شكّلت "دولة عتبة نوويّة" ما يعني بالنسبة إليه أن البرنامج النوويّ هو تهديد حقيقيّ وجوديّ يفوق التهديد التقليدي.

 ينظر إلى الحرس الثوريّ الإيرانيّ كمؤسّسة شاملة (عسكريّة، اقتصاديّة، سياسيّة) ومركز ثقل النظام والمسؤول عن الأسلحة الإستراتيجيّة (صواريخ إستراتيجيّة، طائرات مسيّرة)، وكعمود فقري للمشروع الإيرانيّ وشبكته الإقليميّة والمسؤول عن تدريب وإدارة "الجيش الشيعيّ الراديكالي" بحسب تعبيره. ولذلك يجاهر في تبنّيه إستراتيجية ردع تقوم على إضعاف الحرس الثوري من خلال استهداف قياداته، وشركاته الاقتصاديّة، وقدراته العسكريّة مباشرة.

يعتنق تعزيز المنهجية العملياتيّة و"الحملة الرماديّة" المستمرّة تحت عتبة الحرب الشاملة (عمليّات سريّة، ضربات دقيقة ضدّ أهداف حيويّة وشحنات الأسلحة ومستودعات الصواريخ والقادة الميدانيّين للحرس الثوري ووكلائه، هجمات إلكترونيّة، ...) بين الحروب الكبرى لتقويض المكاسب الإيرانيّة دون الدخول في مواجهة شاملة كلّ مرّة، إلى جانب استنزاف ما يسمّيه "الوكلاء أو جيش الظلال" وإضعاف روابطهم بطهران لتحقيق ردع غير مباشر ونقل المعركة لأراضي الخصم، ويدعو لربط المساعدات الاقتصاديّة للبنان والعراق بشرط تقليص نفوذ الوكلاء الإيرانيّين.

 والأهم أنه يتبنّى كسر نظريّة "التحصّن خلف الوكلاء" عبر تغيير قواعد الاشتباك وضرب المركز في إيران نفسها ردًّا على أي هجوم، وجعلها "هدفًا مباشرًا" للردع عن التصعيد أو بناء التهديد، وليس فقط وكلاءها، حيث يشكّل مبدأ "الردع المرن المباشر" حجر الزاوية في مقاربته العسكرية.

المعركة لم تنتهِ والجبهات ناشطة 

يميل زامير إلى تحليل الصراعات تحليلًا إستراتيجيًّا شاملًا وممتدًّا، كمعارك جيوسياسيّة ممتدّة وصراع وجود طويل الأمد يحدّد شكل المنطقة، وليس مجرّد أزمات آنيّة عابرة، ما يتطلّب تعاونًا متعدّد الجبهات من خلال بناء حتميّ لتحالف إقليميّ ودوليّ (أميركيّ، أوروبيّ، إسرائيليّ، عربيّ، ...) عبر الدبلوماسيّة التحالفيّة كقوّة مضاعفة، يشمل أنظمة إنذار مبكّر مشتركة ودفاع صاروخيّ متكامل مع الاستعداد لضربات استباقيّة ضدّ ترسانة صواريخ باليستيّة وطائرات مسيّرة تشكّل تهديدًا "فوق تقليدي ودون نووي"، وقدرات بحريّة غير متماثلة في مضيق هرمز. 

ويرى في انتقال "إسرائيل" إلى القيادة المركزيّة الأميركيّة (CENTCOM) و"اتفاقيات إبراهام" أساسًا لتحالف فعليّ ضدّ التهديدات الصاروخيّة والإيرانيّة، ويحذّر بشكل مباشر من سرعة إعادة بناء إيران لترسانتها الصاروخيّة بعد حرب يونيو/حزيران 2025، ويصف هذه الصواريخ بأنها تشكّل تهديدً وجوديًّا لا يقل عن التهديد النووي، وأن المناورات الإيرانيّة قد تكون غطاء لهجوم مفاجئ. 

منذ أسابيع، أكّد زامير أن "المعركة لم تنته وكلّ  الجبهات ناشطة وما زالت أمام "إسرائيل" تحدّيات جمّة".

 يحمل هذا الكلام معطوفًا إلى رؤيته وجهةً حاسمة تؤشّر على عزم العدوان بكلّ أشكاله المدمجة للإستراتيجيّات الواردة أعلاه، وفي نفس الوقت يحمل في دلالاته إقرارًا بعدم الانتصار الواضح للكيان "الإسرائيليّ"، وعدم هزيمة جبهات المقاومة في جولات القتال السابقة، لكنّه في آن معًا يستدعي في مقابله التوازن الواقعي وحتميّة التمسّك بأوراق القوّة لإيران وقوى المقاومة وتعظيمها بنحو ملموس وكفوء وفعّال، مع معالجة الخلل والمضي السريع والدقيق غير المتسارع في التعافي، والاستفادة القصوى من الطاقات الإنسانيّة واستثمار الموارد والتكنولوجيا وإدارتها بما لا يتوقعه العدو.

إن الجهوزيّة التامة وعدم الاغترار أو الفتور؛ هما طريق إجهاض إستراتيجيّات زامير، مع التنبّه إلى أن سيف الوقت مزدوج الأثر والتسابق على اغتنامه النوعيّ، الذكيّ والبنيوي، هو الحاسم.

الكلمات المفتاحية
مشاركة